وزير‭ ‬الداخلية‭..‬والكوامة

فاتح عبدالسلام

‭ ‬هناك‭ ‬فهم‭ ‬ساذج‭ ‬عندما‭ ‬يجري‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬والعادات‭ ‬العشائرية،‭ ‬اذ‭ ‬يحاول‭ ‬بعضهم‭ ‬خلطها‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬الدخيلة‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء،‭ ‬وتحوّل‭ ‬ارادة‭ ‬أفراد‭ ‬أو‭ ‬مجموعات‭ ‬لتكون‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ارادة‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬الحال‭ ‬الناشز،‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الضعف،‭ ‬ويكون‭ ‬السياسيون‭ ‬يمارسون‭ ‬دوراً‭ ‬انتهازياً‭ ‬في‭ ‬مهادنة‭ ‬المتجاوزين‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الناس‭ ‬والدولة‭.  ‬بل‭ ‬انّ‭ ‬بعض‭ ‬المزايدين‭ ‬يحاول‭ ‬نفي‭ ‬عن‭ ‬أصحاب‭ ‬العقول‭ ‬الراجحة‭ ‬من‭ ‬المتمسكين‭ ‬بوجود‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬ولو‭ ‬بحدودها‭ ‬الدنيا‭ ‬انتسابهم‭ ‬الى‭ ‬العشائر‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬يرجع‭ ‬اليها‭ ‬جميع‭ ‬العراقيين‭ ‬في‭ ‬الأساس‭.‬

‭ ‬وصل‭ ‬الحال‭ ‬الى‭ ‬انّ‭ ‬الأطباء‭ ‬يتعرضون‭ ‬لابتزاز‭ ‬باسم‭ ‬العادات‭ ‬العشائرية‭ ‬حين‭ ‬يمارسون‭ ‬مهنتهم‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭ ‬حالات‭ ‬وفاة‭ ‬لمرضى‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬حادة‭. ‬وفي‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬شائعة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬مناطق‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ولعل‭ ‬شيوع‭ ‬السلاح‭ ‬الخارج‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬القانون‭ ‬بين‭ ‬ايدي‭ ‬أبناء‭ ‬العشائر‭ ‬جعل‭ ‬التجاوز‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطنين‭ ‬مُيسراً‭ ‬وسهلاً‭.‬

لكن‭ ‬التفاتة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬عبدالأمير‭ ‬الشمري‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها،‭ ‬حين‭ ‬أصدر‭ ‬توجيها‭ ‬فوريا‭ ‬للأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬باعتقال‭ ‬مجموعة‭ ‬أجبرت‭ ‬طبيباً‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬‮«‬‭ ‬الفصل‮»‬‭ ‬العشائري‭ ‬لوفاة‭ ‬مريض‭ ‬يعالجه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انّ‭ ‬باب‭ ‬القضاء‭ ‬والمحاكم‭ ‬مفتوح‭ ‬لرفع‭ ‬الدعاوى‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬كون‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحمل‭ ‬مسمى‭ ‬الدولة‭. ‬ونفذت‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية‭ ‬مداهمات‭ ‬عاجلة‭ ‬لمنازل‭ ‬المارقين‭ ‬باستخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬اعتقال‭ ‬3‭ ‬متهمين،‭ ‬فيما‭ ‬تلاحق‭ ‬آخرين‭ ‬بينهم‭ ‬مطلوب‭ ‬للقضاء‭ ‬بجرائم‭ ‬أخرى‭.‬

ووقعت‭ ‬الحادثة‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬بجنوب‭ ‬العراق،‭ ‬اذ‭ ‬أنّ‭ ‬أحد‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬محافظة‭ ‬ميسان‭ ‬كان‭ ‬يعوده‭ ‬مريض‭ ‬منذ‭ ‬8‭ ‬أشهر،‭ ‬وفي‭ ‬آخر‭ ‬مرة‭ ‬زار‭ ‬الطبيب كان‭ ‬بحالة‭ ‬صحية‭ ‬حرجة‭ ‬فقام‭ ‬الطبيب‭ ‬بإجراء‭ ‬مسحة‭ ‬قلبية‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬ذويه‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬العيادة،‭ ‬لكن‭ ‬المريض‭ ‬توفي‭ ‬بسبب‭ ‬وضعه‭ ‬الصحي‭ ‬الحرج‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬به‭.‬

وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬تعرض‭ ‬الدكتور‭ ‬لـ‮»‬كوامة‮»‬‭ ‬عشائرية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ذوي‭ ‬المريض‭ ‬المتوفي،‭ ‬انتهى‭ ‬بدفع‭ ‬الطبيب‭ ‬فصلا‭ ‬عشائريا‭ ‬بقيمة‭ ‬80‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬عراقي‭.‬

وهذا‭ ‬الامر‭ ‬جعل‭ ‬الطبيب‭ ‬يشعر‭ ‬انه‭ ‬مهدد‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬تعرضه‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الابتزاز،‭ ‬و‭ ‬قرر‭ ‬مغادرة‭ ‬المحافظة،‭ ‬وأغلق‭ ‬عيادته‭ ‬الطبية‭ ‬بسبب‭ ‬التهديدات‭ ‬العشائرية‭ ‬وخذلان‭ ‬المسؤولين‭ ‬المحليين‭ ‬له،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬ذوي‭ ‬المصالح‭ ‬المريبة‭ ‬مع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مجموعات‭  ‬تنتسب‭ ‬للعشائر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬امتلاكها‭ ‬القيم‭ ‬العراقية‭ ‬العشائرية‭ ‬الاصيلة‭..‬

رئيس التحرير-الطبعة الدولية

[email protected]