الوفاء عند أصحاب الحسين
لم تكن معركة الطف معركة (رابحة) حسب المفاهيم العسكرية كونها لاتتكافأ بالعُدة والعدد والعقيدة والمبدأ بين معسكرالتوحيد و معسكرالضلالة ..فالمنضوي تحت (الراية الهاشمية)علية ان يعرف جيدا انه (مقتول) لامحال ..ولكن السؤال هو ما الذي يحرك (السلوك الاستشهادي) لدى اصحاب الحسين واهل بيته (ع) ..!؟ هل هي غلبة الظلم الاجتماعي على مبادئ العقيدة الاسلامية وهذا الشعور انتج شيئا من الاهتزاز الداخلي لدى المخلصين من المسلمين ..!؟ ام هي الانتفاضة الدينية للرجوع الى منبع الرسالة المحمدية الاصيلة ..!؟
وتشير الدلائل الى ان آل بيت الحُسين (عليهم السلام) كانوا على دراية بما سيحصل على ارض كربلاء ومع ذلك فهم لاينفكّون من الوقوف مع الحسين (ع) في ثورته مهما كانت النتائج ..ولكن ماهو الدافع الحقيقي لـ (اصحاب الحسين) من البقاء معه والقتال دونه مع يقينهم ان المعركة (خاسرة) ميدانيا ..!واقل مايوصف ان عدد جيش( عُمر ابن سعد) يربو على اثني عشر الف مقاتل مقابل سبعين ونيف من اصحاب الحسين واهل بيته..ففي هذا الظرف يكون من الصعب تمكّين حظ الاخرة الغائب ..! على حظ الدنيا الحاضر ..!! مماجعل معركة الطف اقرب ماتكون الى (معركة الجوائز)..!! والتى عّبر عنها قائد جيش الظلالة عمر ابن سعد حين قال :ـ
أأترك ُملك الري والري مُنيتي
أم ارجع ماثوما بقتل حُسيني
هكذا كان معسكر الظلالة يفكر بجوائزالدنيا .. فيما راح معسكر التوحيد يعطي دلالاته الواضحة عن جوائز الاخرة.. التي ظلت تلويحا غامضا لايرتقي الى استيعاب مفاهيمها الا المخلصين الاوفياء والمدركين لحقيقة ما جاء به الحسين (ع) فاستعدوا للمناجزة و الاستشهاد حتى قال فيهم (عليه السلام) قولا مأثورا (ما رايت اصحابا أوفى من اصحابي) وهذة الـ (ما) النافية جاءت على لسان ابن بنت رسول اللة حدا فاصلا لاصحاب الحسين بانهم (اوفى) السابقين و اللاحقين ..!ولم يكن الحُسين (ع) ليمتلك الخَراج و الامصار كي يمّني بها اصحابه سوى (الجنة) ..! التي استثمرها في جوهر الحث على صلاح الامة ..!!
وقد اكد الحسين (ع) لاصحابه ليلة العاشرمن المحرم اذ قال لهم ..(ياقوم ..هذا الليل يغشيكم فاتخذوه جملا ..ولياخذ كل واحدا منكم بيد صاحبه وا مضوا في جوف الليل لايراكم احدا ان القوم يطلبونني ..الخ) فما رأى من قومه إلا انهم يستانسون بالموت مثلما يستانس الطفل بمحالب امه..!!
ان االتباين في مواقف الرجال حيال البقاء في معسكر التوحيد أو معسكر الظلالة اكسب المعركة جوهرا (ساسيولوجيا) غريبا لايمكن ادراكه بسهولة و لا يمكن فهمه سوى انها( لحظة الهداية الربانية).!التي جعلت من (الحر بن يزيد الرياحي) ينتقل من معسكر الظلالة الى معسكر الهداية عندما راى الموقف بعقله دون هواه مَن هم اصحابُ (الحق) في هذة المعركة ..!وقد عُرِف الحر بأنه (اموي الهوى) وأحد قادة يزيد ابن معاوية ومن اللذين توجهوا لقتال الحسين (ع) فلاقاه في الطريق وجعجع له ودعاه للقتال و المناجزة على ارض كربلاء ولكن الحسين (ع) اناخ له الراوية وسقى له خيوله وفرسانه..ونراه في العاشر من المحرم يخرج من معسكر الظلالة وياتي باكيا نادما عند خيمة الحسين (ع) وهو يقول (لقد جعجعت بك فهل من توبة)..!؟ فيقول له (ع) (ياحر.. انت حر في الدنيا وسعيد في الاخيرة) ..!!
وتحولٌ آخر في مواقف الرجال جاء هذة المرة على يد (زهير ابن القين)وكان زهير (عثماني الهوى) وكان وقتها قريبا من منازل الحسين وخيامه اذ قالت له زوجته (ذولهام) لماذا لا تقابل الحسين ابن فاطمة ..؟ !! وكان يمانع مرارا من فعل ذالك حتى جاءت لحظة الهداية بعد صراع مع الذات ..وبعد رجوعه من المقابلة ابلغ زوجته بانها (طالق)..فردت عليه ..ماذا ورائك يازهير ..!؟ فقال اني ملتحق بركب الحُسين (ع) وانت سترجعين مع مولى لى الى اهلك خوفا عليك من ان تكوني سبية من سبايا الطف ..! وهذه اشارة واضحة الى ان القوم سيلقون حتفهم بلا شك ..فما كان جوابها له ..اتريد لوحدك الفوز دوني فلا افارقك حتى القى عقيلة الطالبيين .
ولكن نضع كثيراً من علامات التعجب والإعجاب والاشادة مع الافادة لرجال رائعون هم خارج المنظومة الاسلامية فكرا وعقيدة واتجاها اذ نراهم في العاشر من المحرم ياتون ويقدّمون مهجهم سبيلا واجسادهم قربانا وحياتهم منهاجا لقضية الحسين(ع)كي يفوزوا بـ(جوائزالاخرة) وكان ماكان من (وهب ابن حباب الكلبي) ذلك الشاب (المسيحي) الجديد العهد بالزواج الذي التحق بركب الحسين في الثامن من المحرم بعد ان لاقاه في الثاني منه وكانت معه زوجته وامه حيث استاذن الحسين يوم المعركة للقتال فقاتل ثم رجع الى امه التي ارجعتة الى القتال مرة اخرى وهي تقول له ..(ارجع يابني وقاتل دون ابي عبد اللة لان واعية الحسين قتلتني ..) فقاتل حتى استشهد رضوان اللة علية ..!
ويضرب لنا (جون مولى ابي ذر) مثلا رائعا وهوايضا (رجل مسيحي) قد ناهز الرابعة و التسعين من العمر اذ قدِم الى الحسين (ع)يستاذنه للقتال وهو يقول (ان لوني لاسود وحسبي لئيم وريحي لنتن ..) فرّد عليه السلام وقال له (اللهم بيّض وجهه و طيّب ريحه واحشرة مع محمد وآل محمد ..) فما كان من مكان استشهاده الا ريحا طيبا تاتي منه ..!
ان اصحاب الحسين (عليهم السلام) يقتربون من الخمسين شهيدا ولكن تناولنا اربعة منهم لخصوصيتهم و تّميز مواقفهم حيث ادرك الحسين (ع) هذا الشعور المتناهي في مضامين الانقلاب على الذات و الأنا وأصبح لديه نماذج من (الشهادة) لايرتقي اليها احد من الشهداء وهذا هو سر الخلود وديمومة البقاء في مآثر التاريخ اذ جعلهم هذا الموقف (سرمديون) على مّر العصور لايصل اليهم احد حتى من كان يمتلك من البهاء البشري الشيء الكثير اذ كان عطائهم خالصا لوجه الله في حضرة ابي عبد الله الحسين فطوبى لهم وحشرنا اللة معهم ..!!
محمود آل جمعة المياحي – بغداد
























