إثنان في الباص

إثنان في الباص

عندما تراهم متجاورين في الباص تستطيع ان تتخيل طبيعة بيوتهم البسيطة ,لايفصل بينها سوى ذلك الحائط قليل الارتفاع الذي فقد صفته بان يكون حاجزا فأصبحت الحياة تتجمع على جانبيه حيث تعبر من فوقه الاحاديث والاطفال والصحون المليئة بالطعام والبركة تلك التي لاترجع فارغة ابدا , لا تستطيع ان تخمن من سكن تلك المنطقة قبل الاخر لكنك متأكد بأنهم  دحرجا الكلل الزجاجية سوية وجرحا ارجلهم بنفس علبة الصفيح التي كانا يركلانها طول الطريق وكانا فرقة ممتازة في العزف على كتب المدرسة والمحفظة الحديدية المطبوع عليها خارطة الوطن العربي , مثل  كل القصص التي تحكي عن صديقين كان احدهم طويل القامة هادئ قليل الكلام والابتسام والاخر القصير يتكلم كثيرا ويضحك بعد كل جملة يقولها ..وانت جالس في الجهة المقابلة لهم في الباص جرب ان ترى كل واحد منهم على حدة ستشاهد الطويل بعين يمنى كبيرة لاتدور فهي للشكل فقط وقصير القامة برجل يسرى كبيرة يمدها الى الامام كجذع مقطوع, بعدها ادمج الصورتين معا ستجد نفسك امام لوحة تشكيلية رائعة .. دار بينهم حديث عن البيت والعمل بدا حديثا يوميا روتينيا لقتل ساعات انتظار ان يعبر الباص ذلك الزحام المتزايد ,سكتا فجأة كأن كل ماحولهم سكت او استسلم للسكون ,قطع طويل القامة ذلك الصمت قال : خفقت اجنحة ملاك الموت ,ماذا؟ سأل صاحبه اجاب طويل القامة : قديما كانوا يقولون عندما يحدث هذا الصمت هذا يعني ان ملاك الموت مر من هذا المكان (خوية ) اضن ان ملاك الموت اصبح لايغادر مدينتنا ..اخذ صاحبه يتفحصه بنظراته لاحظ انه يحمل علبتين من السكائر علم ان شيئا ما يزعجه فهو لايدخن اكثر من علبة واحدة في اليوم ,سأله ماذا بك ؟

اجابه :متعب جدا احتاج ان انام طويلا ربما الافضل اذا لم استيقظ ابدا .. ضحك القصير كالعادة وقال :كل مرة تقول نفس الكلام وبالتالي تستسلم لمنبهاتنا الصغار اولادنا ,ولا تنسى موعدنا اليوم . اجاب بجديته المعتادة :سـأقول  لعائلتي اليوم ان لا يوقظوني ولنؤجل موعدنا احتاج للراحة سأله صاحبه بجدية: انت غير طبيعي اليوم ؟

اجاب :متعب يااخي مذبوح ومستغرب كيف انني لازلت على قيد الحياة حتى الان ,  لم يثبت اي طعام في جوفي اذكر انفجار اول امس حيث كنت بدون وعي الملم تلك الاشلاء من الارض محاولا انقاذها من ان تدعس بالارجل  آه تمنيت لو انني عميت تماما قبل ان اشهد هذا  .استدار القصير ناحية النافذة بدا وكأنه يخفي رغبته بالبكاء ..تقدم طويل القامة الى الامام قليلا ,لف وجهه لينظر بعينه السليمة الى صاحبه فهو يعلم ان خلف ذلك الانسان الضحوك كثير الكلام روح شفافة حساسة  تفرح لفرح احبابها وتحزن لحزنهم يريده ان يبقى يضحك يحس بأن الضحك هو مايمنحه القوة للأستمرار ولأحتمال ذلك الجبل المرتبط بفخذه الايسر ,لكي يكسر حالة الحزن التي سادت ربت الطويل بيده على كتف صاحبه وقال مبتسما  :(دمرونا)  لايغلقون منفذ المدينة الا بعد ان يحصل الانفجار (هسة تشوف ) فائدة هذا التفتيش العظيمة عندما يأتي اليوم  الذي فيه سوف لن تجد مني شيء لتدفنه

قال القصير مازحا تقول ذلك كل يوم (خوية نتطشر سوية ) حتى لا أجعلك ترتاح من كلامي ولو للحظة واحدة ..ضحكا  لكن قلوبهم كانت تتألم لمجرد ان تتخيل اليوم الذي فيه سيفترقان ..نظر احدهما الى الاخر اخذا القرار دون كلام ,نزلا من الباص كان طويل القامة يمسك بيد صاحبه القصير ليوجهه وليصف له ماموجود على يمين الطريق  والاخر يمشي مستندا على ساعد صاحبه ليخفف عنه ثقل القدم التي يرتديها .

شهد محمد – بغداد