ماسينيون بين عبد الحميد العلوجي وعلي بدر

ماسينيون بين عبد الحميد العلوجي وعلي بدر
مستشرق مات وفي نفسه شيء من بغداد
طلال سالم الحديثي
الروائي علي بدر الذي كتب الوليمة العارية يكتب هذه المرة عن المستشرق ماسنيون في كتاب عنوانه ماسنيون في بغداد من الاهتداء الصوفي إلى الهداية الكولونيالية، ويضم مدخلاً وتوطئة منهجية في التعليق والتحقيق ومقدمة عن الاهتداء الصوفي عبر الحلاج، والهداية الكولنيالية في رسائل ماسنيون في العام 1917 إلى العام 1919م، ثم يأتي موضوع الكتاب الرئيسي رسائل المستشرق الفرنسي لويس ما سنيون إلى الأب أنستاس ماري الكرملي وهي رسائل من العام 1908 إلى العام 1919م.
في مدخل الكتاب صفحة 9 يقول علي بدر في العام 1907، كلف الجنرال ديبي ماسنيون القيام بمهمة تنقيبية عن الآثار جنوبي بغداد، وقد وصل ماسنيون إلى بغداد منفصلاً في بعثة آثارية تبحث عن قصر الأخيضر جنوبي كربلاء، وكان عمره خمسة وعشرين عاماً، فعاش حياة تقشفية متخفياً بملابس ضابط تركي، ومحمياً من قبل العالمين محمود شكري الآلوسي والقاضي على نعمان الألوسي، وبعد أن ذهب ماسنيون في غارة الصحراء إلى الجنوب من بغداد للبحث عن قصر اللخميين الرسميين، فاشتبه بماسنيون من قبل أحد الضباط الأتراك، وألقي القبض عليه بتهمة التجسس والاشتراك بالمؤامرة الماسونية على السلطان عبد الحميد، وعذب وحكم عليه بالموت، واقتيد عبر سفينة في دجلة إلى بغداد، ماراً من طاق كسرى حيث يرقد هناك الصحابي سلمان الفارسي الشاهد المسيحي على ولادة الإسلام.
وفي فصل من كتابه من تراثنا الشعبي الصادر في بغداد عام 1966 بعنوان ماسنيون وعامية بغداد يقول المرحوم عبد الحميد العلوجي في رد له على الدكتور عبد الرحمن بدوي إن المرحوم البروفسور لويس فرديناند ماسنيون مفتوح منذ أمد بعيد، وشهرته في ميدان الدراسات الإسلامية لا تحتاج إلى مجامر بخور أو قواريط طيب حين يراد الاحتفاظ بها في معرض الذكر الحميد، فالرجل من مواليد 1883، وفي يفاعته استهواه التراث العقائدي في الشرق الإسلامي، فعكف على دراسة اللغة العربي فصحى وعامية في مدرسة اللغات الشرقية الحية بباريس، وكان ذلك سنة 1906، وفي العام التالي قرأ ماسنيون الحسين بن منصور الحلاج منظومة في إحدى مجاميع الشعر الفارسي فريد الدين العطار، فحفزته هذه اللقطة على تسخير طاقاته العلمية في تخليد المكتبة الحلاجية.. وأياً كان الأمر، فإنني لا أريد هنا أن أجتر ما كتبه الدكتور عبد الرحمن بدوي حول حياة ماسنيون في مجلة المجلة القاهرية العدد 71 الصادر في أواخر 1962م.. ولكنني بعد أن انتهيت من مطالعة هذا البحث النفسي وجدت كاتبه يقذف في روع القارئ أن ما ذكره عن ماسنيون جامع مانع، والقارئ بدوره يستطيع أن يتكل عليه اتكالاً مطلقاً.. وهذا ما ساقني إلى نشر بعض الملاحظات حوله لأقيد ما شرد من الصواب عن الدكتور بدوي.
فالزميل بدوي يعتقد أن ماسنيون في شتاء 1907ــ1908 قد نزل ضيفا ًعلى أسرة الآلوسي في بغداد، وهذا ما تنقضه الرسائل المتبادلة بين عميد أسرة ماسنيون والأب أنستاس ماري الكرملي في غضون سنة 1907، حول وجوب رعاية الشاب الباحث لويس ماسنيون، البالغ من العمر الرابعة والعشرين، فإن ذوي هذا الشاب قبل أن يغادرهم إلى بغداد في بعثته الآثارية شتاء 1907 قد أخبروا سلفاً الأب الكرملي برحلة ابنه إلى بغداد، وأوصوه به خيراً، والتمسوا منه رعايته.. فالتزم الكرملي برجائهم، وحققه كما يبنغي، وإليه يعود الفضل في توثيق أواصر التلمذة بين السيد المرحوم محمود شكري الآلوسي وبين المستشرق الشاب ماسنيون، مما يؤيد هذا المنزع أن ماسنيون نفسه لم يحبذ العيش تحت سقف واحد مع الأب الكرملي، ولم يفكر في النزول ضيفاً على شيخ الأسرة الآلوسية، وإنما استقل بدار أحمد آغا الواقعة في محلة الحيدر خانة قريباً من العاقولية.
ولعل القارئ تبين بوضوح اختلاف رواية علي بدر عن رواية العلوجي.
أما أهمية الرسائل التي كانت سبباً في تاليف هذا الكتاب بـ 334 صفحة فهي تكمن كما يقول علي بدر في كشفها بشكل واضح وصريح عن العلاقات الثقافية الفكرية والمعرفية بين المثقفين العرب والمستشرقين في الثلث الأول من القرن العشرين، وبتين على نحو فعال الآليات التي ينتظم فيها الخطاب الاستشراقي عبر رسائل واحد من أهم المستشرقين لا في ذلك القرن فحسب، وإنما منذ تأسيس مدرسة الاستشراق بوصفها المعرفة الخابرة بالشرق من أجل توصيفه وفهمه، والاحتياز عليه وضمه، وتبين على نحو جلي الانشباك الفوري والسريع لهذا الخطاب مع الفعاليات السياسية والممارسات الكولنيالية في المنقطة في الثلث الأول من القرن العشري، وتبين كيف أن هذا الخطاب لم يكن بأجمعه قائماً على الفكرة الكولنيالية في تفصيل المصالح الآنية، إنما هناك المعرفة الخاصة والمستقلة، صحيح أن بعض هذا الخطاب قد استخدم كقوة واسعة النطاق لتبرير الهيمنة والسيطرة والضم من جهة، ومن جهة أخرى قوة للاجتثاث وتفكيك الهوية وتبرير المكافيلية السياسية، وتدفق الأحقاد، ولكن هنالك بالموازنة منه كان الخطاب العلمي الثقافي الذي يقارب بين هذه الثقافات والمجتمعات.
فهذا الكتاب إذن هو قصة الرسائل الثلاثمائة التي عثر عليها علي بدر بالمصادفة في متحف المخطوطات العراقية أواخر التسعينات، وهذه الرسائل مرسلة من المستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسنيون إلى علامة اللغة العربية العراقي أنستاس الكرملي وتحكي بشكل شائق رحلة ماسنيون إلى العراق عام 1908 بحثاً عن قصر الأخيضر جنوب بغداد، حيث يلقى القبض عليه بتهمة الجاسوسية، ثم يحكم عليه الضابط العثماني بالإعدام، غير أن تدخل آل الآلوسي كبار علماء الدين في بغداد هو الذي ينقذ ماسنيون من الموت ويردون لماسنيون إثر توسطهم حياته، ثم يهدونه خاتماً مختوماً بعبارة محمد عبده ماسنيون ، ويوصلونه إلى حدود العراق مع سورية، ومن هناك يأخذ الباخرة ويعود إلى باريس غير أن هذه التجربة المشابهة لتجربة دوستوفسكي في تجربة الموت الصوري، تحول ماسنيون إلى التصوف، حيث يكتشف هناك الحلاج، ومدرسة التصوف في بغداد، ويبدأ بهذه الرسائل التي يصورها ماسنيون رحلتين رحلته الشخصية ورحلة كتابه وجد الحلاج الذي بلغ ثلاثة آلاف صفحة، وهي أكبر دراما فكرية عن حياة صوفي مسلم، وقد حصل على الكتاب على شهادة تقديرية من جامعة نونتر في باريس لبراعة التحقيق، والتوثيق العلمي والفكري.
يبقى أن أشير إلى أن هذا الكتاب طبع بطبعتين آخرهما الطبعة التي بين يدي الصادرة عام 2010 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.
/7/2012 24 Issue 4259 – Date Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4259 التاريخ 24»7»2012
AZP09