فرصة العبادي الضائعة

فرصة العبادي الضائعة

الكثير منا لا يدرك قيمة الفرصة الا بعد ضياعها، ويحاول اللحاق بها بعد ان تكون بعيدة عن متناول يده، ويتمنى عودتها لعله يعوض عما فاته منها، ولا يعلم انها إن ذهبت فلا تعود، كونها عزيزة النفس ولا تبالي بمن لا يبالي بها، وهي لاتأتي اعتباطا، وان كانت تأتي لمن لا يستحقونها، كونهم بارعين وأصحاب موهبة في تفويتها وضياعها.

لقد حظي العبادي بالعديد من الفرص التي لم يحظ بها احد قبله ولا بعده كما اعتقد، أولها، وصوله الى قبة البرلمان بعدد متواضع من الأصوات، بفضل القائمة الكبيرة المرشح عنها، ولو كان في قائمة أخرى لإنعدمت فرصته في الحصول على مقعد كما حدث مع مرشح عن قائمة أخرى له تاريخ نضالي طويل وحصد ضعفي عدد اصواته وكان سابعا على بغداد في عدد المصوتين.

في خضم الصراع على منصب رئاسة الوزراء لم يخطر ببال الكثير من العراقيين ان يصار الى ترشيح السيد العبادي، كونه بعيدا عن مركز دائرة التنافس، وكان تقديمه اشبه بمرشح تسوية يلبي مطامح اجندات الفرقاء السياسيين، وبذلك ابتسم له الحظ للمرة الثانية لينقله من كرسي البرلمان الى الكرسي الأهم في العراق، ولكن هذه المرة مكشوف الظهر غير مدعوم الا من اطراف سياسية أخرى من خارج كتلته تطالبه بثمن وصوله الى الكرسي.

حصل السيد العبادي على فرصته التاريخية النادرة عندما هتفت الجماهير المتظاهرة في ساحة التحرير ومدن عراقية أخرى، مؤيدة خطواته الإصلاحية المتواضعة متوقعة منه ان يدعمها بخطوات اصلاحية حقيقية لاحقة، هذه الفرصة التي لم تكن في الحسبان، جعلت منه رمزا للاصلاح مدعوما بالمرجعية الدينية، والشارع، مع تفويض فوري مفتوح من السلطة التشريعية، والتي لو استثمرها بصورة صحيحة لعوضت عليه ما فقده من دعم كتلته، وخلصته من قيوده التي كبله بها حلفاؤه من الكتل والأحزاب الأخرى.

كان من الممكن ان يتماهى العبادي مع مطالبات ومزاج الشارع العراقي ليصبح القائد التاريخي لهذه المرحلة، لكنه ارتكب خطأً كبيرا عندما اقتربت اصلاحاته من مصدر ارزاق الناس (رواتب الموظفين)، ولم يتعظ من سلفه الذي حاول الالتفاف على البطاقة التموينية، هذه الخطوة غير المدروسة قلبت الشارع ضده وحولته من داعم لإصلاحاته الى غاضب ومهدد بالعصيان المدني، وهذا ما جرده من غطاء جماهيري جاء اليه سهلا مريحا على طبق من ذهب، وبالتالي اعاده مكشوفا مرة أخرى وشجع خصومه على سحب التفويض منه، والتشكيك بدستورية حزمته الإصلاحية، وبذلك ضيع العبادي على نفسه فرصة تاريخية ذهبية لن تتكرر.

أصحاب الذكاء والوعي وحدهم من يتمكنون عبر الاستقراء الصحيح والنظرة الثاقبة من اقتناص الفرص وتنميتها واستثمارها وتجنب التفريط بها وضياعها.

احمد شريف الجوراني