جورج أورويل : كيف يموت الفقراء –

أسماء مقيتة للأطباء في روايات القرن التاسع عشر
بقلم جورج أورويل
ترجمة نواف شاذل طاقة
لقد حدث تغير هائل في العلاقة بين الطبيب والمريض خلال السنوات الخمسين الماضية أو نحو ذلك. وإذا ما نظرت إلى جميع الأدبيات المنشورة تقريبا قبل النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فأنك ستجد بأن المستشفى يعد، بالمفهوم الشعبي، كالسجن تماما، بل هو بمثابة سجن ذي طراز قديم شبيه بالزنزانة. ولقد كان المستشفى بالنسبة لعامة الشعب مكانا للقذارة والتعذيب والموت، وهو بمثابة غرفة انتظار للدخول الى القبر. ولم يكن لأي شخص أن يفكر بالذهاب للعلاج في مثل هكذا مكان ما لم يكن معدما، بشكل أو بآخر. ولا سيما في النصف الأول من القرن الماضي القرن التاسع عشر ، عندما بدأت العلوم الطبية تزداد جرأة عن ذي قبل لكنها لم تكن أكثر نجاحا، حيث نُظر إلى مهنة الطب بشكل عام برهبة وفزع من جانب المواطنين العاديين. ولقد نُظر إلى العمليات الجراحية، على وجه الخصوص، بوصفها ليس أكثر من شكل غريب من أشكال السادية، والتشريح، يمكن إجراؤه فقط بمساعدة سراق الجثث، بل أن البعض توهموه كنوع من أنواع تحضير الأرواح. وبوسعك استحضار العديد من الأعمال الأدبية المرعبة ذات الصلة بالأطباء والمستشفيات منذ مطلع القرن التاسع عشر. ويرد إلى الذكر في هذا السياق العجوز المسكين جورج الثالث، في خرفه، يصرخ طلبا للرحمة وهو يرى الجراح مقبلا عليه كي ينزفه دما حتى يغمى عليه وبوسعك أيضا أن تستذكر حوارات بوب سوير وبنجامين ألين، والتي يصعب من دون أدنى شك أن نعدها ساخرة، أو المستشفيات الميدانية في روايتي الهزيمة و الحرب والسلام ، أو ذلك الوصف المروع لعمليات البتر التي يرد ذكرها في رواية السترة البيضاء لميلفيلس بل حتى الاسماء التي كانت تطلق على أطباء القرن التاسع عشر في الروايات البريطانية، والتي كانت على شاكلة المُشرح، ومُقطع الأوصال، والنَشّار، ومالئ القبور، وهلم جرا، فضلا عن أسماء الشهرة العامة للجراحين، المقيتة والمضحكة في آن واحد. ولعل أفضل ما يعبر عن مناهضة العمليات الجراحية ما جاء في قصيدة تينيسون، مستشفى الأطفال ، والتي تعد أساسا وثيقة ما قبل استعمال المخدر رغم ما يبدو بأنها كانت قد كتبت سنة 1880. يضاف إلى ذلك، أن المشهد الذي يصوره تينيسون في هذه القصيدة يعبر عن نفسه على نحو كبير. وعندما تتأمل كيف كانت عليه حال العملية الجراحية التي تجرى دون استخدام المخدر، وكم كانت سمعة مثل هكذا عملية سيئة للغاية، سيكون حينها من الصعوبة بمكان ألا توضع دوافع القائمين بها موضع الشك.
وبصراحة، فقد تولد إدراك، بشكل أو بآخر، بأن التفكير على هذا النحو بالفظائع الدموية التي يصبو إليها الطلبة منظر رائع إذا ما قام بها مُقطع الأوصال لن يجدي نفعا إن لم يمت المريض جراء الصدمة، فأنه سيموت بسبب إصابته بالتسمم غنغرينا ، وهي نتيجة كانت تعتبر مسلما بها. وحتى في الوقت الحاضر، يوجد من الأطباء ممن تدور تساؤلات حول دوافعهم الحقيقية. إن أي شخص كان قد عانى من المرض لفترة طويلة، أو من كان قد استمع إلى طلبة الطب وهم يتحدثون، سوف يدرك ما أعنيه. لكن استخدام مواد التخدير والمعقمات شكلتا نقطة تحول في الميدان الطبي. ربما لن ترى في أي مكان من العالم المشهد الذي يصفه آكسل مونثي في قصة سان ميشيل عندما يبدأ الجراح الشرير ذو القبعة والمعطف الطويل، وقد تناثر الدم والقيح على جبهة قميصه المُنشى، بتقطيع أوصال المريض بعد الآخر بالسكين نفسه ويقذف بالأوصال المقطعة فوق كومة إلى جانب الطاولة. علاوة على ذلك، فقد قبلت دائرة التأمين الوطنية جزئيا بفكرة مفادها بأن المريض الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة ليس سوى رجل فقير لا يستحق إلا بعض الاهتمام. ولفترة متقدمة من هذا القرن، كان من المعتاد قلع أضراس مرضى العلاج المجاني في المستشفيات الكبيرة دون تخديرهم. إذا لم يسددوا الأجر، فلماذا يتعين إعطاؤهم المخدر، وكان هذا هو التصرف المعتاد. إلا أن ذلك تغير أيضا. ومع ذلك، سوف تبقى في ذاكرة كل مؤسسة من هذه المؤسسات ذكرى عالقة بماضيها. وستبقى الارواح تسكن في الغرف المخيفة التي صورها كيبلينغ[4]، وسيصعب دخول أي ورشة دون أن نتذكر أوليفر تويست[5]. لقد بدأت المستشفيات على شكل ردهات عادية لمرضى الجذام وما شابهها من أمراض يوشك أصحابها على الموت، واستمرت بالبقاء كأماكن تتيح لطلبة الطب أن يتعلموا فيها الفن على أجساد الفقراء. وبوسع المرء حتى اليوم أن يلتقط مسحة خافتة لتاريخها الذي تميزه طبيعتها المعمارية الموحشة. أنا لا أشكو من المعاملة التي تلقيتها في أي من المستشفيات البريطانية، لكني أعلم أن ثمة غريزةً راسخةً ما برحت تحذر الناس من الابتعاد عن المستشفيات كلما كان ذلك ممكنا، ولا سيما الابتعاد عن الردهات العامة. ومهما يكن الوضع القانوني، فمما لا شك فيه بأنك لا تمتلك القدر الكافي من التحكم في اوجه علاجك، وبالتاكيد أقل بكثير من امكانية أن تصبح موضع تجارب عبثية، عندما تواجه حالة أن تقبل النظام أو تخرج من المستشفى . أنه لأمر عظيم أن تموت في فراشك، ولكن يبقى الأفضل هو أن تموت أثناء تأديتك واجبك. بيدّ أن مهما بلغت جودة اللطف والكفاءة، يبقى الموت في جميع المستشفيات أمرا قاسيا، وتفصيلا بائسا، وشيئا ما قد يكون تفصيلا لا يستحق الذكر لكنه يترك وراءه ذكريات مؤلمة على نحو فظيع، ناشئة عن الاستعجال، والتزاحم، ومجهولية المكان الذي يموت فيه الناس بين الغرباء كل يوم.
قد يكون هاجس الفزع من المستشفيات لا يزال حيا بين الأشد فقرا، فيما لم يغادرنا جميعا هذا الهاجس إلا مؤخرا. إنه بقعة مظلمة ليست بعيدة جدا من قعر أذهاننا. وكنت قد قلت في وقت سابق عندما دخلت المستشفى العاشر بأن شعورا غريبا من الألفة كان يتملكني. إن ما ذكرني به المشهد، بطبيعة الحال، هو رائحة مستشفيات القرن التاسع عشر الملأى بالألم، التي لم أرها قط لكني أعرفها بحكم المعلومات المتوارثة. إن ثمة شيئا، قد يكون الطبيب الموشح بالسواد بحقيبته السوداء القبيحة، أو ربما مجرد رائحتها التي تبعث على الغثيان، ساهمت في إيقاظ قصيدة الشاعر تينيسون تلك في ذاكرتي مستشفى الأطفال ، التي لم أفكر فيها منذ عشرين عاما. وقد حدث أن قرأتها لي بصوت عال إحدى الممرضات التي كانت تعاني من المرض، والتي قد يرجع عمرها إلى تلك الأيام التي كتب فيها تينيسون القصيدة. بالنسبة لها، فقد بقيت الأهوال والمعاناة في المستشفيات القديمة حية في ذاكرتها. ولقد ارتجف كلانا لسماع القصيدة، ولكن يبدو أني نسيتها بعد ذلك. بل حتى ان اسم القصيدة ربما لم يكن ليذكرني بأي شيء. بيدّ أن اللمحة الأولى لتلك الغرفة سيئة الإضاءة والملأى بالهمهمات، والتي كانت فيها الأسِرّة متقاربة جدا من بعضها البعض، حركت فجأة قطار ذكريات تلك الأحداث، فوجدت نفسي في الليلة التالية وأنا استرجع القصة بأكملها وأجواء تلك القصيدة وبمعظم أبياتها كاملة.
تنويه من المترجم كانت هذه المقالة قد ظهرت لأول مرة في لندن، في تشرين الثاني من سنة 1946، بيدّ أني أجد من الضروري أن أُذكّر القارئ الكريم بأن جورج أورويل يتحدث في هذه المقالة عن اوضاع الطب في فرنسا وفي أوروبا، قبل نحو مائة سنة، من خلال تجربة شخصية عاشها سنة 1929. ولعل من الضروري التأكيد أيضا على أن الطب، ولا سيما في الغرب، قطع أشواطا بعيدة خلال السنوات المائة المنصرمة، في ميادين الاكتشافات العلمية، والأهم في أساليب التعامل الإنساني مع المرضى ، وهو الأمر الذي يمكن تلمسه بسهولة في جميع أنحاء العالم، ومنها المستشفيات الفرنسية على وجه الخصوص، والتي بات الكثير من مواطني العالم العربي يأتون إليها لتلقي العلاج والعناية الصحية. اتمنى أن تكون هذه المقالة محفزا لنا في العالم العربي لإيلاء مزيد من الاهتمام بالواقع الطبي، وفي مقدمتها العناية بالمريض كإنسان. فعلى الرغم من التطور الهائل الذي شهدته الكثير من أقطارنا العربية، إلاّ أن هناك بعض البلدان العربية التي ما برح المريض فيها يرى في المستشفيات الحكومية العامة غرفة انتظار للدخول إلى القبر ، على حد وصف أورويل.
/9/2012 Issue 4304 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4304 التاريخ 15»9»2012
AZP09