وخير جليس في الزمان كتاب ..آفاق وأشواق – محسن حسن الموسوي

وخير جليس في الزمان كتاب ..آفاق وأشواق – محسن حسن الموسوي

النجف

عدد الصفحات : 192 صفحة

تتمتّع كتابات سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر  ، حفظه الله  ، بالشمولية في فهم الحياة  ، والعفوية في سرد الحكايات  ، والعمق في تحليل الأحداث  ، والهدفية في نقل الروايات  ، إضافة إلى أسلوبه الأدبي الذي ارتقى إلى الكتابة في السهل الممتنع  .

تلك إحدى خصائص سيدنا الحجة الصدر، حفظه الله  ، ومن مزاياه التي يلمسها القارئ لكتاباته  ، أو المستمع لحديثه  ، أنه لاتخلو كتاباته من ذِكر الله سبحانه ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله  وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام  ، وكان من حديثه في مجلسه الشهري العامر ، لهذا الشهر،  قوله :  أن المجلس الذي لايُذكر فيه الله ورسوله وأهل بيته لايساوي فِلْسَين  !

ورغم عفوية هذه الجملة  ، ولكنها تحملُ معنى عقائدياً شاملاً  ، ومستوعباً لما يجب أن يكون عليه المتحدث أو الكاتب  ، في ذِكر الله سبحانه ورسوله وأهل بيته الطاهرين.

والكتاب الذي بين يدي هو الجزء الثامن والثمانون من ( موسوعة العراق الجديد ) وعنه  يقول سيدنا العلاّمة الصدر  ، حفظه الله  ، ( ليست هذه المقالات  حصيلة قراءة في كتب التأريخ والأدب فحسب  ، وإنما هي حصيلة قراءة ومعايشة للأحداث  ، ولذلك فهي إلمام بالحغرافية والتاريخ  ، لا التأريخ وحده ).وفي هذا  الجزء من هذه الموسوعة الباذخة الجمال والعطاء  ، كما في كل جزء ، هناك حصة وافية في ذِكر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله  وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام  .

ففي مقالة بعنوان  ( كيف تتعامل مع الوشاة؟ ) يعطي دروساً عملية لكبح جماح أصحاب هذه الخصلة الذميمة ، يعطيها من أخبار أمير المؤمنين علي عليه السلام   :

(( سيد الدروس في هذا الباب ،  موقف أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام مع مَن جاءه واشياً على أحد الرجال  .

أتدرون ماذا صنع الإمام معه  ؟

قال له : يا هذا  ، نحنُ  نسأل صاحبك  ، فإنْ كنتَ صادقاً مَقتناك  ، وإنْ كنتَ كاذباً عاقبناك  ، وإنْ شئتَ أنْ نقيلك أقلناك.

فقال الرجل : أقلني يا أمير المؤمنين  .

وهكذا انصرف الواشي خائباً ذليلاً)).

والحديث عن شُحّ النفس  ، وهي من رذائل الخصال  ، يعطي سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله  ، درساً عن الإمام الحسين عليه السلام  ، ويعلّمنا أن شُحّ النفس هي درجة أسوء من البخل بكثير  .

(( عن الفضل بن أبي مرّة جاءت الرواية أنه قال :

رأيتُ أبا عبد الله عليه السلام يطوفُ بالبيت من أول الليل الى الصباح وهو يقول : اللهمّ قِني شُحَّ نفسي )

فقلتُ : جُعلتُ فداكَ  : ما رأيتُك تدعو بغير هذا الدعاء ؟

فقال عليه السلام  : وأي شيء أشد من شحّ النفس؟

إن الله يقول : ( ومَن يُوقَ شُحَّ نفسهِ فأولئكَ هُمُ المفلحون…..))).

ويتحدث سيدنا العلاّمة الصدر  ، حفظه الله  ، في مقاله  ( أين الإلحاح الذليل من الإلحاح الجميل  ؟ )

(( هناك بعض الفقراء يُلحون بالمسألة ويتعرضون إلى ألوان من المهانة والمذلة بسبب ذلك الإلحاح الذي ينفر منه الكثيرون  ، وجاء في الخبر عن الإمام الباقر  محمد بن علي عليه السلام  : (إن الله يبغض المُلْحِف) ،  في إشارة واضحة إلىكراهة الإلحاح  .

وهناك إلحاح آخر يُستطاب ويُمتدح وهو : إلحاحُ الإنسان المؤمنبسؤاله تعالى  ، فقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام  : (( واللهِ  ، لا يُلحُّ عبدٌ  مؤمن على الله عز وجل في حاجة إلاّ قضاها له)).

وينقلنا سماحة العلاّمة السيد الصدر  ، حفظه الله  ، إلى درسٍ من دروس التوحيد الخالص لله سبحانه  ، وذلك ما يغفل عنه الكثير من الناس  ، وإن كانوا دون  قصد أو تعمّد  ، فالتوحيد الخالص هو لُبّ العبادة الخالصة لله سبحانه  ، والإمام الصادق عليه السلام يُعلّمنا كيف السبيل إلى الفهم الواضح والصحيح للتوحيد الخالص  .

ففي مقالته الممتعة   ( الدرس الثمين ) يقول سماحة العلاّمة الصدر ، حفظه الله  (( تجري على الألسن هنا وهناك عبارات وكلمات لا يصحّ إطلاقها لما تنطوي عليه من مفارقات عقائدية وإن لم تكن مقصودة. ومن أمثلة ذلك: إنك تسمع الرجل وقد انهكته العِلّة والمرض يقول : لولا الطبيب الماهر الفلاني لكنتُ اليوم في عِداد الموتى. ونسمع التاجر الفلاني الذي واجه أزمةمالية حادّة كادت أن تخرجه من عِداد التجار يقول : لولا فلان لكنتُ اليوم في عِداد المتسولين المتسكعين على الأبواب  .وفي المثالين لا تجد ذِكراً لله على الإطلاق  ، وهذا المسلك خاطئ لا يستقيم مع مفاهيم القرآن  .قال تعالى: (.وما  يُؤمنُ أكثرهم بالله إلاّ وهُم مُشركون  ) سورة يوسف / آية 106

وقد سُئل الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن معنى الآية فقال : هو الرجل يقول : لولا فلان لهلكتُ  ، ولولا فلان لأصبتُ كذا وكذا  ،  ألا ترى أنه جعل لله شريكاً في مُلْكه يرزقه ويدفع عنهُ ؟

فقالوا له : لو قال الرجل : لولا أنْ مَنّ اللهُ عليَّ بفلان لَهلكتُ  .

قال: نعم ، لا بأس لهذا)).

وفي مقالة أخرى  ، يتحدث سيدنا الحجة الصدر  ، حفظه الله    ، عن الإمام الصادق عليه السلام  ، في مقالة بعنوان  )الإمام الصادق عليه السلام  ، مدرسة كريمة وسيرة عظيمة(

وفيه يتحدث عن بعض ملامح هذه المدرسة الأم في الفقه والعلوم الإسلامية  ، والإمام الصادق عليه السلام  ، هو أستاذ الفقهاء  ، ومنه استمدت باقي المدارس الفقهية علومها  ، ولعل كتاب العلاّمة المرحوم الشيخ أسد حيدر ( الإمام الصادق والمذاهب الأربعة  ) خير مَن أبرز أستاذية الإمام الصادق عليه السلام.

قال الشاعر في مدح الإمام عليه السلام  :

أنتَ يا جعفرُ فوقَ المدحِ  ، والمدحُ عَناءُ

إنما الأشرافُ أرضٌ ولَهُمْ أنتَ سَماءُ

جازَ حدَّ المدحِ مَن قدْ وَلَدَتْهُ الأنبياءُ

وفي مقالة جميلة  ، فيها شيء من الاستفزاز اللذيذ  ، عنوانها  ( مصابيح )  ، يقول فيها سيدنا العلاّمة الصدر  ، حفظه الله  :

(( أيةُ سعادة أكبر مِن أنْ تكون مصباحاً من مصابيح الهدى تسطع أنوارك فتضيء الدرب وتُوصل إلى المرفأ  الأمين  ، ومَن مِنّا لا يتوقُ ولا يتطلع إلى أن يكون لامعاً وسط الدياجير  ؟ …

وقد أجاب عن السؤال الخطير سيد الرسل والمرسلين المصطفى المبعوث رحمةً للعالمين حيث رويَ عنه،  صلى الله عليه وآله  وسلم أنه قال : طوبى للمُخْلِصِين  ، أولئك مصابيح الهدى تنجلي بهم كلُّ فتنةٍ ظلماء )).

في عالَمنا الكثير من المفاهيم التي واقعها هو عكس ما تنادي به  ، ومنها وجود الحرية في الغرب  ، وهي خدعة لم ينتبه لها إلاّ الذين إكتووا بنارها وخداعها  .

وفي مقال بعنوان  ( حين تُصادَر الحرية ) يحذر سيدنا الحجة الصدر  ، حفظه الله  ،  من هذه الخدعة الكبرى الذي يمارسها الإعلام الغربي  ، ويصدّقها المغفلون  .

(( الحرية لاتعني إختراق الخطوط الحمراء كلها  ، ولا إباحة المحظورات والممنوعات دينياً واخلاقياً واجتماعياً  ، بل تعني توفير الفرص لممارسة الأعمال المشروعة بعيداً عن القسر والإكراه  …

وعلى الآباء المسلمين الذين يفكرون بالهجرة مع عوائلهم إلى تلك الديار أن لاينسوا أنّ  اصطحاب أولادهم الصغار إلى تلك البلدان فيه معنى الانسلاخ عن قيم الإسلام ومفاهيمه)).

إن هذا الجزء من (موسوعة العراق الجديد ) قد ضمَّ ( 44) مقالة متنوعة ، مع ملحق صور لمجلس الصدر للشهر الماضي   ، ونترك القارئ الكريم ليتمتع بالقراءة لهذا الجزء ويكتشف ما فيها من مفاهيم وأفكار وقيم  ، وقبل أن نرفع القلم ، نعرّج  على إحدى تلك المقالات  ، التي يتحدث فيها سيدنا الصدر  ، حفظه الله  ، عن مدرسته في الكتابة  ، ويقارن بينها وبين مدرسة أخرى .

(( هناك مَن يكتب مترسلاًويجري القلم بكتابته إلى حيث يريد  ، بكل يسر وبساطة  .

والمنتمون إلى هذه المدرسة يستطيعون أن يُنتجوا الكثير من  المؤلفات والبحوث ، وتكون الحصيلة النهائية لكتاباتهم كبيرةً تشتمل على الموسوعات  .

بينما يُوصف آخرون بأنكم حكّاكون  _ حَوْليُون .

حكّاكون بمعنى أنهم كلما كتبوا سطراً عادوا فشطبوا بعض ما كتبوا وحكّوا بعض عباراته وحذفوا منه بعض الكلمات  …

كاتب السطور من المدرسة الأولى  ، مدرسة الترسل واختيار البساطة والانسيابية في التعبير   ، وقد استطاع أنْ ينتج خلال فترة زمنية ليست بالطويلة( موسوعة العراق الجديد ) المطبوع منها حتى الآن  ( 86) جزءً  ).

نسأل الله أن يحفظ  سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر  ، ويبارك فيه وله وعليه  .

وكتبه  : تلميذه المخلص محسن حسن الموسوي .