زمان جديد رمضان في عالم مُضطرِب
يحيى صديق يحيى
أبداً يبقى الشرقيُ مسكوناً بالحنين وتأصيل الأشياء، فهي تولد معه وتنمو وتكبر مادبت قدماه على هذه الأرض وماعاش وتوالت عليه المواسم والفصول. ليس سهلاً الكتابة عن أشياء تَمُرُ بنا وتتكرر باستمرار على مر السنين رغم أننا نعيشها في أحوال وأزمان وأجواء متباينة. ربما لأننا قد نَنظرُ اليها بعين واحدة أو من نافذةٍ واحدة. ثمة سمات مُربكة نَختصُ بها نحن أبناء المدن العربية، أبرزها هذا العمر الذي نَهبتهُ التغيرات الدراماتيكية التي عَصفَتْ بمنطقتنا والحروب الكارثية. نحن الذين عِشنا أجواء القرن العشرين، وَوعينا على آثار أحداثه الكبرى وتغييراته الاجتماعية والسياسية والفكرية الجسيمة، تلك الحقبة التي كانت فيها عموم المجتمعات تُضمدُ جراحها وتتخيلُ بأنها تعافتْ من حروبها وبدأت تُلملمُ أشتاتها عقب الحربين الكَونيتين وتعيدُ ترتيب أوضاعها محاولةً خلقَ واقعٍ جديدٍ يُعنى وينهض بانسانٍ جديدٍ، انسان العالم الجديد، عالم مابعد الحرب، أَملاً وحُلماً بعالم خالٍ من الحروب. أقول نحن أبناء هذه الحقبة شَهِدنا دبيب أقدام التكنولوجيا وهي تدخل بيوتنا أو بيوت جيراننا الموسِرين، ووَعتْ آذاننا على صوت الراديو، مُشنفينَ آذاننا على صوت الشيخ محمد رفعت ومصطفى اسماعيل وأبو العينين الشعيشع وبرامج أخرى من قبل أن ترى عيوننا شاشة التلفزيون التي كنا نتطلع اليها مسكونين بالدهشة والانبهار، ومن قبل أن ندخل عالم مسلسل الضحية ومن بعده الرحيل ثم النصيب ثم الساقية لعبدالمنعم الصاوى الذي لا أعرف مسلسلاً ترك أثراً درامياً مأساوياً في نفوسِ أُناسِنا الذين أَدمنوا الاستمتاع بلذة الحزن والتراجيديا مثله. سمعنا أيضاً برنامج زيارة لمكتبة فلان لسامية صادق من اذاعة الشرق الأوسط، وغيرهُ كثير، فضلاً عن ضربات ساعة بك بن .. طن ..طن المألوفه التي تؤطرُ المشهد العام بنشراتها الاخبارية وصوت مُذيعها وكأننا نشاهده بأم أعيننا مُدثراً يسبح بالضباب يشهقُ ويأخذ نفساً عميقاً بعد كل كلمةٍ ينطقُ بها.. هنا لندن . تغيرت الحياة وأنماطها، جنون المناخ مُمثلاً بالارتفاع المتسارع لدرجات الحرارة، ظاهرة التَصحُر، اتساع طبقة الأوزون، عودة الحروب، كل شيء. تغيرت معها أجواء رمضان الحية التي نالت منها الأجهزة المرئية ومؤخراً الستالايت ومايبثه من برامج ومسلسلات وأفلام. كنا نعيش الأجواء الحية طازجةً بِكراً تماماً ونقضي يومنا بابتكاراتنا الخاصة، نَجوبُ الأسواقَ والجوامعَ، نلتقي الأصدقاء ونستغرق معهم في مشاوير بعيدة، نغطسُ في النهر، نَهدُرُ الوقت كي نقترب من موعد الفطور.
سأستحضرُ صوراً سريعة بسرعة العُمر الذي مَر. سأقفُ في منتصف شارع غازي عند الفرع المؤدي الى جامع عبدال الشهير في الموصل، لم تختفِ المعالم كُلياً، أنحدرُ قليلاً عبر مجاز قصير حتى تُداعب خياشيمي رائحة القهوة، وشربت الزبيب و الطحلك والهيل من دكان ضيق محشور عند ركن المَجاز يقوم عليه رجل قصير بدين يرتدي حزاماً جلدياً عريضاً فوق دشداشته التي ارتفعت الى مافوق كاحلهِ بكثير. لن أبتعد كثيراً فنقرات المؤذن الثلاث وهَمهَمتِهِ على ميكرفون الجامع تُنبهُ من الايغال في دروب السوق لتُعلنَ بأن أوان أذان العصر قد حان. يَهُبُ أهل السوق والمارة لأداء الصلاة، تنتهي الصلاة، ثم يَعتلي الامام كرسي الخطبة الخاص بشهر رمضان، يُلقي موعظةً موجزةً، فيما الناسُ مُتكئينَ الى جدران المسجد مابين مُتعبٍ أَسلَمَ ظهره للجدار، مُستمتعاً ببرودة الفرش الموصلي اللذيذة، عَلّهُ يُعالجُ بعضاً من الظمأ، وبين مقتدرٍ صامدٍ يضع منديلاً مُبللاً، يُنصتُ بتمعُنٍ لم يَنلْ منهُ تعب الصيام. ما أن تبدأ علائم المساء وتنشط عقارب الساعة حتى يزداد الزحام، فتقترب المركبات من بعضها، قد تُلامِسُكَ برودة أكياس شربت أو طرشي أو تدوسُ رِجلُكَ قدم طفل صغير دائخ. صعوداً في الميدان أعلى باب الجسر الحديدي العتيق بقليل قد تَلمحُ الشيخ البصير ذنون البدارني رحمهُ الله امام وخطيب جامع سوق الحنطة وقد أنهى موعظتهُ بصحبة ابن أخيه الشاعر عبدالله البدراني يَخُبانِ السيرَ قاصدين البيت. قد يَسلكُ بعض الناس ممن هُم في داخل المدينة الأزقة والدروب المختصرة للوصولِ الى منازلهم، عندها عليهم أن يصبروا على الروائح المنبعثةِ من مطابخِ البيوت التي راحت تُسارغُ في اعداد الوجبات والعصائر، رائحة البصل المقلي، دخان مناقل الشواء، الماء المندلق وهو يتسربُ من تحت الأبواب. هل بقي شيء؟ نعم.. ثمة طفلة بَهية، تجلسُ على مقعدٍ خشبي صغير، وقد لفتْ رأسها بملاءةٍ ناصعة البياض، تَحتضنُ دُميتها الملونة، تتطلعُ هنا وهناك، تنتظرُ أن تنامَ الشمس ويغيبُ شُعاعُها.
/7/2012 25 Issue 4260 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4260 التاريخ 25»7»2012
AZP20
























