الهواء يأخذ شكل من نحبهم حين ننساهم – مروان ياسين الدليمي


 

مروان ياسين الدليمي

 

 

1

أجلس
فوق جذعٍ من صمتي
ليس خشبًا
بل جُرحٌ يصل الأرضَ بالطفولة.

في الصورة
أنا أجلس بين رُكَبٍ غائبة
وبين أحذيةٍ لم تخطئ الطريق بعد
حوافّ القبعات تصفّق للرياح
كأنها تُحيّي أشباحنا القادمة.

الوجوه، تتكوّر مثل فطرٍ رطبٍ
نبتَ من خوفٍ قديمٍ
لم نكن نعرف اسمه لكنّه كان ينام معنا
في سلّة الطعام
وفي كُرة القدم البلاستيكية.

العينان لم تكن تنظُران
كانتا تلمعان كحجريْن في جيبِ الوقت
تُرشدان العُمْر نحو منحدرٍ أخضر
تحرسه نملةٌ تتقن الإنصات.

الغابةُ لم تكن خلفنا
بل فينا
أشجارها تمدّ أصابعها من خلال أزرار القمصان
تلتفّ على أذرعنا
وتخمش الصمت بخفّةِ أنثى .

أسمع طقطقةَ الضوء
يتسلّل من بين الأوراق
مثل أصابع طفل يسرق حلوى من جيب الله.

أشمّ ضوءًا
له رائحة صدأٍ رقيق
كأن الصور القديمة تفوح من عرق الذاكرة.

 

سعاد
كانت تربط شريط شعرها كأنها تكمّم الريح.
ضحكتها تُفقسُ على وجهي كبيضةٍ طرية
بينما أنا
أجلس كجنديٍّ صغير
يريد أن يصرخ
ولا يعرف لمن.

أنا الآن
نبتةٌ ذابلة في أصيص السنين
لكنني في الصورة
أُزهر
دون أن أعلم أن ذلك كان الربيع الأخير.

2

قلتُ للصورة:
هل تتذكّرينهم؟
فأجابت الغابة.

كانوا يملؤون الفراغ
مثل هواء خفيف فوق جرح قديم.
كريم
ضحكته كانت أكثر واقعية من وجهه
كنت أظنها ستكبر معه
لكن الحرب كذّبت حدسي.

 

سعاد…
لم تقل وداعًا.
تركت شريطها الأبيض على شجرة أرز
وغابت.
أعتقد أن الشجرة احتفظت به
كانت تمشّطه بالندى كل صباح
كأمٍّ فقدت بنتها ولم تقتنع بعد.

فاطمة
صوتها مثل كسرٍ صغير
في بلّور الطباشير
أعرف أنها ما زالت تضع المصحف تحت الوسادة
وتبكي على كل شيء
إلا على نفسها.

الصورة لا تجيب
لكنّ العيون تتقلّب بين أصابعي
كأنّها سمك صغير في دلوٍ ضيّق
كل واحدٍ منهم يريد أن يقول شيئًا
لكن فمه من ورق.

“أين ذهبنا ؟”
أسأل ظلي
فيغمز لي حجرٌ تحت الحذاء.
أعتقد أنه يعرف
لكن الصخور تتحدث بلغة بطيئة جدًا
لا يفهمها إلا من تأخّر كثيرًا عن كل شيء.

كان هناك ولد
أجلسُ قربه في الصورة
لا أذكر اسمه
لكنه كان يضحك
مثل كائنٍ نجا من السقوط الأخير.

أتساءل إن كان ما يزال يضحك.
أو أن ضحكته تحوّلت إلى مطر
يسقط كل عام
في بلادٍ لا يعرفها.

الهواء…
يأخذ شكل من نحبهم حين ننساهم
يمرّ بي على هيئة نظرة
أو نغمة سريعة في مسلسلٍ قديم
أو صوت خطوةٍ على الدرج
حين لا يكون في البيت أحد.

أنا أعيش الآن في مكانٍ
تتكوّن فيه الأشجار من الصمت
والذكريات من الطحلب
أحفر فيها بأصابعي
وأخرجكم واحدًا واحدًا
كأنكم حشرات شتوية
نسيتم أن تعودوا إلى أوكاركم.

 

 

3

وجهي في الصورة لا يشبهني
هو يعرف كيف يضحك دون أن يخون
أنا الآن
أضحك فقط كي لا يسمعني الحائط.

الطفلُ الذي كنتُه
يسكنني كجاسوسٍ في فندقٍ غريب
يراقبني حين أخلع جوربي
ويضحك كلّما بكيت دون صوت
أمام مسلسل وثائقي
عن حياة الطيور المهاجرة.

هل ما زلتُ هو؟
أم أننا كُنّا مجرد اقتراحاتٍ للأقدار
تسيرُ بين الأشجار بزيّ الكشافة
لكن دون بوصلة؟

الصورة صلبة
لكنها تتفتّت في عينيّ
كأنّ الضوء الذي جمّدها بدأ يذوب
مثل شمعةٍ نسيها الموتى على طرف السرير.

أستطيع أن ألمس وجهي في الصورة
وأشمّ رائحة الغبار على أصابعي
رائحةُ الغياب ليست حزنًا
بل طعم معدنيّ
كأنّ صبية طبعت قُبلةً من زمنٍ آخرعلى صفحة روحي.
أنظر في عينيّ القديمة:
تلك العينان
لم تتعلّما بعد
معنى كلمة “فاتورة”
ولا “عُملة صعبة”
ولا “منفى ” .

كانتا تعرفان فقط:
أن الأرض خضراء
وأن الضحك مادة قابلة للتجدد
وأن البنات الجميلات
لا يَكبرن.

لكنني أعرف الآن
أن كل شيء يكبر
حتى الفقد.

ضحكتي القديمة تسعل داخلي
أحاول أن أبتلعها
لكنها كشوكة زيتون
عالقة في منتصف الكلام.

في المساء
أشعر بالصورة تمشي وحدها
تغلق الضوء
وتقف خلفي…
ليس خوفًا
بل لتتأكد
أنني ما زلت أحفظ أسماءهم
عن ظهر قلب
حتى وإن خانني وجهي.

4

في الليل
تتحرّك الصورةُ فوق الطاولة بخطى خفيفة
كأنها تحاول ألا توقظني
وأنا نائمٌ
تحت وسادةٍ من أسماء.

أسمعها تشهق
تمسح عرقها
تحكّ ظهرها بظفر الغياب
ثم تناديني بصوتٍ يشبه صرير بابٍ صدئ:
ـ لماذا تركتَنا هنا ؟
ـ أليس في قلبك متسعٌ لبقعة ظلّك القديمة؟

أردّ عليها:
لم أترككم.
أنتم الذين تسرّبتم مني
كالنعاس من جفن أمٍّ لا تنام.

يخرج كريم من طرف الصورة
وجهه لم يعد كما أذكر
إنه نصف طفل
نصف رماد
يسألني:
هل ما زالت سعاد تغنّي؟

لا أعرف.
لكن الريح كانت تهمس اليوم باسمها
بين أغصان النخل اليابسة
وكأنها تتذكّر جديلةً نسيتها السماء.

فاطمة تظهر أخيرًا
ترتدي فستانًا من ورق الشجر
وتقرأ دفتر الواجبات بصوت مبحوح
وتضحك حين تخطئ
ثم تختفي خلف حبة تين يابسة.

الصورة الآن تجلس على الكرسي المقابل
تتّكئ على عصا مصنوعة من زمن
وتنفض الغبار عن كتفي
كأنني مَن علق في الماضي لا هي.

كل الأسماء تمشي على الأرض
صوتُهم يأتي من تحت البلاط
من أنفاس الجدران
من تشققات السقف.

أنا لا أعيش هنا
أنا أعيش في تلك اللحظة المتجمدة
حين قال المصوّر:
“ابتسموا!”
ففعلنا
دون أن ندرك أننا نودّع أنفسنا.
الآن فقط
أفهم أن الصورة ليست لمن في الصورة
بل لمن بقي ينظر إليها
ويخاف أن يغمض عينيه.

يا وجهي القديم
أيها الطفل الواقف على كتف الزمان
قل لي ـــ بصدقٍ ـــ
هل كنت أنا
أم مجرد فكرةٍ عن السعادة
لم يكتمل نُطقُها؟ .

أضع الصورة تحت الوسادة
أطفئ الضوء
وأسمعها تهمس لي قبل النوم:
“نراك غدًا…
في حلمٍ أخضر.”