محكمة عمان الشرعية 2

محكمة عمان الشرعية 2
لست خصماً كما صورني بعضهم
غاية القران الأساسية، هداية الناس إلى دين الحق، والعدل، والحرية، فثار على الخرافات والانحرافات، التي عطلت حرية الفكر واستقلال الإرادة، واستبدل بها الحقائق التي تهدي إلى العقل، وتبين للإنسان علاقته بربه وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا الشورى52
إن كل الأنبياء والمصلحين، كانوا أحرار الذهن، معتقي الفكر، وكل الأنبياء كانوا من أعداء القديم البالي، وكل الأنبياء والمصلحين، تمردوا على النظم السارية، والآراء الشائعة، وكل الأنبياء كانوا أعداء لأنفسهم، وقد كان أسهل عليهم، أن لا ينددوا، ولا يبشروا، لو إنهم خافوا التحقير والاضطهاد، وارتضوا مسايرة الناس.
وتدرك شعوب الأرض كلها، أنه لا أمل في استقرار السلام، أو طمأنينة الإنسان، إلا بالاستناد إلى الدين. فالدين هو خير عامل، تتوحد به مشاعر الإنسان، ومنافعه، وأفكاره.
إن هذه النزعة الدينية، والحاجة إلى التدين، أمران فطريان في الإنسان، يولد وهو مزود بهما، وينبعان من أصل طبيعته، ولا يقلان في فطريتهما عن سائر الأحاسيس، والمشاعر الإنسانية الأخرى، وسيبقيان معه ما بقيت الحياة.
ومن الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه، وكل شيء نعدوه من ملاذ الحياة ونعيمها، ومن الممكن أن تبطل حرية استعمال القوة العقلية، والعلم، والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، أو يتلاشى، بل سيبقى ابد الآبدين، حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يود أن يحصر الفكر الإنساني، في المضائق الدنيئة للحياة الطينية.
إن هذا الإيمان المطلق، الذي يشكل الله فيه نقطة الارتكاز، بما يتمتع به من قوى عليا، هو الدين، الذي تعددت صوره وأشكاله، وكانت غايته في كل مراحل التاريخ البشري، واحدة، وهي إرضاء الله، وطلب العون منه، في حياة لم يستطع الإنسان أن يحيط بكل ما فيها من غموض والتباس .
أن الأديان فتحت باب التغيير، حين عرفت الإنسان أن له روح مستقلا بحسابه. بيد أن اخطر كارثة يوجهها العالم اليوم، عدم قدرته على استيعاب ماهية الدين. إن الطريقة التي عالجت بها البشرية، الفراغ الديني، كانت خاطئة إلى حد بعيد. وفي تصوري أن الإيديولوجيات لا تكاد تفترق عن الأديان البدائية، من حيث وثنيتها، وتقبل الناس لها، دون بحث أو تعليل.
ولسوف يتبين لنا، أن النجاح في التاريخ، كان ولا يزال يرتكز على احترام العقل، وتمرين الإرادة على قبول قيادته لها، مع رقابة صارمة على الغرائز والأهواء والجنوح.
إن الكسل والجبن، هما علة رضا طائفة كبيرة من الناس، بان يبقوا طوال حياتهم، قاصرين عن استخدام عقولهم، منتظرين من يفكر نيابة عنهم، بعد أن وهبهم الله نعمة العقل والأفئدة والبصائر، وبعد أن خلصتهم الطبيعة منذ أمد بعيد، من كل وصاية غريبة عليهم. والكسل والجبن، هما كذلك علة تطوع الآخرين بفرض الوصاية على القاصرين من الناس، ووضع الغطاء على أعينهم ليسهل انقيادهم.
فيبدو الأمر وكأن كل واحد منهم يقول لنفسه إن الوصاية علي لمريحة وما دمت أجد الكاتب الذي يفكر لي، والرجل الروحي أو الداعية الذي يغني ضميره عن ضميري، فما حاجتي لان أجهد نفسي؟ فليست هناك ضرورة تدعوني للتفكير، ولسوف يتكفل غيري بتحمل مشقة هذه المهمة الثقيلة .
هذه اكبر مشكلة تواجه أتباع الديانات المختلفة، إذ تركوا نعمة التدبر والتفكير، واتخذوا أوصياء عليهم ،يفكرون نيابة عنهم، ويقررون لهم ما يأكلون، وما يشربون، وما يلبسون، وكيف ينامون، ويقررون مكانهم في الجنة، أو في النار، وكأنهم يصوغون للناس دينا جديدا، لم يأت به نبي من قبل، وتلك رهبانية ما كتبها الله عليهم.
إن ما أثبتته التجربة، وأكده الواقع، أن الدين لا يضطهد المفكرين، ولا يأمر بالفساد، وسفك الدماء، وتدمير الحياة، كما أنه لا يمتلك عقاقير سحرية، يعالج مشكلات الإنسان الفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وما شأن الدين بها
صالح خريسات عمان
/7/2012 Issue 4255 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4255 التاريخ 19»7»2012
AZPPPL