تحدّيات إقتصادية أمام رئيس الوزراء المكلّف – زياد الزيدي

تحدّيات إقتصادية أمام رئيس الوزراء المكلّف – زياد الزيدي

يقف رئيس الوزراء المكلف أمام لوحة معقدة من التحديات التي تتشابك فيها الجغرافيا بالاقتصاد، والسياسة بالمال. التحدي ليس في تشخيص المشكلات، فهي واضحة، بل في ترتيب الأولويات ضمن مساحة ضيقة من الوقت والموارد. المطلوب ليس إصلاح شامل دفعة واحدة، بل مسار تدريجي يبدأ بتثبيت الاستقرار المالي، ثم استعادة الثقة في المؤسسات، قبل الانتقال إلى إصلاحات أعمق في بنية الاقتصاد.

حين بادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تهنئة السيد علي الزيدي بتكليفه تشكيل الحكومة، لم يكن ذلك مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل إشارة مبكرة إلى حجم الرهانات الدولية المرتبطة بهذه المرحلة في العراق. ففي لحظة إقليمية تتسم باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع حساسية أسواق الطاقة، تعكس هذه التهنئة إدراكا بأن الاقتصاد العراقي يقف على مفترق طرق، وأن استقراره لم يعد شأن داخلي فحسب، بل عنصر مؤثر في توازنات أوسع تمتد من أسواق النفط إلى النظام المالي العالمي. هذه الإشارة السياسية، تبدو رمزية، لكنها في عمقها تكشف عن معادلة أكثر تعقيد سيواجهها رئيس الوزراء المكلف، حيث إدارة اقتصاد يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 85% من الإيرادات، في وقت تتعرض فيه طرق تصديره لضغوط جيوسياسية غير مسبوقة، خصوصا مع التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات العراق. وهنا، لا يعود السؤال عن تشكيل الحكومة فقط، بل عن قدرة هذه الحكومة على حماية التدفقات المالية للدولة في بيئة تتغير بسرعة.

نقص موارد

العراق اليوم لا يعاني من نقص الموارد، بل من اختلال في طريقة تحويل هذه الموارد إلى استقرار مالي ونمو مستدام. وبينما يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي حاجز 250 إلى 300 مليار دولار في بعض التقديرات الحديثة، يبقى هذا الرقم هشا لأنه مرتبط إلى حد كبير بتدفقات النفط، التي تشكل ما يقارب 85 إلى 90 في المئة من إيرادات الدولة. حيث في الظروف الطبيعية، ينتج العراق ما بين 4.2 إلى 4.5 مليون برميل يوميا، ويصدر نحو 3.3 إلى 3.6 مليون برميل يوميا، معظمها عبر موانئ الجنوب المرتبطة بمضيق هرمز. هذا الاعتماد الجغرافي واللوجستي ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو جوهر المخاطر الحالية.

 فمع أي اضطراب في مضيق هرمز، حتى وإن كان جزئي، يمكن أن تنخفض القدرة التصديرية فعليا إلى أقل من مليوني برميل يوميا في السيناريوهات المتشددة، وهو ما يعني فقدان ما يقارب 50 إلى 70 مليون دولار يوميا عند سعر 80 دولار للبرميل. هذه ليست أرقام نظرية، بل ترجمة مباشرة لضغط على الموازنة، وتأخير في الرواتب، وتراجع في الإنفاق الاستثماري.

والمعضلة تتعمق أكثر حين ننظر إلى التزامات العراق ضمن أوبك واوبك بلاس (حيث هو أحد الدول المؤسسة لأوبك ضمن اجتماع بغداد 1960)، حيث يخضع البلد لسقوف إنتاجية تحددها اتفاقيات إدارة السوق. ففي الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى تعظيم صادراته لتعويض أي نقص في الإيرادات، يجد نفسه مقيد بحصص إنتاجية قد تتراوح بين 4 و4.4 مليون برميل يوميا، وفق ظروف السوق والتفاهمات السياسية. هذه المفارقة تضع رئيس الوزراء المكلف أمام معادلة معقدة، الالتزام بالاستقرار العالمي للسوق من جهة، والحاجة الداخلية الملحة للإيرادات من جهة أخرى.

مع هذه الضغوط، يبرز خيار التصدير البديل عبر سوريا أو تركيا كحل جزئي، لكنه ليس بلا تكلفة. فالتصدير عبر خطوط برية أو أنابيب بديلة يضيف ما بين 3 إلى 7 دولارات على تكلفة البرميل، نتيجة الرسوم اللوجستية، والمخاطر الأمنية، والتأمين. وإذا أضفنا خصومات السعر التي قد تصل إلى 2 أو 3 دولارات لجذب المشترين في ظروف عدم الاستقرار، فإن صافي العائد لكل برميل قد ينخفض فعليا من 80 دولار إلى ما يقارب 70 دولار أو أقل. وعند تصدير مليوني برميل يوميا، فإن هذا الفارق يعني خسارة تتجاوز 20 مليون دولار يوميا، وهو رقم كفيل بإعادة رسم أولويات الموازنة بالكامل.إن هذه الضغوط لا تأتي في فراغ، بل تتقاطع مع هيكل إنفاق حكومي شديد الصلابة. فالعراق ينفق ما يزيد على 50 إلى 60 مليار دولار سنويا على الرواتب والأجور والتحويلات الاجتماعية، وهو ما يمثل أكثر من 40 في المئة من إجمالي الإنفاق العام. هذا الثقل المالي يجعل أي تراجع في الإيرادات النفطية يتحول فورا إلى أزمة سيولة، وليس مجرد عجز محاسبي.

ومع محدودية الإيرادات غير النفطية التي لا تتجاوز في أفضل الأحوال 10 إلى 15 في المئة من إجمالي الإيرادات، تصبح قدرة الدولة على المناورة محدودة للغاية.القطاع المصرفي هو الاخر لا يمكن تجاهل دوره، حيث أنه يمثل أحد أضعف حلقات الاقتصاد العراقي. فالنظام البنكي لا يزال يعاني من ضعف الثقة، وتداخل السياسة مع التمويل، وغياب الامتثال الكامل للمعايير الدولية. وقد أدى ذلك إلى ظاهرة تسرب العملة الصعبة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن مليارات الدولارات تخرج سنويا عبر نافذة بيع العملة، سواء لأغراض تجارية مشروعة أو لعمليات تهريب وتمويل غير رسمي. هذا النزف لا يضعف الدينار العراقي فحسب، بل يقوض أيضا قدرة البنك المركزي على إدارة الاستقرار النقدي.

تحديات اقتصادية

هنا تتقاطع التحديات الاقتصادية مع التحديات السيادية. فالعراق يحتاج إلى إعادة بناء علاقته مع النظام المالي الدولي، ليس فقط لتأمين تدفقات الدولار، بل أيضا لتحسين تصنيفه الائتماني. فالتصنيف الحالي، الذي يدور في نطاق B أو أقل لدى وكالات مثل Moody’s وStandard & Poor’s، يعكس مخاطر مرتفعة، ويزيد من كلفة الاقتراض، ويحد من قدرة الدولة على جذب استثمارات طويلة الأجل. تحسين هذا التصنيف لا يتطلب مجرد إصلاحات مالية، بل بناء مصداقية مؤسسية، وضبط العجز، وتعزيز الشفافية.في هذه الصورة المعقدة، تبدو عودة الشركات النفطية العالمية التي انسحبت أو قلصت أعمالها خلال فترات الاضطراب الأمني أمر حاسم.

 فهذه الشركات لا تجلب رأس المال فقط، بل التكنولوجيا، والكفاءة التشغيلية، والانضباط المؤسسي. إلا أن عودتها مشروطة بثلاثة عوامل أساسية: الاستقرار الأمني، وضمانات تعاقدية واضحة، وبيئة مالية يمكن التنبؤ بها. من دون ذلك، سيبقى الاستثمار النفطي دون إمكاناته، وسيظل العراق عالق في دائرة الإنتاج دون تعظيم القيمة.كما أن التحد الأكبر ربما لا يكمن في النفط ذاته، بل في ما بعد النفط. فتنشيط القطاع الخاص في العراق لم يعد خيار نظري، بل ضرورة وجودية. الاقتصاد الذي يعتمد على الدولة بوصفها المشغل الأكبر لا يمكنه الاستمرار في ظل نمو سكاني سريع، حيث يدخل مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل سنويا. من دون خلق فرص عمل في قطاعات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، ستتفاقم البطالة، ومعها الضغوط الاجتماعية والسياسية.

وهنا يمكن استحضار تجربة النرويج، التي واجهت تحدي مشابه وإن في ظروف مختلفة. فقد أدركت النرويج منذ نهايات الستينات أن الاعتماد على النفط وحده يحمل في طياته مخاطر طويلة الأجل، فقامت بتأسيس صندوق سيادي ضخم في 1990، واستثمرت عوائد النفط في بناء اقتصاد معرفي متنوع. الفارق هنا ليس في الموارد، بل في الحوكمة.

 العراق يمتلك إمكانات مشابهة من حيث الحجم، لكنه يحتاج إلى إعادة توجيه بوصلته من الإنفاق الاستهلاكي إلى الاستثمار الإنتاجي.وهنا يبرز الاقتصاد المعرفي والمستدام كأحد المسارات التي يمكن أن تعيد تشكيل النموذج الاقتصادي. الاستثمار في التعليم، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، ليس رفاهية، بل وسيلة لتقليل الاعتماد على النفط، وخلق مصادر دخل جديدة.

ومع تزايد الضغوط العالمية نحو خفض الانبعاثات، فإن بقاء العراق خارج هذا التحول قد يعني فقدان فرص استثمارية ضخمة في المستقبل.

الخلاصة اليوم، أن رئيس الوزراء المكلف يقف أمام لوحة معقدة من التحديات التي تتشابك فيها الجغرافيا بالاقتصاد، والسياسة بالمال. التحدي ليس في تشخيص المشكلات، فهي واضحة، بل في ترتيب الأولويات ضمن مساحة ضيقة من الوقت والموارد. المطلوب ليس إصلاح شامل دفعة واحدة، بل مسار تدريجي يبدأ بتثبيت الاستقرار المالي، ثم استعادة الثقة في المؤسسات، قبل الانتقال إلى إصلاحات أعمق في بنية الاقتصاد. والفرصة ما تزال قائمة، لكنها لن تبقى مفتوحة طويلا. ففي اقتصاد يعتمد على مورد واحد، يمكن لصدمة واحدة أن تعيد كل الحسابات. وبين مضيق قد يغلق، وسوق نفط قد يتقلب، ونظام مالي يحتاج إلى إعادة بناء، سيكون على القيادة الجديدة أن تثبت أن العراق قادر على التحول من اقتصاد يعيش على الريع إلى اقتصاد يصنع مستقبله.