في الطريق إلى بغداد القديمة، حيث الأزقة والزنقات المعمّرة والعصيّة على التغيير، أمضي وحيدًا. عيوني ترصد كل ما يدور، وسمعي يلتقط همهمات وسخافات وأحاديث المارة، وغابة الأسئلة تنمو.
في سوق بيع الدراجات الصينية في (الصدرية)، نفس الطريق الذي كنت أطرقه لغايات مختلفة، حيث نهاية خط الباص رقم 37 (الحارثية – ساحة النهضة)، لكنه غيّر هويته ولم تتغير وظيفته؛ فوظيفة الدروب أنها توصل وتؤدي من مكان لآخر. أصبح الشارع مختصًا ببيع تلك الدراجات والستوتات بأنواعها وتسويق مستلزماتها وكمالياتها.
كان عامل إعادة تركيب الدراجات من صناديقها الأصلية المستطيلة الكبيرة يقول لرجل في عقده السادس من العمر، والعامل ثلاثيني، قال له بصوت عالٍ: «هناك نغزة في قلبي تؤلمني منذ ثلاثة أيام». قالها وهو يحرك أداة شدّ البراغي بشكل دائري مع دوران اتجاه عقارب الساعة.
قلت: هذا الرجل، عامل الدراجات الصينية، أفلت وهو يشدّ لوالبه ما هو مكبوت داخلي. فهذه نغزتي وذلك قلبي المتعب، لكنه فعل ما فعلت؛ فلقد تركنا أوجاعنا وخرجنا للعمل. هو يضبّ البراغي وأنا أتسوّق الأشياء التافهة.
زنقة قرب سوق الدهانة لا أتذكر أني سلكتها يومًا، وربما طرقتها في حادثة شائنة فتعوّشت ذاكرتي وأخفتها من شريط الماضي. ومثل عمل الـ(GPS) افترضتها توصلني باختصار إلى سوق آخر لي فيه حاجة، فتوكلت.
بدايتها موحلة بمياه رائحتها كريهة. اكتشفت ببساطة بأن هذه الزنقة هي «خلفيات» لسوقين لا علاقة بينهما: سوق الغزل وسوق البهارات.
لم يعد سوق الغزل مختصًا فقط ببيع طيور الحب وأسماك الزينة، ففي زمن الكراهية واللصوص الحيتان تحول السوق لبيع الحيوانات الغريبة والمخيفة. تخيلوا أني وجدت بعضهم يبيع سحالي «الإغوانا» الضخمة في أقفاص خاصة، وهي تبحلق بعيونها الجاحظة بالمارة المدوخين.
سمعت حوارًا عالي النبرة أشبه بالصياح بين رجلين أيضًا؛ أحدهما أربعيني يبدو أنه يدير مخزنًا كبيرًا تتراكم فيه أكياس وصناديق البهارات وشوالات نومي البصرة، وآخر يرتدي دشداشة فاتحة اللون وجاكيته من نفس اللون تقريبًا. الاثنتان متسختان وباليتان، وقد بهت لوناهما حتى استحال بلون التراب، وكل هذا مع طاقية يعتمرها «عرقجين» لونه طيني، واختفت أو اضمحلت خيوط تطريزاته العثمانية.
كان حديثهما ساخرًا وجادًا في نفس الوقت، وفيه تحدٍّ. الشاب تحدث عن 8 شباط، فيما يرد شيخ التراب بانتفاضة 3 تموز، وحديثهما يدور عن أحداث وقعت قبل ستين عامًا. لم أفهم طبيعة الحوار الغريب، وكأنه سجال بين أسماك الزينة والبهارات الهندية.
وأنا أقرأ كتاب «زمن اليسار» لفواز طرابلسي وجدت كمًا كبيرًا من المصطلحات والأوصاف ما عاد يصلح. فهل علينا رميه بالزبالة؟ مثل «الكومبرادور» وتحالف الطبقة العاملة مع القوى الوطنية.
كان ماركس قد صنع معوله الذي سيهدم فيه النظام الرأسمالي من مفكرين اقتصاديين رأسماليين؛ آدم سميث وريكاردو. وقبل مرور قرن على وفاته تحولت «الماركسية» نفسها، بكتاب «رأس المال» وبقية مؤلفاته، إلى قارب إنقاذ سيتخذه النظام الرأسمالي ذاته للعبور نحو بر الأمان وتجديد نفسه، وربما للأبد مثلما يدّعي. والشيوعي الوحيد المتبقي، الصيني، صار أغنى من عائلتي رويتشيلد وروكفلر، بل أصبح الرأسمالي الأغنى في العالم.
غذيت سيري وصحّ حدسي، فلقد انتهت تلك الزنقة بما أريد.
كنت أفكر بتلك الأزقة والدروب وسواقيها التي تنقل بأناة وصبر أوساخ الأنظمة وأوحال العقود، كيف حافظت على نفسها من عسف النظام الديكتاتوري وعصف الاحتلال ونظام الفوضى. فهي على حالها، وما زالت تؤدي وظيفتها، وتضاعفت قيمتها السوقية؛ فالدكاكين الصغيرة كالجحور سعرها بمئات الملايين، والبيوت تجدد واجهاتها، وسكانها يتناسلون بنفس السحنات وذات اللكنة.
هناك بيوت يهودية الطراز والنقوش تمكن مالكوها الجدد من تحويلها إلى بنايات بأسواقها أو بيوت حديثة، وبعضها حسينيات.
ها هي المقاهي القديمة يا محمود درويش، لكن لا أثر للرفاق.
وأنا ألهث قريبًا من بغيتي، نضج بذهني الجواب الذي سأؤجله مؤقتًا لأعود من حيث بدأت، حيث سوق الدراجات الصينية.
ظل هذا الشارع يذكرني بشخصين متناقضين:
الأول سلام كاظم جعفر، الشهيد الذي قتله البعثيون مع أبيه منتصف الثمانينات، والذي كنا نركب ـ هو وأنا ـ الباص رقم 37 لنتخذ مكانينا منزويين في طابقه العلوي لنتحدث عن الوضع السياسي. أنزل أنا قرب معرض بغداد لأكمل طريقي للبيت، وهو ينتهي به الباص في محطته الأخيرة قبل العودة قرب بيته.
الثاني «أبو التور»، شخصية مختلفة؛ ثرثار مهذار دعيّ. في تلك السنوات الأولى كان يجتر بطولات ثورية وخطابًا ناريًا يدعي فيه انتماءه لجماعة الكفاح المسلح، وهو من نسيج أبناء تلك المنطقة.
ولما تركنا المكان ودارت رحى الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك الحملة الظالمة لتسفير العراقيين المتهمين بالتبعية الإيرانية، غيّر أبو التور جلده فأصبح بعثيًا ناشطًا.
وأبو التور كناية تحبب لاسمه «ستار».
لم يغادر أبو التور ذاك الزقاق، لكنه بالغ بانتمائه الجديد، فلم يكن يغيّر طقمه الزيتوني الفاقع، والذي يدل ويثبت عضويته للجيش الشعبي، حاملًا بندقية كلاشنكوف تشبه اللعبة شديدة اللمعان، وقلمه بالحبر الجاف بقبغه الأخضر مثبتًا في جيب بدلته الحزبية العلوي. القلم الذي دأب على كتابة تقارير وشايته عن المقاهي القديمة التي ما عادت، وعن الرفاق الوهميين.
أبو التور ومن مثله هم من أبقى تلك الأزقة على حالها، فبخيانتهم لملّتهم اكتفى النظام بهم رقيبًا وحسيبًا وعينًا له على تلك السواقي الآسنة، فلم يعمد لمحقها وإزالتها، وقد حدث هذا على مر التاريخ وفي أكثر من مكان.
لقد انتهى مشواري، وخرجت بجواب على سؤالي الحارق:
إنهم الخونة… الخونة من أبقى الزقاق على حاله.























