وحي الأماكن
من ظن أن الأماكن لاتتحدث مع الإنسان،أومع بعضها، فقد اخطأ ، هي تتحدث مع مستوطنها بحديث يختلف عن حديثها مع الغريب ، وهو حديث يقوم على الهواجس وألفاظ الوحي الميتافيزيقي المختزل غاية في الاختزال .. الأماكن لها أرواح ومشاعر ولغة ولكن أروا حها ومشاعرها تختلف عن أرواح البشر والحيوان والطير والحشر ، ولعل معنى الآية الذي يقول يسبح لله مافي السماوات والأرض يشير إلى هذا المعنى من طرف ليس خفي .. انك إذا فارقت بيتك ليوم أوحى لك بحديث ، وإذا فارقته ليومين أوحى لك بحديث آخر يختلف ، وإذا فارقته إلى الأبد ظل يرسل إليك حديث ذكرياته وهمومه وهكذا ينطبق الحال على المحلة والمدينة والزقاق والشارع وصولا إلى معنى الوطن ، كل هذه الأماكن تتحدث مع أصحابها ولكن بحديث الوحي ، كما أن انتقالك إلى أماكن جديدة يوحي لك بحديث متبادل معها يختلف عن حديث أماكنك التي اعتدت أن تستوطنها أو ترتادها ، فأنت في غربة المدينة الجديدة تعيش عالما صاخبا من الأحاديث والأصوات المادية والإيحائية ، لكنك تميز حديثا واحدا هو حديث روحك مع أرواح هذه الأماكن الجديدة فعن طريق الخيال والذاكرة تذهب بك الأماكن في حديثها إلى مسافات بعيدة موغلة في عمق الزمن ، وربما تشم هنا رائحة لأفكار اينشتاين في قضية تدارك الزمن للأحداث ومحاولة اللحاق بها ،ولكنه ليس مااعنيه تماما ،وتواصلا مع فكرتي قبل اقتطاعها الوقتي أقول: فتبدو لك طلائع سكانها الأصليين المندثرين جيلا بعد جيل .. هذ ليس التقاط للصورة كما هي ، وإنما مثال تقريبي للفكرة التي تبدو لك شبحية ، فقد يظل بينك وبين الأماكن حديثا سريا منغلقا لاتستطيع اللغة أن تفصح عنه مهما أوتيت من بلاغة وفصاحة ، واعلم أن حديثك مع الأماكن صيفا يختلف عن حديثك معها شتاء أو خريفا أو ربيعا ، وحديثك معها نهارا يختلف عنه ليلا ، وحديثك معها جهارا يختلف عنه سرا ، وحديثك معها كهولة يختلف عنه شبابا ،وأما إذا ذهبت بك إلى عالم المقابر فسيصيبك ذهول عما سيلج في خواطرك وهواجسك من حديث يجعلك تلف وتدور في مفردات أجلك وقبرك وكفنك ، وعملك الصالح والطالح ، ومن ظلمته ومن ظلمك ، وكيف ستتوب وهل هناك من فرصة للتوبة والمراجعة والهداية والاستبصار ، ولا تعجب إن قلت لك أن لأعضاء جسدك لغة التحاور فيما بينها بدليل تداعيها لحصول الألم في واحد منها استنادا إلى حديثه (ص) ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ،إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”..وهذا ماتفصح عنه متعة المسافر ، وهو يتأمل أماكنه التي لم يرها من قبل ،حيث يبدأ الحديث التاملي بينه وبينها ، بالسرد المتواصل ،ولكننا لانسمع مايقولان.. حديث الأماكن له بلاغة وفصاحة ، وعلم بيان ، استطاع المرهفون أن يسترقوا أسماعه قبل غيرهم فعلقوه في نواقيس الذاكرة ، فهيا لنسمع ماتقول الأماكن ، فبين التلة والجبل والسهل والبحر ، والمدن القديمة والأطلال والانخفاض والارتفاع وبينك لو كشف لك الحجاب السمعي، حديث عجيب ووحي مريب.
رحيم الشاهر – كربلاء
AZPPPL























