أبو المسرح مات واقفاً على الخشبة – صالح رضا

شخصيات من بلادي.. جعفر السعدي

أبو المسرح مات واقفاً على الخشبة – صالح رضا

جعفر عمران عيسى السعدي ابن الكاظمية الذي يبدو  بسدارته البغدادية وشاربه الأبيض ونظرته التي تجمع الحزم والأبوة لم يكن مجرد ممثل عابر في تاريخ الفن العراقي بل كان المدرسة التي تخرجت منها أجيال والخشبة التي وقفت عليها أحلام المسرح العراقي أول مرة فقد دخل عالم التمثيل عام 1936 وهو طالب ثانوية بمسرحية مظالم الاستعمار لينطلق بعدها إلى معهد الفنون الجميلة ويتخرج منه عام 1945 ضمن دورته الأولى ثم يصبح في عام 1950 أول مدرس للتمثيل في دور المعلمين بالعراق ليضع بذلك حجر الأساس للتعليم الأكاديمي للفن في البلاد، وأسس عام 1947 الفرقة الشعبية للتمثيل التي كانت أول فرقة مسرحية عراقية حقيقية رغم أن السلطة حظرتها بعد عام واحد بسبب مسرحية شهداء الوطنية ذات الميول الوطنية الواضحة لكن السعدي لم يتوقف فسافر في بعثة علمية إلى أمريكا وعاد عام 1961 حاملاً شهادة الماجستير في الإخراج المسرحي من معهد الفنون في شيكاغو ليعود مدرساً وأستاذاً للأجيال في معهد الفنون الجميلة ثم رئيساً لقسم الفنون في الأكاديمية حتى عام 1981.

 وقدم للسينما العراقية أعمالاً خالدة كان أولها عليا وعصام عام 1947 الذي يعد من بواكير الإنتاج السينمائي العراقي ثم سعيد أفندي عام 1957 مع رفيق دربه يوسف العاني وصولاً إلى المسألة الكبرى عام 1982 مع النجم العالمي أوليفر ريد والملك غازي عام 1993 أما التلفزيون فحفر اسمه في ذاكرة العراقيين بشخصية عبدالله أفندي في مسلسل (النسر وعيون المدينة) وبلازمته التي لم ينسها جيل كامل (عجيب غريب أمور قضية)، كما أبدع في الأماني الضالة وذئاب الليل وفي البرامج الثقافية قدم أحلى الكلام بدور أستاذ القواعد وأين مكاني من الإعراب وعلى خشبة المسرح كان عملاقاً فـــــــي يوليوس قيصــر وعرس الـــــــدم وأشجار الطاعون وحلم أبو حمدان التي كانت آخر مسرحية مثلها عام 1998 وكان الوطن العربي كله يكرمه كرائد من رواد المسرح العربي في مهرجان قرطاج المسرحي لكن القدر اختار له نهاية تليق بعاشق الخشبة ففي الثالث عشر من نيسان عام 2005 وبينما كان يستعد لافتتاح مؤتمر المثقفين العراقيين سقط جعفر السعدي على خشبة المسرح بنوبة قلبية مفاجئة ليرحل واقفاً كما عاش واقفاً تاركاً إرثاً من الفن النظيف ومدرسة من التلاميذ الذين أصبحوا نجوماً ليشهد له التاريخ أنه لم يكن ممثلاً فقط بل كان أبو المسرح العراقي وحاجب الفــــــــن ومنارة الثقافة التي لن تنطفئ.