محمد إدْعلي والمرنيسي وزرويل
خمسون اسماً للحب على أبواب روضة المحبين
فيصل عبد الحسن
تتحول تسميات المحبة إلى وسيلة بصرية للمتعة، عندما تغدو لوحات جميلة يضمها كتاب مزين برسومات ملونة، وخطوط تذوب رقة في كتاب جمعت نصوصه الباحثة الأنثروبولوجية المغربية د. فاطمة المرنيسي، وتولت نشره دار وغاليري مرسم في مدينة الرباط باللغة العربية والفرنسية في شكل بديع، وقامت بترجمة نصوص الكتاب من الفرنسية إلى العربية، الباحثة فاطمة الزهراء زرويل. وتضمنت النصوص رسوماً ومخطوطات ملونة في غاية الجمال، مستوحاة من المتن بريشة الفنان المغربي المقيم في فرنسا محمد إدْعلي، وقد رسم المتن أصوات المحبين، وهي تترنم بأسماء المحبة الخمسين، وقد أوردها أبن القيم الجوزية ، الذي عاش في القرن الرابع عشر، وترك لنا فيما ترك كتابه الشهير في المحبة، وما يتعلق بها المعنون روضة المحبين وقد أشار فيه إلى أنه جمع من إسماء المحبة خمسين إسماً من ستين إسما،ً معتبرا ما تبقى من أسماء غير مهمة ونادرة الأستعمال في اللغة العربية، والكتاب الذي فاقت عدد صفحاته 488 صفحة أستطاعت المرنيسي أن تجمع منه الخمسين كلمة، التي جمعت معاني أسماء المحبة، وقد نقلت لنا عبرها مخاطر الهوى ورقة مشاعر المحبين ودقة التسميات.
خطاطون عرب
لقد أبدعت خطوط الفنان محمد إدْعلي التي عانقت أسماء المحبة ونقلت رقة الخطوط، وألوانها مشاعر المحبين وشغفهم، ونقلتنا عبر الزمن إلى بساتين العاشقين في بلاد الإندلس، وبلاد الشام، وإلى قصائد الشعر التي قيلت في الحب والمحبين، والتي نهلت أيضا من مختلف أنواع الخط العربي، واستشرفت تجارب خطاطين عرب كبار آخرين، مثل نجا المهداوي التونسي الذي خلط فن الخط بآخر مستجدات التكنلوجيا الأوربية في صناعة الطائرات فزينت مقدمة قمرة إحدى طائرات الجامبو بأحدى لوحات خطوطه الجميلة وألوانه الزاهية، فغدا خطه ذاك كتعويذة تمنع الحسد عن ذلك الجسد الطائر، وتضيف له بعدا جماليا راقيا، وإحساسا فنيا لمنتوج صناعي في غاية الدقة والتطور التكنولوجي، وكذلك لا ننسى تجربة العراقي ضياء العزاوي في بعث الحرف العربي في فضاء التشكيل، وتجربة أحمد الشرقاوي صاحب الأصول البربرية، الذي تخلى عن الحرف العربي، وأخذ يضع بدلا عنه الخط والوشم البربري، ولكنه أبقى ذات التوظيف البصري للخط في أعماله الفنية، ويحسب أيضا للفنانة المغربية الفطرية الشعيبية طلال التي جعلت من الحرف رمزا سحريا في لوحاتها، يحيل الرائي فورا إلى عالم قديم وميثيلوجيا شعبية لا تزال تؤثر على حيوات الناس وطبائعهم. وهناك تجارب حروفية أخرى كتجربة محمد المليحي، وحسن المسعودي الذي ولد في بغداد، وعاش ردحا من الزمن في العراق، والذي نقل الحرف العربي إلى اللوحة التشكيلية، ورشيد كرجي الجزائري، الذي عمل على مفارش الحرير ودون حروفه الزاهية عليها، قبل أن ينتقل لأعمال الخزف، ومحمد أمزيل، وأخيراً العراقي الفنان رعد الدليمي، الذي نقل بهاء الخط العربي وجعله بمصاف أرقى الأعمال التشكيلية المبدعة، وجعله ينهل من جمال اللون وعمق الصفاء الروحي.
روضة المحبين
لخطاط محمد إدْعلي الذي ولد بمدينة أسفي المغربية عام 1969 وهاجر إلى فرنسا بعد حصوله على الباكالوريوس في الآدب العربي من إحدى الجامعات المغربية، وقد بدأت موهبته في الخط تظهر بوقت مبكر من حياته وقد قدم في العديد من معارضه العديد من اللوحات، التي أثبتت تمرسه في هذا اللون الفني، وكان أول معرض له عام 1999في مدينة شفشاون شمال المغرب، وفي عام 2000 في مدينة شيربوغ، وبعد ذلك في مدينة ليون عام 2007 وفي أيفرا بايطاليا عام 2010 وكذلك أقام العديد من المعارض الجماعية في المغرب وفرنسا وبلجيكا أبتداء من عام 1997 وحتى عام 2011 التي كان أخرها في الدار البيضاء، والخطاط إدْعلي حاول أن يترجم أسماء المحبة الواردة في كتاب المرنيسي، بالعودة إلى أصل تلك الأسماء في روضة المحبين لإبن القيم الجوزية، فقال لنا عبر خطوطه الملونه وظلالها، وتدرجات كل لون، الكثير مما قاله المتصوفون عن حبهم لله، وقربهم منه، وتوسلهم إليه بكلمات المحبة، فقد أماتوا ما كان حيا، وهي رغبات نفوسهم، وأحيوا ما كان ميتا فيهم وهي قلوبهم، وشاهدوا ما كان غائبا عنهم وهي الآخرة، وعالم تدرجات اللون تحيلك إلى الشجن المصاحب لما يضفيه المحب من طرف واحد على حبيبه من أسماء التحبب، وللحب رتب ودرجات ومنها الوله والهيام والشغف، والشغف أن يدخل العشق شغاف القلب، ويهيم العاشق على وجهه وربما ينقطع عن الكلم مع الناس وينسى تناول الطعام فيغدو هزيلا مصفر الوجه دائم التفكير، رابط العزم على أنتظار شيء لا يحدث.
أسماء المحبة
ومن أسماء المحبة التي وردت وعمل عليها الفنان، هي الحب أو العشق، الوله، المخامر، الرسيس، الخَبَلٌ، اللَّمَمٌ، الفتون، اللوعة، الاستكانة، الحنين، التذليه، الهيام، الغرام، الخلم، الخٌلَّة، الود، الداء، اللهف، الأرق، السهد، الحٌرق، الذع، الكمد، الحزن، الوثب، الاكتئاب، الأعج، الشجن، الوهل، الغمرات، السدم، الشوق، الخلابة، الجوى، الوجد، الشغف، الصبابة، الهوى، المحبة، الحرمان، الجنون.. وغيرها، لقد حمل الفنان مضامين خطه مشاعر تحسها ذائبة في عمق الأسم، وتشعر بانين الفرشاة، وهي تنطقه فوق الورق، كما لوكانت روحا شفافة تغرس ببطء في نسيج البردي، وجزئيات الفراغ بين بياض وبياض، وفكرة الكتاب الذي عملت عليه المرنيسي جاءت كما قالت قبل شهور عند توقيعها للكتاب عند صدوره أن فكرة الكتاب جاءتها نتيجة حوار ساخن دار بينها وبين باحث شاب من إيران أسمه عباس في محاضرة لها بالبحرين، حول الحب في الحضارة الإسلامية، وقد تحول ذلك النقاش إلى فصول روضة المحبين، حيث أختلفت وجهات النظر بين جيلها وجيل عباس حول الحب ومفاهيمه، مما دفعها للبحث فترة ستة شهور في كتاب روضة المحبين لجمع التعريفات التي فصلها أبن قيم الجوزية في 488 صفحة من كتابه المذكور، وقد ساهم فنيو دار مرسم بأخراج الكتاب بالشكل الفني المطلوب، وذلك بعرض المخطوطة على الخطاط محمد إدْعلي ليضيف إليها خطوطا وألوانا في غاية الجمال والإبداع.
/8/2012 Issue 4278 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4278 التاريخ 15»8»2012
AZP09
























