يحاصرني واقع لا أجيد قراءته – شاكر عبد موسى الساعدي

 

يحاصرني واقع لا أجيد قراءته – شاكر عبد موسى الساعدي

 

رغم سقوط النظام السابق وتحررنا من دكتاتورية الحزب الواحد والفكر الواحد والسماح لنا بالسفر خارج العراق دون دفع رسوم ضريبـــــــــية وانتهاء فترة عسكرة المجتمع وحروبه العبثية إلا أننا أبتلينا بمجــــــــموعة بلاءات عكرت صفو حياتنا وجعلت البعض منا يبكي على الزمن الجميل والماضي القريب  حــــــتى أولادنا حينما كبروا لم يجدوا الجار قبل الدار ولا الصديق وقت الضيق ولا الأقربون أولى بالمعروف وهنا أتكلم عن بعض من مشاهداتي اليومية لحياة الناس .

مثلاً شبكة الانترنت ضعيفة وأغلب أطروحات الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي دينية وعشائرية وطائفية في بلد يحكمه الملل والثقافات الهابطة والمظاهر المسلحة أما الكهرباء فأنها تسوء في بلدي عام بعد أخر وأصحاب المولدات الأهلية يتحكمون بالأسعار التي يريدون دون خوف أو رحمة بعد أن أنهينا النصف الأول من عمرنا القصير بين القصف والقصف المتبادل والنصف الأخر منه بين الكهرباء الوطنية والكهرباء الامبيرية في ظل درجات حرارة مرتفعة جدا وصلت إلـــــــى  (52) درجة مئوية جعلتنا نرجع إلى تراث الأجداد لنشتري أدوات تهوية قديمة (مهفاة) .

وعندما تنهض في الصباح متأخرا تضطر الذهاب إلى مكان عملك في سيارة أجرة ( تكسي) تجد السائق يشكو لك كثرة السيارات غير المرخصة بالعمل في الشارع وبالتالي تدني أجور النقل وكأنه يستعطفك بدفع أجرة أعلى لأنه يعتقد أنه المتضرر الوحيد من الأزمة المالية التي يمر بها البلد.

في التقاطعات والساحات العامة تشاهد أطفالا يبيعون علب الماء البارد والمنادين الورقية مع مجموعة من المتسولين والمتسولات تحت أشعة الشمس الحارقة , تضطر للشراء منهم من باب المساعدة الإنسانية وليس الحاجة الآنية لكي لا ينحرفوا .

بعد نزولك من سيارة الأجرة تجد رجلا طاعنا بالسن أعتقد أنه متقاعد يعمل صباغ أحذية .. كيف تصبغ حذاءك عنده وأنت ترتدي حذاء مصنوعا من الكتان ؟ .

تنظر إلى الرصيف تشاهد شابة عراقية بنتها في حضنها تقول أنها من مدينة نينوى وتصيح ( ساعدوني يا أهال الرحمة والشهامة أن الدواعش قتلوا عائلتي ).

بعد مسافة ليست بالطويلة تشاهد امرأة تضع كمية كبيرة من الماكياج على وجهها حتى تضيع علامات الكبر المرسوم على ملامحها كي تتزوج برجل مناسب تكمل معه مشوار العمر .

و طالب جامعة يقف على الرصيف ينتظر سيارة أجرة (كيا ) في جو الصيف اللاهث

وفي تقاطعات الطرق بدلا من أن ينظم شرطي المرور السير تجده يركض وراء سيارة الأجرة ( الباصات ) المخالفين يأخذ أجازات السوق لغرض مساومتهم لاحقا

ترجع إلى البيت و تريد أن تستحم من شدة الحرارة تجد درجة حرارة الماء أكثر من درجة حرارة الجو التي أعلنت عنها هيئة الأنواء الجوية .. وأخيراً تدخل لغرفتك تفتح الفيس بوك حتى تنسى هموم الحياة تجد شاب شبه متدين باعث لك رسالة يقول فيها إذا لم تراسله (الله يشمرك بجهنم).

والبعض من تجار المنشورات على الفيس يسخرون ويشتمون آخرين لم يفرحوا بتحرير الموصل من الدواعش هكذا هي منشورات بائسة على طريقة الصبيان حين يفوز برشلونة على منافسة ريال مدريد وأقول لهم من يريد إن يعرف كيف تحررت الموصل ؟ فليذهب إلى مقبرة وادي السلام في النجف الاشرف ..

هكذا تــسير بنا الأيام والشــــــــهور والسنين دون تغيير نحو الأحسن نحن أكثر شــــــعوب العالم فرحا نفرح عــــــــندما تأتي الكهرباء الوطنية وعندما نعبر السيطرات العسكرية وحينما نستلم الراتب الشهري وعندما تحدث انفجارات داعشية ونسلم منها غير أبهين بالآخرين وكما قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش (2008-1941) يحاصرني واقع لا أجيد قراءته.