وديع شامخ يتحدث لـ الزمان عن الاغتراب الشعري**

وديع شامخ يتحدث لـ الزمان عن الاغتراب الشعري**
أجمل أخطائي حُسن تعاملي مع الحرية**
حاوره ــ عبدالوهاب الطالباني – سيدني
عرفته صوتا شعريا متجددا من خلال قصائده المنشورة هنا وهناك ، ولكنني تعرفت عليه أول مرة وجها لوجه في ملاذنا الآمن الاسترالي، وكانت لي فرصة القاء شهادة في شعره أثناء حفل توقيع كتابين له في سيدني، وعند محاولتي كتابة بدايات الحوار سائلا اياه من هو وديع شامخ كان جوابه انتفاضيا ، وكان لا بد ان يكون هكذا ، واحببت ان يكون هكذا ، فقال وكأنه يقرأ احدى قصائده الشاعر وديع شامخ غزير الانتاج ليس في مجال الشعر الذي هو ملعبه و حقل ابداعه الجميل ، انما له حضور كبير في مجالات ادبية ومعرفية اخرى ايضا ، وقبل ان نرصد انتاجه في المجالات الاخرى نرى انه اصدر في مجاله الابداعي الشعري ــ سائرا بتمائمي صوب العرش ــ دفتر الماء. ــ ما يقوله التاج للهدهد. ــ مراتب الوهم.. وله مخطوطات شعرية تحت بيت العنكبوت كيف أرسم حلما في دائرة الرأس
وكتب رواية بعنوان العودة الى الببت هي تحت الطبع وستصدر عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، وله رواية اخرى تنتظر الطبع بعنوان شارع الوطن . في حقل التاريخ أصدرت عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان الإمبراطورية العثمانية من التأسيس الى السقوط ــ تاريخ الإندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط الخلافة في قرطبة ــ
ــ .مجهولية وديع شامخ عندك َ تضع السؤال في خانة القلق السقراطي أعرف نفسك أو عرّف نفسك الآن ؟
نسبة لي.. عند معاينة التاريخ الشخصي للكائن لابد من وجود ذات مبدعة ,ونصوص عارية.. لكن الفيصل برأيي هو وجود حقل للفصل..
قلت له ، لنعيد صياغة السؤال.. في أي حقل يشتغل وديع شامخ ، واي ثمار تشير إليه…ومن ثمارهم.. تعرفونهم. كما يقولون
قال
ــ انا كائن أكلت الحروب والحصارات نصف حلمه ، وزرعت الغربة في خاصرته وطنا لايكف عن الأسئلة.
في حقل الذات و عبر موشور ثلاثي الابعاد أم عبر مرقاب كوني لملاحقة مصهر العقول في طرس واحد.
وتساءل هل نضع لوديع شامخ جذورا ضاربة في حلم جلجامش للهروب من انسانيته نحو الالوهية ، ونصف اخرى لادميته نحو الخل الوفي انكيدو .
هكذا بدأت الاسئلة تتسلقني ، وتسطو على قوامي.
انا ابن الدرس..من اواخر القدر رُسمت ليّ صورة كصورة الله
عندما أفقت على الدنيا تقول أمي انني لم أكن احتمل القماط رغم صرختي التقليدية بولوج العالم بعد نزولي من رحم أمي.. كنت وعلى عهدة والدتي أمد يدي من القماط واتخلص من حبالي وقيدي البيضاء.. وتلك عادة رافقتني.الى الآن. من عادتي رمي الاغطية عني حتى في زمهرير الشتاء.. يبدو انني لا اتروض ولا احب القيود..
لذا كانت الهجرات الداخلية نفسيا والتحولات هي صنو روحي.. فحملت طفولتي واندهاشاتي وخوفي معي في جعبتي لكي أعلن رسالتي للعالم عبر البراءة والاسئلة.. بقيت طفلا منذ ولادتي في مدينة الجمهورية في البصرة.
وانتقلت الى مكان اخر في دنيا وديع شامخ الى الجذور فقال
ــ اين انتاجك من عملية النقد ؟ وانت لك باع كبير في موضوعة النقد؟
ــ عندما انتهي من نشر مجموعة شعرية او أيّ اثر كتابي فقد اكون قد تخلصت من سلطة الانا ويصبح بداهة ملك الاخر ، وربما سأكون متشظيا لقراءات او صمت الاخرين.
وفق تجربتي لم يسكت الاخرون عني سواء شفاهيا او كتابيا.. فلقد تناولت الكثير من الاقلام النقدية تجربتي الشعرية….
فمنذ اول مجموعة شعرية صدرت لي عام 1995 وهو سائرا بتمائمي صوب العرش وبرغم صدورها في نسختين من مطابع جامعة البصرة لانني لم احصل على موافقة وزراة الثقافة والاعلام حينذاك.. ولكن النسختين تناسلتا بالاستنساخ وقد كتب عنها الناقد والشاعر ريسان الخزعلي دارسة مهمة بعنوان النور في قصيدة الظل وهو يشير الى التهميش الذي طالني ، كما كتب و أشاد الاصدقاء نقادا وأدباء بالمجموعة واعتبروها رسالة مهمة لاثبات صوتي الشعري الخاص، أما المجموعة الثانية وهو دفتر الماء فقد صدرت عام 2000 في بغداد عن دار مدى ، فقد لاقت رواجا عند الكثيرون.. اتذكر منهم الشاعر حسين حسن ، ريسان الخزعلي ، علي عيدان عبد الله ، ناظم السعود ، الدكتور حسين سرمك ، والدكتور اسماعيل الربيعي و المرحوم سليم السامرائي ، وربما أتذكر بمحبة رأي الشاعر والناقد المهم عبد الرحمن طهمازي الشفاهي والذي أكد لي انها تجربة شعرية ناضجة تماما.
عندما تركت العراق بداية عام 2001 الى الاردن ومنها الى الاستقرار في استراليا حيث اصدرت مجموعتين وهما مايقوله التاج للهدهد عن دار التكوين في دمشق عام2008 والاخرى مراتب الوهم عن دار الينابيع في دمشق عام 2010 ، وقد كانتا محط اهتمام نقدي رائع من قبل نقادنا والادباء معا..فقد كتب من بيروت الناقد العربي جورج جحا أستاذ الادب العربي في الجامعة الامريكية ببيروت مقالا مهما عن التاج والهدهد، وكذلك كتبت المبدعة الكبيرة لطفية الدليمي ، والدكتور حسين سرمك ، وريسان الخزعلي ، ومنذر عبد الحر ، ومكي الربيعي ،والناقد رياض عبد الواحد ،وجمال حافظ واعي ، وجمال البستاني ، وكريم الثوري، وفائز الحداد…. وقد أقام أدباء البصرة حفلا تكريميا خاصا لصدور المجموعة إذ نظموا امسية احتفائية في مقهى الادباء في العشار وشارك فيها العديد من الاصدقاء المبدعين ومنهم الشاعر المبدع حسين عبد اللطيف والناقد حاتم العقيلي والناقد خالد خضير والشاعر حبيب السامر واخروم اقف تحية لهم.. حيث كان هذا الحدث محطة مهمة في حياتي للوفاء الكبير من قبل الاحبة المبدعين بتجربتي وانا بعيد عنهم.. وهذا يعني انني حاضر معهم بقوة النص رغم البعد الجغرافي..
كما اقيمت لي امسيات في سدني بمناسبة صدور المجموعتين من قبل مؤسسة أور الثقافية اذا قدم الامسية المترجم محسن بني سعيد وشارك فيها الشاعر مكي الربيعي وتم مسرحة نصوصي من قبل الفنان عباس الحربي ليقدموا مونودراما جميلة شارك في ادائهما عباس الحربي ومنير العبيدي وأميل عامروسامي شينه..
واخر احتفاء بالمجموعتين هو الحفل الكبير الذي اقيم برعاية جريدة بانوراما، وقد تحدث عن تجربتي كل من الشاعر المبدع غيلان والصحفي المعروف عبد الوهاب الطالباني والشاعر مكي الربيعي والشاعر شوقي مسلماني.
ــ ماذا اضافت السنوات التي قضيتها في المهاجر الى مخيلتك وتجربتك الابداعية؟
ــ لا اعتقد هذا سؤلا تقليديا لسبب بسيط، ان المهجر عند البعض هو سجن وابعاد واقصاء.. بينما يمثل لي حقلا جديدا لبذار وفتح.. وسوف أسرّك ايها الصديق، أن ايامي في المهجر كانت خصبة جدا.
كلّ خطوة في الحياة هي إضافة نوعية لتجربة الكائن الباحث عن ينابيع الجمال، وإن رافقتها خسارات كمية هنا وهناك، فالحياة إذ تبدو قفصا كبيرا فهذا ما لا يليق بالمبدع الحر، لذا فأن التحول والصيرورة هي صنو القلق الإنساني بغض النظر عن مجال وأفق هذه التحولات، مكانيا وزمانيا.. وفي مسعى الكائن المنتج للبحث عن يوتوبياه، يصطدم دائما بمتطلبات السكون والدعة، وإيثار السلامة والوقوف على التل..الخ، فترى الناس مختلفين في تفسير أمر الرحيل مكانيا وزمانيا، أو حتى في البقاء والإستقرار. مبدعون كبار إستمروا في البقاء في أوطانهم ولم يتلوثوا في مسيرتهم الإبداعية وسوف أبدوا متعسفا لو ذكرت أسماءً واهملت أخرى في العراق، حيث هناك الذين كافحوا ببسالة من أجل بقائهم على قيد الحياة الإبداعية فاعلين منتجين.
أما عن المنفى وهو مفهوم نسبي إذ يبدأ من صراع الإنسان مع نفسه ولا ينتهي بخروج الكائن الى فضاءات ومدارات كونية مكانية وزمانية نائية. وما أُصطلح عليه بالمنفى هو ليس إمتيازا، بل خيارا قد إستثمره البعض للخروج من سم الإبرة، وهو خيار إنساني محض وعذاب وليس وسام تميّز على الاخرين.. فاذا ما كان المنفى بهذه الصفة فهو فرصة مضافة وتجربة قد لا تمنحها لك الظروف التي إرتحلت منها مكانيا وزمانيا.. أنا أتكلم بتجرد انساني كبير دون مزايدات سياسية أو نضالية فارغة، رغم اهميتها وحقيقيتها عند البعض، كما أعتقد أن الغالبية هم ضحايا وليسوا أبطالا. مثلا وجودي خارج العراق هل هو منفى أم منأى؟.. تلك أسئلة انطلقت من نص كتبته في البصرة أواسط التسعينيات قلت
تفتق قلبي وابتدأ موسم الهجرات،
وقلت قلقي حرث والفرات سائغ للرواة
المنفي إذن.. بالنسبة لي معادلة وجودية وليست مناسبة للرثاء، إنها تجربة البحث عن آفاق واسعة لإثراء التجربة الكامنة والمشروع القادم، وليس البحث أو السفر فقط.
ــ ما الجدوى من كل هذا الهم؟ هل هو قدر الشعراء؟
لا جدوى بالمفهوم الاقتصادي الصرف.. لكن الجدوى ان تجد جسدك وهو يحتمل روحك النافرة بجدارة.. اما قدر الشعراء فهو قدر اخر.. قدر لا يوصفه الاباطرة والساسة والمنجمون معا.. قدر يتوافر على قيمة جمالية خالدة… قد يكون القدر على طريقة المتنبي
..أنام ملىء جفوني عن شواردها…… ويسهر الخلق جراها ويختلف.
أو قد يكون على طريقة الحلاج بقولته أقتلوني ياثقاتي ، ان في موتي حياتي.. وحياتي في مماتي.
ولكن المؤكد جدا أننا مقبلون على زوال جسدي فيزيقي لابد ان نقاومه.. والشعر أحد الممكنات بيد الشاعر الصانع لفعل شيء ما أزاء اندثاره.
/7/2012 Issue 4254 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4254 التاريخ 18»7»2012
AZP09