أيام الإعلام الموجّه.. صحفيون أجانب يقدمون الحقائق

أيام الإعلام الموجّه.. صحفيون أجانب يقدمون الحقائق

في القرن الماضي كان في سوريا الشقيقة ممثلان بارعان جدا هما نهاد قلعي ودريد لحام يقدمان مسلسلات كوميدية ظاهرا فكاهية باطنا تنتقد الوضع العربي بشكل عام واستقطبوا المجتمع حتى على مستوى السياسيين وكانت انتقاداتهم مثيرة واحيانا تعرضوا للمساءلة كما حال أي مثقف واع في الوطن العربي عندما يؤشر مواطن الضعف والخلل في السياسة.. في احدى مسلسلاته اتى دريد لحام بالمذياع يقول لصاحبه نهاد قلعي (بدنه نسمع اخبار بلادنا من برة) أي بمعنى ان اخبار البلد ممنوعة على ابن البلد ولكنه يحصل عليها من الإذاعات الخارجية بسهولة وتفاصيل وكانت في حينها إذاعة الـ BBCهيئة الإذاعة البريطانية سباقة في نشر الاخبار المثيرة عن البلدان العربية ولاسيما تفاصيل شخصية عن المسؤولين وعن تصرفاتهم الممنوع معرفتها في بلدانهم والمباحة خارج بلدانهم واحيانا يتفاخرون بها بدافع الشهوة هذا له علاقات غرامية مع بائعات الهوى وذاك خسر كذا دولارا في صالات القمار وابن هذا اشترى سيارة بثمن غال وهكذا.. هذه المقدمة بدأتها كي ادخل في موضوع استوقفني كثيرا وهو لماذا المعلومة ممنوعة علينا ومسموح بها للاخرين من بلدان اوربا وامريكا.. احد الأصدقاء الأعزاء اعارني كتاب – سقوط بغداد – تأليف الكاتب صحفي امريكي – جون لي اندرسن – وكما مذكور في الكتاب مراسل صحيفة النيويورك تايمز الواسعة الانتشار قبل بدء الهجوم على العراق بقيادة أمريكا وتحالف دولي ظالم دمر العراق وسبب خسائر فادحة في الافراد والممتلكات بدون أي اعتذار للشعب العراقي المغلوب على امره ولا تعويضات مالية كما حصلت عليها اسكتلنده من حادثة لوكربي تسببت في تدمير الشقيقة – ليبيا – او المساهمة في بناء ما دمرته الحرب الهائلة التي اضعفت الدولة العراقية واعادتها سنوات الى الوراء. كتاب – سقوط بغداد – ترجمة داليا رياض والصادر عن ديوان المسار للترجمة والنشر.. يقول عنه. جون برنر مراسل التايمز.. ان جون لي اندرسون احد اشجع الصحفيين الذين ساهموا في تفاصيل تغطية احداث العراق في اوج اضطرابه ووضعه الكارثي اثناء غزو الولايات المتحدة لهذا العراق الموغل في التاريخ وصاحب حضارات لا ينازعه فيها الا حضارة الفراعنة وحضارة اليونان.. بكتابه – سقوط بغداد – نقل اندرسن صورة مذهلة عن الوضع المأساوي للعراق.. الكتاب ذا أهمية أساسية عن غزو العراق ومضى مدة شهرين او ثلاثة اشهر قبل غزو الإدارة الامريكية للعراق وكانت احدى الإدارات المولعة والعاشقة للحروب وكانت الحجة قائمة وهي مكافحة الإرهاب بعد احداث 11 سبتمبر 2001 التي عليها كثير من علامات الاستفهام.. ولا اعرف اذا كانت هذه الإدارة تعترف بالذنب عندما تدخل الكنيسة؟. اعود مرة أخرى الى الذي اثارني وشجعني على كتابة هذا الموضوع هو لماذا يسمح لغيرنا ما هو حرام علينا؟ أتمنى ان يقرأ الكتاب من له ولع بالقراءة ليطلع على التفاصيل الدقيقة المذهلة عن العراق وخصوصا عن بغداد تفاصيل عن ساحة الاحتفالات، نصب الجندي المجهول، متحف وساعة بغداد، الهدايا المقدمة لرئاسة الجمهورية السابقة تفاصيل دقيقة جدا عن كثير من حياتنا اليومية وللامانة الكاتب بارع جدا في نقل صورة عن العراق في تلك المدة قبل الغزو والقرصنة الدولية على بلدنا العراق العزيز.. من جميل ما كتبه هدية عائلة الشيخ ضاري (البندقية) التي قتلت لجمان حاكم المنطقة آنذاك.. الشيء الاخر المهم الذي استوقفني في كتابه (سقوط بغداد) علاقته الواسعة مع مسؤولين بوزارة الخارجية/ الثقافة والاعلام ولديه علاقات شخصية معهم كما مذكور بالكتاب وهؤلاء المسؤولون كرماء وظرفاء وشفافون مع الكاتب حيث يذكر ان هؤلاء المسؤولين كانوا يقومون بأنفسهم بشي السمك المسكوف على الطريقة البغدادية ويقدمون له (العرك العراقي) وما خفي كان اعظم.. وهذا هو ديدن السياسيين (الميكافيليين) البارعين بالميكافيلية حد النخاع لا اعرف اذا كانوا بهذه الشفافية في دوائرهم آنذاك ويقدمون السمك للموظفين؟. اذا لم يتغير شيء فهو مسؤول باق في منصبه وله كافة الامتيازات مصون غير مسؤول واذا تغير الوضع يستفيد من الصحفي كان يحصل من خلاله على لجوء انساني ويحصل على الجنسية فيصبح مواطنا صالحا جدا في بلدين وكأننا نشاهد فلمين في ان واحد عندما كانت تعرض الأفلام السينمائية في دور السينما في الباب الشرقي سابقا.. وازدواجية الجنسية تحميه ويستطيع ان يفلت من القانون عندما تحصل لديه مخالفات مالية او إشكالات قانونية..

كتاب اخر قرأته للكاتب الفلسطيني (حنا بطاطو) حامل الجنسية الامريكية بعنوان (العراق) ويقع في ثلاثة أجزاء نشرته دار الحياة للتوزيع والنشر/ بيروت ترجمة (عفيف الرزاز)  هذا الكاتب أيضا كسابقه متاح له الاطلاع على كل ما هو محرم علينا فهو يتحدث بأدق التفاصيل عن السياسيين العراقيين وحتى عن حياتهم الشخصية فتحت له الخزائن كما يبدو وأعطي له الضوء الاخضر للكتابة بحرية واسعة وحتى ان كثيرا من الهوامش المذكورة بكتابه كتبها مباشرة من المدون في دوائرنا الحساسة جدا منها الأمنية والعسكرية وللقارئ ان يطلع على هذين الكتابين الممتعين المشوقين حسب رأيي الشخصي فيها الكثير من تفاصيل ما جرى للعراق الغالي العزيز تربتنا الطاهرة وتربة اجدادنا.. هذه خاطرة عما يدور في بلدنا ونحن أبناء البلد لا نسمع عنها الا بالكتب النادرة والمشوقة كما في أفلام السينما الهوليودية.. التي يبرع المخرجون الامريكان في انتاجها وتسويقها واحيانا ينتجون لنا سياسيين بارعين كممثليهم ويتم تسويقهم الى دول العالم المتخلف وكأنهم سلع للتصوير.. وهذه السلع لها تاريخ نهاية أي بمعنى (اكسباير) وعندما ينتهي مفعولهم يقال لهم كش ملك.. وكما حصل لشاه ايران/ ماركوس الفلبيني/ حسني مبارك/ القذافي/ رؤساء افارقة مثل بوكاسا الاوغندي/ عيدي امين رئيس جمهورية اوغندا مدى الحياة كما كان يذكر ولا اعرف لماذا كان ينسى ان يذكر حتى يوم القيامة؟!.. من الفضائيات استوقفني منظر لاحد هؤلاء الذين وضعوا لاحقا في قفص الاتهام يستجدي من رئيس المحكمة قرطاسية ليدافع عن نفسه بعد ان حكم الأرض والافراد والسماء.. انها دروس بليغة في الحياة لمن يعتبر.. وانا اعتبرها حسنة من هؤلاء الكتاب للتمتع بما يكتبون عنا ونحن محرومون من ذلك كتاباتهم كأنها ريشة رسام انطباعي ينقل لنا صورة خافية عنا وما اكثر ما خفي عن الشعوب المقهورة المغلوبة على امرها وكان الله في عوننا..

رحيم احمد قادر – بغداد