
رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء الجديد – عطا شميراني
تسلّمكم رئاسة الحكومة العراقية لا يعني فقط انتقال السلطة من مرحلة إلى أخرى، بل يضعكم أمام اختبار تاريخي طال انتظاره؛ اختبار القدرة على إخراج العلاقة بين بغداد وأربيل من دائرة الأزمات المؤقتة إلى فضاء الشراكة الحقيقية والدائمة.!
لقد مرّت على العراق حكومات كثيرة، وتغيّرت وجوه سياسية عديدة، لكن المشكلة الجوهرية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان بقيت تراوح مكانها. كل حكومة كانت تبدأ بوعود كبيرة، ثم تنتهي عند العقد نفسها: النفط، الموازنة، الرواتب، الصلاحيات، والثقة المفقودة بين الطرفين!
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن معظم الحكومات السابقة كانت تتحرك تحت تأثير حسابات إقليمية ودولية أكثر مما تتحرك وفق رؤية وطنية مستقلة. ولهذا تحوّلت العلاقة بين بغداد وأربيل في أحيان كثيرة إلى ساحة تجاذبات، بدل أن تكون نموذجاً للتعايش والشراكة داخل دولة واحدة.
اليوم، أنتم أمام فرصة مختلفة.
العراق تعب من الأزمات، وشعب كردستان أيضاً تعب من لغة الشك والصراع السياسي المستمر. الناس لم تعد تبحث عن خطابات قومية متشنجة أو انتصارات إعلامية مؤقتة، بل تريد حلولاً حقيقية تحفظ كرامة الجميع وتؤسس لاستقرار طويل الأمد.
إن واحدة من أخطر نتائج سياسات التهميش والإقصاء التي مورست لعقود تجاه أبناء الشعب الكردي، هي أنها خلقت فجوة نفسية وسياسية عميقة بين الكرد والدولة العراقية.!!
انتماءٍ حقيقي
فالكثير من أبناء كردستان اليوم لا يشعرون بانتماءٍ حقيقي إلى العراق، ليس لأنهم يرفضون التعايش، بل لأنهم لم يروا من بغداد، عبر سنوات طويلة، مشروع شراكة حقيقية يعاملهم كمواطنين متساوين في الحقوق والكرامة!
الانتماء الوطني لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى بالشعارات، بل بالعدالة والاحترام والشعور بالمساواة. وحين يشعر أي شعب بأنه مُستبعد أو تُدار علاقته مع الدولة بعقلية الشك والضغوط، فمن الطبيعي أن تتراجع ثقته بالمركز وبفكرة الانتماء نفسها.
ولهذا، فإن بناء علاقة جديدة بين بغداد وأربيل لا يتعلق فقط بالسياسة والمال، بل بإعادة بناء الثقة المفقودة، وخلق شعور حقيقي لدى المواطن الكردي بأنه شريك في هذا الوطن، لا مجرد طرف يُستدعى وقت الحاجة ويُهمَّش وقت الخلاف!
إن بناء السلام الدائم بين أربيل وبغداد لا يحتاج فقط إلى اتفاقات مالية أو تفاهمات سياسية عابرة، بل يحتاج إلى عقلية جديدة بالكامل؛ عقلية تؤمن بأن قوة العراق لا تكتمل إلا بشراكة حقيقية مع كردستان، وأن استقرار الإقليم هو جزء أساسي من استقرار العراق كله.
افتحوا صفحة جديدة مع شعب كردستان!
احترام متبادل
صفحة تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالشراكة، وتنفيذ الاتفاقات بعيداً عن لغة الضغوط والعقوبات السياسية. فالكرد لا يريدون أكثر من حقوقهم الدستورية، ولا يريد العراقيون أكثر من دولة مستقرة تتسع للجميع. لقد أثبتت السنوات الماضية أن إدارة العلاقة بعقلية الغلبة لم تنتج سوى مزيد من التوتر. أما الحوار الحقيقي، والالتزام بالدستور، والنظر إلى الكرد بوصفهم شركاء لا خصوماً، فهو الطريق الوحيد لبناء عراق متوازن وقوي.
إن التاريخ لا يتذكر فقط من حكموا، بل يتذكر أيضاً من امتلكوا الشجاعة لتغيير المسار. وربما تكون هذه اللحظة فرصتك لتسجيل اسمك كرجل دولة استطاع أن يضع أساساً جديداً للعلاقة بين بغداد وأربيل، بعيداً عن إرث الأزمات القديمة. كسب ثقة شعب كردستان لا يتم عبر التصريحات، بل عبر القرارات العادلة، واحترام الاتفاقات، وإنهاء سياسة إدارة الأزمات المؤقتة. وحين يشعر المواطن الكردي أن بغداد تنظر إليه بعين الشراكة لا بعين الشك، فإن العراق كله سيكون أكثر قوة واستقراراً.
العراق اليوم بحاجة إلى رؤية جديدة، لا إلى إعادة إنتاج الخلافات القديمة. وبغداد بحاجة إلى أن تمد يدها إلى أربيل بعقل الدولة، لا بعقل الصراع. فهل تكون حكومتكم بداية هذا التحول التاريخي؟!!
مع فائق التقدیر
□ كاتب وباحث سياسي كردي























