وحان وقت الحصاد

قصة قصيرة             (2)

 

وحان وقت الحصاد

 

 

عند رجوعي الى البيت وانا احمل معي حبا كبيرا يملأ حياتي.. وكاني قد فزت بكاس الحياة الابدية.. سارعت لوالدتي لارتمي باحضانها واقبلها واقبلها دون وعي مني.. وادركت والدتي ان هناك خطبا ما قد اصابني.. فلقفتني في احضانها وقبلتني وهي تقول: ارجو ان تضعي قدمك في المكان المناسب لا على ارض هشة تغرقك وتحطم حياتك.. وادركت ان والدتي عرفت كل ما بداخلي فقلت لها: اطمئني انا ابنتك.. وليلا وانا في غرفتي .. وقفت امام المراة ومن جديد اخذت ارى ما طرأ على جسدي من تغيرات وكنت عارية تماما فوجدت ان كل شيء قد تورد واصبح زاهيا.. وقد اينعت كل الاشياء في جسدي فكنت اتلمس كل شيء برقة واحساس ونشوة واكثر ما لفت نظري هو صدري الشامخ وخصري النحيل وكانني حورية من حوريات البحر.. لا مثيل لها وليس قبلها او بعدها من انثى.. وسالت نفسي هل كل هذا الى بارق.. ينعم بهذا الجسد الريان ان كان من نصيبي فعلا.. او ان الاقدار تلعب لعبتها معي وتحرمني من حبيب القلب.. واخذت ارتدي ملابسي ودخلت علي والدتي ووجدتني شبه عارية قالت: تصورت انك نائمة.. اتعلمين انك رائعة حلوة الله يحفظك.. فقلت لها وانا احاول ارتداء ملابسي بسرعة: شكرا ماما انت الاحلى.. فضحكت وقالت: لا انت صورة محسنة.. واغلقت الباب وراءها وكانت اسعد ايام حياتي تلك اللحظات التي اعيشها مع بارق.. وان كانت لا تتعدى ساعة من الوقت الا اني احس بانها كل عمري وحياتي.. ولاسيما بعد ان فتح لي قلبه وحدثني بكل شيء يخصه لاسيما فيما يتعلق ببناء مستقبله.. وعرفت ان المحل له ولوحده وانه كثيرا ما يسافر لاستيراد الالبسة من مناشئ عدة من لبنان وتركيا ولندن وايطاليا.. كم اتمنى ان اكون معه في تلك السفرات.. وسالني عن موعد امتحاني النهائي.. فقلت به بعد اسبوع ان شاء الله فطلب مني الدراسة بشكل جيد وانه سيغيب عني حتى اتفرغ للدراسة .. فرفضت ذلك الاجراء منه وقلت له بهذه الحالة ساكون مشغولة بك ولا استطيع الدراسة.. واتفقنا على ان اراه كل يومين او ثلاثة وقال لي ان نجاحك هو هديتي لدخول بيتكم لخطبتك.. وعندما قال لي ذلك احسست اني سلطانة زماني لم اتعود ان اخفي شيئا على والدتي.. وكان لابد في من مصارحتها بما حدث معي لتكون على علم بكل ذلك ولسماع رايها ايضا.. وعند المساء صارحتها بكل شيء دون ان اترك شيئا وصمتت اول الامر وبعدها قالت: حتى الان موافقة لاسيما فيما يتعلق الامر بدراستك الا اني لا اريد منك ان تنساقي اكثر من هذا فكل شيء محسوب عليك لاسيما فيما يتعلق بسمعتك فما كان مني الا ان اقول لها : انا يا امي حريصة كل الحرص على سمعتي وكرامتي فاظمئني وعادت لتقول: انا واثقة منك والله يقدم الذي فيه خير.. وثابرت على الدرس بشكل جدي.. وكنت اراه عند ذهابي الى الامتحان وكان يشد من عزيمتي ويحثني على النجاح باي ثمن.. ومرت ايام الامتحانات متعبة بالنسبة لي فكنت لا انام الا قليلا حتى اتمكن من مراجعة الدروس بشكل جيد.. وكنت راضية تماما عن نفسي في الامتحانات وبعد ايام ونحن بانتظار النتائج بفارغ الصبر..حتى اتصل بي ليقدم لي التهنئة بالنجاح وبدرجة عالية جدا فكان قد حصل على نتيجة امتحاني من احد اصدقائه وطلب ان يراني مساء ذلك اليوم فسارعت الى والدتي لاطلعها على الامر وكانت الفرصة كبيرة فعلا.. وعند المساء ذهبت الى لقائه حيث كالعادة كان ينتظرني قرب مدرستي.. وذهبت معه لنتجول قليلا في سيارته وقدم لي هدية بمناسبة نجاحي وكانت عبارة عن قلادة ذهب نقش على المدالية اية الكرسي.. وقال هذه القلادة تحفظك من كل سوء لان فيها اية الكرسي.. وشكرته على ذوقه وطلب مني ان اعلم اهلي بزيارته ووالدته لنا غدا عند الساعة السادسة مساء وطلب مني ان اهيأ للامر.. اي امر الزيارة.. وكانت كلماته لي تصيب قلبي فرحة بعد فرحة حتى لم يعد قلبي يسع كل تلك الافراح.. وسقطت دمعة من عيني رغما عني وراى تلك الدموع فقال: اهي دموع الفرح فاجبته: نعم هي ذلك.. ولاول مرة يتناول يدي ليطبع عليها قبلة كبيرة قائلا: تاكدي يا زينتي لا يهمني من امر الدنيا شيئا سوى ان اراك زوجة لي لانعم معك باحلى ايام العمر وقلت: وهذا غاية ما اتمناه واريده.. فاني ساكون الوردة التي تزين صدرك في كل حين.. وكنت لا ادري من اين هذه الكلمات التي اتفوه بها.. وبعد هذا اللقاء السريع اعادني الى البيت ليذهب هو الى المحل.. بينما انا ذهبت الى والدتي لارتمي باحضانها والدموع تنهمر من عيني وهي امسح على شعري وتقول: ما بالك يا حبيبتي اهدأي ومسحت الدموع من عيني وقلت لها: تصوري ماما.. قدم لي هدية بنجاحي وهي عبارة عن سلسلة من الذهب وبها مدالية كبيرة فيها اية الكرسي.. وناولت والدتها العلبة لتراها فوجدتها ثقيلة جدا وقالت لابنتها: الله انها في غاية الجمال.. وقالت زينة: ماما.. غدا سياتي لزيارتنا مع والدته الساعة السادسة مساء ما رايك.. فقالت والدتها: خير ان شاء الله.. اهلا وسهلا وفي اليوم التالي كنا وكاننا في انذار وقمت ووالدتي بتهيئة البيت وكل شيء من اجل استقبال بارق ووالدته وجلبت امي من الاسواق كل ما تحتاج اليه من حلويات وكيك وفواكه.. وكانت والدتي قد اطلعت على الامر وكان والدي يعرف مقدرة والدتي على هذا الامر.. وطلب منها استقبالهم ومعرفة ما وراء هذه الزيارة وترك الامر لها في تقدير الرفض او القبول.. هكذا كان والدي يعتمد اعتمادا كليا على والدتي في امور الحياة كافة لثقته المتعالية بها ولمعرفته بحكمتها وعدم التعامل مع الامور بقلبها.. اما انا فطلبت مني والدتي ان اهيء نفسي لهذه الزيارة وان اختار ما يناسبها من الملابس فاخترت بدلة قصيرة بعض الشيء وتبرز تقاطيع جسدي بشكل واضح.. ولم اكن بحاجة الى التبرج فقط استعملت كحلا لعيني ولبست بعض القطع الذهبية البسيطة ولما اخذت رأي والدتي بما انا عليه قالت: عال دائما ابنتي ذواقة فاجبتها وانا اجري صوب غرفتي لاضع عطرا : شكرا يا ماما وعندما ازفت الساعة السادسة سمعنا صوت سيارة تقف بالباب وخرجت والدتي لاستقبالهم وكنت اسمع وانا جالسة في المطبخ عبارات التحية والمجاملات ودفعني الفصول لالقاء نظرة عليهم من المطبخ فدخلت امي اولا ثم ام بارق وبعدها بارق ولاول مرة اراه يرتدي بدلة رسمية سوداء او كحلي لونها وبدأ انيقا جدا اما والدته فكانت صغيرة بالسن ومن يراها يعتقد انها شقيقته وكانت قمة في الاناقة والجمال.

 

ودخلت علي من باب المطبخ (انتصار) الشغالة وكانت في العقد الرابع من العمر .. وكنا نعاملها كفرد من العائلة لانها عاشت معنا منذ ان كنت طفلة في المهد وسرعان ما ذهبت انتصار الى حيث والدتي لترى ما تطلب منها.. وعادت انتصار لتقول لي اذهبي وقدمي العصير ورتبت انتصار الصينية وذهبت بها.. قالقيت عليهم التحية ونهض بارق واقفا فوضعت الصينية على الطاولة وصافحته وكذلك والدته وقامت والدتي وقدمت العصير لهم وطلبت مني ام بارق ان اجلس الى جوارها وهي تصلي على الرسول المصطفى وتثني على جمالي.. وانا اشكرها والخجل قد جعلني كالخرساء ووجهي ازداد احمراراً.. ودخلت انتصار بالكيك وتناولته ام زينة لتوزعه امامهم بجانب العصير.. واخذت ام بارق تحادثني عن الازياء وسالتني عن ثوبي وابدت اعجابها به وكل ذلك كان حتى اخرج من الاحراج الذي انا فيه ثم قام بارق وقال انا اتبرع بالعصير والكيك لانسانة عزيزة على قلوبنا وتناولت منه العصير والكيك وقالت والدته ضاحكة: انه تبرع بالقطعة حتى يحصل على قطعتين من الكيك وضحك الجميع وقدمت له والدتي عصيرا وفعلا وضعت له قطعتين.. وضحكوا مجددا وفهمت من والدة بارق انها جاءت لخطبتي وانها تنتظر منا الرد على طلبهم.. وامتدت زيارتهم لما يقارب الساعتين وغادرونا وهم مرتاحين لهذا اللقاء الهادئ اللطيف.. وعلمت ان والدتي اشترطت شرطا واحدا وهو اكمال دراستي الجامعية وقد وافق بارق على ذلك فورا.. وقال هذا ما انوي فعله دون ان تطلبوا مني ذلك.. وعملت من والدتي انها قد اطلعت والدي على امر الخطبة ولما عرف انهم من عائلة بغدادية معروفة وان ابنهم من التجار وافق على الخطبة وطلب منها ارسال الموافقة لهم.. حتى يتقدموا للخطبة رسميا اما عني فانا كنت بعالم اخر غير عالمي كنت اطير على بساط الريح واحلم واحلم بكل شيء.. وكان كل همي ان اعيش حياتي وكل حياتي مع بارق دون ان افارقه لحظة واحدة.. وتمت خطبة الرجال وكانت باحلى ما تكون رائعة بكل الوجوه وبكل الحاضرين وانعشت قلبي تلك الزغاريد وتلك الاغاني الخفيفة التي تحكي قصص الحب الابدي.. ولا انسى تلك اللحظات التي اخذتني ام بارق باحضانها لتقول لي : ليس عندي بنت والان انت ابنتي الوحيدة والحبيبة وقبلتني وقبلتها وانا اقول لها : ان شاء الله اكون عند حسن ظنك..

 

محمد عباس اللامي – بغداد