واقعية جديدة أم رؤية بمعيار فني جديد؟
ولادة في جدار تدخل نادي السرد – اضواء – كريم جبار الناصري
أقام نادي السرد بإتحاد الأدباء والكتاب في العراق جلسة يوم السبت 26- 12- 2015 خصصت للاحتفاء بمجموعة (ولادة في جدار) للقاص والمسرحي (عبد السادة جبار).. ادار الجلسة الروائي والقاص محمد علوان جبر والذي تحدث موجزا عن الضيف وبدا بحديثه عن النقد: – في البدء تبقى مهمة النقد أثيرة جدا وتعد مدخلا للعمل الروائي والإبداعات عموما وأعد الكتابة عملية شاقة والكتابة القصصية أشق ..(ولادة في جدار) مبوبة على الغلاف كلمة وقائع والإهداء إلى من صنع هذه الوقائع ،أنها وقائع لخمسة عقود وتمكن الكاتب أن يستلهمها في كتاباته وتبقى مهمة الناقد عسيرة في توصيف القصص ..الوقائع تختصر أسلوب الاستهلال بمدخل السيرة، هذه السيرة التي أبدت الكثير من الإشارات الإبداعية ويستطيع القارئ أن يتلمس المسرح فيها … ثم قدم مدير الجلسة سيرة و منجز الضيف فهو بدا حياته مهتما بالمسرح ممثلا ومخرجا وكاتبا وعمل في الصحافة و عضو اتحاد الأدباء العراقيين و عضو نقابة الصحفيين عضو اتحاد المسرحيين العراقيين عمل في بيت المسرح العمالي /فرقة الجماهير /فرقة مسرح الحضارة مثلت له مسرحيات : نقطة فاصلة /قطرة ماء / خيمة الأرض //لعب لكل زمان ومثلت له مسرحية (اعتصام الحمام )في مهرجان الموندراما 2005 – صدرت له (كوابيس الأبيض وبيان يقظته الأول) مسرحية 2013 ومجموعته القصصية ولادة في جدار 2015 -…
الكاتب الضيف عبد السادة جبار أوجز حديثه:-
البدايات محاولات لتجاوز العجز الذي ترعرع بين جدران الفقر والتغيب والموروثات المتخلفة كنا أن نبحث عن منفذ لإثبات الوجود فكانت القراءة والاطلاع على الكتب العربية والعالمية ثم محاولاتنا المتواضعة جدا في أعادة أنتاج هذا الوعي للتطاول على الواقع وبدأت تلك البدايات في المتوسطة وثم توالت الفرص وازداد الاندفاع من خلال فرقة مسرح الجماهير وبيت المسرح العمالي.وفرقة مسرح الحضارة .لكن إطلالة عام 1980 وأدت تلك التطلعات وهيمنة ما اسمية بالمكارثية الصدامية أدركت خطورة هذا الطريق وكنت مستعدا للتضحية حيث باشرت بتأليف حياة العائلة عملا بنصيحة (لويجي براندللو ) مؤلف مسرحية (ست شخصيات تبحث عن مؤلف ) إلا أنني لم أتوقف عن التثقيف الذاتي ، بعد 2003 وجدت مساحة للعودة ولكن لا أحد يعرفني فلجأت عالم الصحافة من خلال (الأخ جعفر درويش وهذا العمل لم يصل كما أردت ولم تدرك رسالته بسبب التجسيد المتواضع فلجأت بعد ذلك لتحويل نصوصي المسرحية الى كتاب مطبوع على أسلوب العرض المكتوب فكان كتابي (كوابيس الأبيض ) تجسيد لذلك لكني وجدت أن خوض العمل المسرحي في هذه المرحلة يحتاج الى علاقات خاصة ، فثمة أفكار وتساؤلات تعتمل في داخلي فوجدت القصة القصيرة جنسا أدبيا مناسبا لها فقد نشر عدة قصص لاقت استحسانا من الأصدقاء والقراء مما شجعني على أن أطبعها في مجموعة ( ولادة في جدار) طرحت فيها إشكاليات إنسانية عراقية تمتد على أعماق متنوعة للماضي والحاضر وتترك النهايات مفتوحة …
في الجلسة قدمت أوراق نقدية ومداخلات.. الروائي (حميد المختار) قــال :
– علينا تقديم المبدع والاحتفاء به مثلما يحتفل العرب بكتابهم وهذه مسؤولية نادي السرد في تقديم المبدعين من الروائيين والقصاصين وهذا يكون سعيدا جدا لنا علاقاتي مع عبد السادة تمتد لأربعين سنة كنا في الثانوية نعد العدة لإعمال مسرحية وكانت بداياته بين الشعر والمسرح وكانت له ولادات كثيرة في المسرح العمالي..طيب المعشر وخفيف الظل أسس فرقته الحضارة وفي بداية الحرب العراقية- الإيرانية بدا بالهروب من الصدامين.. فكل شيء أحرقته سنوات الحرب وسحقته الوظيفة فبقى يتواصل وتسري في عروقه الكتابة ولأنه رسم الخطوات الثابتة وهو القريب والبعيد من الأجيال فانه يمثل نفسه..قدم عمل لمهرجان الموندراما وكتب مسرحيات وثم تجربته هذه فهو متدفق يجري بالعطاء والمواكبة وظل عطاؤه متدفقا بعيدا عن الأضواء ورأيت أن اكتب عنه لأنه سيبقى قريبا من القلوب وها هو نادي السرد يعيده للأضواء …
أما الروائي (شوقي كريم)كان له حديثه في الجلسة عن العلاقات بين أوساط المثقفين في مدينة الثورة والذي بدأها اغلبهم في المسرح ونوه عن رأيه في تسويق الذات :
– المشكلة في مهنة الأدب ،هي مشكلة التسويق فمن منا استطاع تسويق ذاته ..وكانت جرعتنا للتحدي أكثر من الأخ عبد السادة ففكرة التسويق كانت خجلى ..وكيف نطالب من الإخوان أن يسوقوا أنفسهم في الخارج ونعرف المنجز العراقي ضخما والأمر الأخر هو انه لا يستطيع أن يقدم نفسه من خلال منتجه ونحن نعرف إن هناك قارئا يتابعك وكذلك في الصحف فهنا أضاع فرصة الاختيار واتحاد الأدباء يشكل صدمة نفسية ما بعد الجدار ..والمجموعة ليست قصصا وهي مشاهدات يومية وعبد السادة مليء بالأفكار وحين نحلل المجموعة سنجد الكثير من المراجعات والبناءات القصصية لكي يقدم لما لديه من قصص متميزة …
القاص عبد الكريم ألساعدي له ورقته عن المجموعة جاء فيها:
حديثي هو رؤية انطباعية وفيها من الملاحظات
– المجموعة اتخذت طابع السرد القصصي إذ تحمل خصائص وعناصر القصة القصيرة أذا هي مجموعة قصصية
– كان اهتمام الكاتب منصبا بشكل كبير على الفكرة والمضامين التي يريد طرحها من خلال نصوصه.. وأشار القاص عبد الكريم إلى هموم الناس والعوالم المنسية وأكد إن الكاتب أعطانا إشارات لأحلامنا وبعض أمانينا علنا نرتقي سلم حياة حرة
– اعتمد التلقائية في السرد فجاءت لغته واضحة لا تحمل غموض البلاغة ودلالات الترميز والافتعال عدا قصتين تتجلى دلالات الرمز كانت أحداثها على لسان الحيوانات
– جاءت مجموعته مشبعة بالتقطيع المسرحي والصور السينمائية والحوار الذي لم يستغن عنه في كل قصصه بل أصبح لازمة لها وأخيرا اقو لان (ولادة في جدار )حققت أسلوبا حديثا يرسم ويؤشر لما يمكن تسميته بالواقعية الجديدة ..
الناقد يوسف عبود قدم ورقة نقدية عن المجموعة نقدم موجزها :
– قد يسهل الأمر في عملية اختزال رواية وتشذيبها لنجعلها قصة قصيرة ،فلأمر لا يتطلب إلا حذف الفصول الزائدة وكذلك السرديات التي لا تشكل حالة مهمة في العملية السردية ،إلا إن معالم تلك القصة القصيرة تنتمي إلى الرواية أكثر منها إلى القصة ،في مجموعة (ولادة في جدار)نحن أمام أحداث كبيرة وواسعة وانتقالات زمانية ومكانية متعددة وهذا واضح في قصة( الضفة الأخرى) أما في قصة (موت مشرف) يطرح القاص وبأسلوب فنتازي قصة قطيع من النعاج يتحدثون فيما بينهم دون أن يكون هناك كائن بشري سوى الراعي ، وقد في خلط مضمونها الواقعية النقدية ..وقد وفق في ا ن يأتي بثيمة جديدة وتناول سردي متنامي متصاعد مشوق. في قصة( الأحلام) استطاع القاص الإمساك بشكل محكم في النسق المنسجم لمقومات القصة القصيرة ونجح في إطلاق العجلة السردية للحدث القصصي مستخدما المنولوج الداخلي سابحا في بحر الذكريات ..أما في قصة (ولادة في جدار ) نكتشف العودة الى النفس الروائي والسبب في ذلك يعود الى الأحداث الكبيرة داخل المتن السردي لهذه القصة …وقد نحا هذا النص منحى رمزيا مرتبطا بعنوان القصة إذ جعلها تتناول أفكار وثيمات وشخوص هي من صلب ورحم هذا الوطن ….. وان نصوص هذه المجموعة القصصية نكتشف إن القاص (عبد السادة جبار) يسحبنا عنوة لنطوف في الشارع العراقي ونتفاعل مع الهم العراقي لنعيش حياة حقيقية وغير متخيلة في لغة سردية جميلة وأفكار حوت هذا الشارع مع معالجات فنية تتطلبها طبيعة القصة القصيرة ..
الروائي (عبد شاكر) له ورقة نقدية جاء فيها :
– يقول (غونتر غراس) في متن مقالته المهمة” الكاتب كشاهد إشكالي في قضيته الخاصة”: من أجل إعادة الإجابة عن سؤال مفض لدي الكثيرين ولطالما ُطرح في السابق: لم أكتب لأي جمهور فأنا لم أعرف جمهوري، ولكن كتبتُ أولاً وثانيًا وثالثًا لنفسي ومن أجل حبيبتي ومعارفي وأصدقائي، الذين كان عليهم المجيء والاستماع إلى قراءة الفصول”. ربما يشترك صديقي العتيد (عبد السادة جبار) الكاتب والإعلامي والإنسان مع ما ذهب إليه (غونتر غراس) صاحب التلقائية الواضحة. فصديقي جبار ينحدر كما هو حال أغلبنا لمدينة تتنفس الشعر والأدب وتحترف الحزن والحب والمقاومة “مدينة الثورة”. هو من مؤسسي المشهد السبعيني آنذاك على مستوى الفن والكتابة الأدبية إعلامًا ومسرحًا وشعرًا وقصصًا وروايات. عملنا معًا بداية زمن ما بعد الدكتاتورية في هيئة تحرير جريدة “العراقي”
ومرورًا على مجموعة عبد السادة جبار القصصية البِكر” ولادة في الجدار” التي يحاول أن يفضَّ النزاع لمن تصدى لها نقديًا بالمعول لا بالقلم متعمدًا وضعها خارج إطار التجنيس القصصي متقصدًا بوصف ووضع نصوصها الجميلة والدافئة بمسمى المشاهدات والوقائع الحياتية اليومية التي التقطها بكاميرا سينمائية – كونه من البارعين في عالم ذلك الفن الجميل، نقدًا ومتابعة…في نصوص “ولادة في الجدار” وفي أيقونتها “تلك الأحلام” تجدُ أنك أمام قاص جميل ومحترف يطرح مواضيعه بتلقائية وبساطة كبيرتين. النصوص كلها، بسيطة..سهلة..طيِّعة.. تطرحُ مشاكلها وإشكالاتها بلا تكلُف وبطريقة السهل الممتنع. (عبد السادة جبار) يتناول مواضيعه الاجتماعية والسياسية الكبيرة بطريقة لا يُثقلها.. بمنمنمات ونصوص وأقوال مستعارة أو مُضافة كما يفعل الأغلب الأعمُّ منّا. لهذا أوقع ابن جبار نفسه في مسألة “الكاتب كشاهد إشكالي في قضيته الخاصة” كما أشار (غونتر غراس) إلى ذلك، وهو أيضًا من أوجد الحَلَّ الناجع والسريع لها عندما منحها تجنيس الوقائع اليومية بعيدًا عن مسمى القصّ ليُخرج نفسه من عُنق زجاجة النقد والنُـقّاد، فهي إن بُوركت كوقائع فالحال يُحقق مقبولية ذاتية لهُ، وإن أشير إليها كنصوص قصصية واعدة أو مجيدة حقق مبتغاه الذكي بإجباره القُرّاء والنُقّاد معًا على مسألة وصفها نصوصًا قصصية تمتلكُ أدواتها وعُدّتُها. وهي لعبة مشروعة للكاتب إن صُفِقَ لها أرضت نوازعه الإنسانية والأدبية ومنحتهُ طاقةً للغور في عوالم الكتابة المجنسة الموغلة والمخيفة والجميلة حدَّ الالتذاذ. أمّا إن تعرضت إلى سِهام النقد وهو المتوقع في بلدٍ ينتج ثراءً فنيًا وأدبيًا هائلًا لكنهُ لا يُحسنُ لُعبة صناعة النجوم…
الكاتب والمترجم (عبد الصاحب البطيحي) تداخل هو أيضا وقال :
-عندما كنت أقرا قصص “ولادة في جدار “كنت أشعر بأجواء همنغواي في كتابه : “الشيخ والبحر”. ليس هناك من زيادة فظفاظة يمكن الاستغناء عنها دون المساس بالنص . وجدت الوضوح والصدق والسخرية . وجدت مسارين في الروي :المقروء وما توحي به القراءة، أو المقروء والظل ،أو المقروء وما يريد الراوي أن يشير إليه الذي هو حقاً ثري بالمعاني .
النص الأول في المجموعة يحمل عنواناً موحياً :”الضفة الأخرى” وهو ما يضمنه من انتقال وما يعنيه من حركة .يستهل القول : “قبل أكثر من نصف قرن تمكن والدي الرجل الريفي والأمي من عبور النهر. .تلك مهمة تحتاج لبسالة .” والوالد يقول :”تحررت من الإقطاعي ولن أكون عبداً لرب عمل آخر”.. ما وراء هذا البوح الموجز هناك حراك طال أعواماً ولما يزل يحفر في الأعماق .فهو يشير إلى الهجرة باتجاه العاصمة بغداد والى ذكاء الوافدين وخزينهم الثقافي في التواشج مع ثقافة المدينة المستقرة بغرض استيعابها ومن ثَم إثرائها .
باختصار ، تستطيع أن تجد في كل جملة شيئاً يلامس وجدانك . . إذن لننتظر معطيات الكاتب القادمة فهو يبحث في جدار…
بينما قالت د.ماجدة السعد ملاحظتها عن الجلسة :
– أتمنى من نادي السرد يجد طريقة لإيصال المطبوع الضيف كي يطلع الحضور على انجازه والمشاركة فأقول هناك تكامل بين الناقد والأديب والناقد يطول الحركة الإبداعية ..
الناقد إسماعيل إبراهيم عبد تحدث بإيجاز وقال :
– نتحدث عن تصنيف اللغة الذي يمثل الجانب الخفي في هذا العمل وهناك التشابك ما بين النص والحياة وكذلك هناك متجهات في العالم بما يسمى برعاية الطبيعة وتجود حاليا الواقعية الجديدة أو السحرية وهنا تطرح قصص برؤية جديدة تؤسس بمعيار فني جديد بما نسميه أدلجة القصصي فنيا ..
والإعلامي علاء الماجد أدلى بشهادته عن الضيف :
– علاقتي هي طويلة منذ السبعينات عمل في المسرح ونستذكر اليوم الراحل (كريم جثير) حين كنا نعمل البروفات في البيت كان عبد السادة لم يكتف العمل مع الآخرين فأسس فرقته (الحضارة) وقدمت أعمالا مسرحية كثيرة وكانت هناك شهادات من المسرح الفني الحديث ومنها شهادة الفنان يوسف العاني والدكتور فاضل خليل ..عبد السادة لم يكن بعثيا ولا شيوعيا ولا إسلاميا وارى إن الكاتب لا يقيد ..عمل معي في الصحف وكتب التحقيقات وكان أفضل من كتب التحقيقات ونحن بحاجة لكل هذه الأقلام المميزة والمهمة ..
الكاتب والإعلامي جعفر درويش أيضا قال شهادته :
– تحية لكم كلكم أصدقائي ولكن عبد السادة هو أستاذي علمني القراءة (سوفوكلس اسخيلوس) وزرع حب الثقافة والوعي واكتشاف الجمال واحترام المثقف واحترام الوطن – أتحسس بشعور كبير عبر طريقة ماهرة لاستدراجه إلى الصداقة فاستدراجه بأغاني أم كلثوم فهو يعيد إنتاج الآخرين ويهيم بالموسيقى كما يهيم بالحب /صاحب رعاية كبيرة مفعم بالمنتج والتفسير والمنطق ومستمع جيد للأخر ينصح بطريقة غير جارحة حول سنيننا إلى شيء جميل وحضوري معه اليوم قليل جدا ونحيي فيه روح البقاء ..
ونستهل من الورقات النقدية والمداخلات إن الجميع أكدوا إبداع الكاتب وقدرته على التجدد بما يحمل من أفكار وتلقائية في السرد التي أظهرت وقائع الحياة في مجموعته ولادة في جدار ..























