وعّاظ الشعوب الجدد- شاكر عبد موسى الساعدي

وعّاظ الشعوب الجدد- شاكر عبد موسى الساعدي

 

عندما تفتح التلفاز كل يوم ترى وتسمع من بعض الفضائيات الدينية بكاء وعويل وسب وشتم وتسقيط فكري من قبل وعاظ ورجال دين هكذا يسمون أنفسهم ، على التاريخ وما خلفه لنا بعض الحكام العرب والمسلمون عبر رحلتهم التاريخية منذ وفاة الرسول الأكرم عام 11 هجرية المصادف عام 632 م حتى ألان ، رغم وجود من يمدح ذلك الشخص أو الحاكم وغيره ويقدسه باعتباره صاحب فتوحات تاريخية كبيرة .. وهو لا يعرف أو لا يريد أن يعرف بأن الإسلام الذي يقدمون بصورته المشوهة الحالية سوف يجعل الكثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ترتد عن الدين وترجع إلى أصولها ومعتقداتها الفكرية والدينية قبل الإسلام .

لكن الخطر الأكبر يكمن في المناهج الدراسية التي تربي وتنشئ أجيالًا مدمنة على ذات العادات الرجعية في التفكير وفي التعامل مع الأشياء والقضايا الحساسة.

وهي نزعة الرجعية إلى الماضي في الثقافة العراقية الشائعة هذه الأيام وفي أنظمة التعليم والتنشئة، تحت مظلة المحافظة على المذهب والدين ، فقد تمكنا من دفع هذا الجيل والأجيال القادمة إلى زنزانة الماضي الذي لا يقود إلى التراجع والنكوص وقتل روح الابتكار والإبداع فقط وإنما شق اللحمة الوطنية والنسيج العراقي الأصيل من خلال بروز تنظيمات تكفيرية إجرامية أمثال تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وغيرهما.

بيد أن المفيد من هذا كله هو إحالة الخطب والمحاضرات الدينية إلى حكايات تنويرية مفيدة لجميع المستمعين بغض النظر عن ديانتهم أو طوائفهم المختلفة ، باعتبار دروسها الأخلاقية وشخوصها تستحق الذكر فقط وصالحة لكل الأجيال مهما أختلف الزمن ودارت الأيام بدلا من تحويلها إلى قصص تراجيدية مؤلمة ومدعاة للبكاء والعويل على الماضي

علينا في حقلي التربية والتعليم، وفي الإعلام تشجيع نزعة الإبداع والابتكار، بديلين عن نزعة الرجعية المتعامية إلى ماضٍ تم استهلاك ما يمكن أن يقدم لنا من إيحاء، بسبب التكرار والاجترار العقيمين.

وهذا يذكرني بحادثة طريفة عندما أعتلى الشيخ المنبر وأخذ يتحدث عن التاريخ العربي – الإسلامي ويفسره حسب أفكاره السوداوية ، قاطعه أحد الحضور قائلاً :-

( سيدي الشيخ حدثنا عن البطالة المتفشية في المجتمع و الفساد ونهب المال العام والواسطة والمحسوبية وتوريث المناصب قبل أن تتحدث عن رجال قاتلوا الظلم واستشهدوا دفاعا عن الحق ولم يأخذوا من الدنيا سوى العبق الطيب وبقي تاريخهم ناصعاً جيلاً بعد جيل خلدتهم أعمالهم الطيبة وتركوا الدنيا دون أن يملكوا شيا ، أما أنت أيها الشيخ جئتم بسيارة فارهة وملابس من أحسن القماش وعطر فواح ، تذهب إلى العمرة كل عام مجانا لأنك دليل ومرشد ديني عاطل عن الإنتاج مجتمعيا لأنك تبث الفرقة بين المسلمين ) .

ولم يذكر هذا الشيخ وغيره من شيوخ المنابر الخشبية والمنصات الحديدية الهجرة النبوية الشريفة عندما اشتد البلاء على المسلمين في بداية الدعوة الإسلامية ، حينها أذن الرسول الأكرم (ص) لهم بالهجرة إلى الحبشة عند الملك- أصحمة النجاشي – قائلاً لهم ((إنّ بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلَم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه )) فخرجوا و على رأسهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت محمد في شهر رجب من سنة خمس من البعثة وكان رحيل هؤلاء تسللًا في الليل، خرجوا إلى البحر وقصدوا “ميناء شعيبة”، وكانت هناك سفينتان تجاريتان أبحرتا بهم إلى الحبشة ،فكانت أول هجرة في الإسلام.

واليوم الكثير من العرب والمسلمين يتجهون إلى الدول الأوربية المسيحية الديانة والمعتقد بواسطة زوارق الموت ليتخلصوا من ظلم حكامهم واستبدادهم وتطرف رجالات دينهم ومذاهبهم لكي يعيشوا بأمان رغم قرب مكة المكرمة إليهم التي هي قبلة المسلمين جميعاً، مثلما أستقبل حاكم الحبشة النصراني رسولنا الأكرم (ص( وصحبه الأبرار .

بعد مئة عام سوف يكتب التاريخ أن العرب كانوا ملوكاً للنفط وعبيدا لجميلات العالم ، سيكتب عن مداخليهم الشخصية في البنوك الأوربية ، وعن موت أطفالنا جوعاً وغرقاً في سوريا واليمن والعراق وليبيا ، سيكتب عن مخلوقات ملتحية قادمة من عفن التاريخ تفجر نفسها بين الناس الأبرياء لتقتل باسم الدين والوصول إلى الجنة المزعومة ، سيكتب التاريخ عن شعوب من العبيد والفقراء والجهلة وحكام فاسدين وعن معتقدات وطقوس متوارثة غريبة الأطوار .

سيسجل التاريخ حروب العرب المضحكة المبكية فيما بينهم وأسلحة القتل والدمار الغربية والشرقية …. فأفيقوا واستفيقوا رحمكم الله ، لأن من ترجمونه بالجمرات في مكة المكرمة هو من يحكمكم في بلدانكم . ونحن في العراق متى نتخلص من الفاسدين ووعاظ الشعوب الجدد والانتخابات البرلمانية والمحلية على الأبواب ؟.