وجهة نظر في تاريخ الخلفاء للسيوطي

وجهة نظر في تاريخ الخلفاء للسيوطي
عند قراءة كتاب تاريخ الخلفاء ارتاينا ان يكون لنا وجهة نظر خاصة فيه ، ففي كتابه (تاريخ الخلفاء) يؤكد السيوطي ” كان للعرب في القديم من الزمان بارض اليمن والحجاز تواريخ يتعارفونها خلفا عن خلف الى زمن الهجرة ، فلما هاجر النبي (ص) من مكة الى المدينة وظهر الاسلام وعلت كلمة الله تعالى اتخذت هجرته مبدا لتاريخها ” ص(6-7) وبهذا فالتاريخ الاسلامي استند على هجرة الرسول من مكة الى المدينة ، بينما نجد ان هناك بعض الممارسات التي مورست في الجاهلية ما تزال تمارس بعد ظهور الاسلام ولكن باليات جديدة وباضافات اقرها الاسلام والشريعة الاسلامية مثل الحج . يشير السيوطي في موضع اخر “قال اصحاب التاريخ:ان العرب في الجاهلية كانت تستعمل شهور الاهلة وتقصد مكة – للحج وكان حجهم وقت عاشر للحجة كما رسمه سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام ” ص (7) وهذا تاكيد الى ما توصلنا اليه من ان هناك تناقض في تناول التاريخ هل هو ارتبط بالهجرة النبوية ؟ ام ارتبط بما قبلها ؟ وترى الباحثة ان التاريخ ارتبط بما قبلها وما يؤكد ذلك خطبة الرسول (ص) للناس في حجة الوداع الا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله الموات والارض – يعني رجع الحج الى الموضع الاول كما كان في زمن ابراهيم عليه الصلاة والسلام ” ص (7) .
من ناحية اخرى هناك اشارة على “ان السيوطي حاول ان يستوعب جميع المعارف في عصره وغزرت تصانيفه حتى زادت على الستمئة ” ص (13) . وبذلك يمتلك السيوطي الامكانية الجيدة في حفظ جميع المعارف والعلوم ، بينما يقول الباري عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم ” وفوق كل ذي علم عليم ” صدق الله العظيم . من جانب ثاني نؤكد ان الشخص لا يستطيع وصف نفسه بدقة وهذا ما يدعمه علماء النفس ، لذلك ذهب السيوطي الى القول ” رزقت التبحر في سبعة علوم : التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم واهل الفلسفة ” ص 13 . من المعروف ان الفلسفة هي سابقة للدين بعد ان الانسان اول ما فكر فيه هو محاولة معرفة كنه الاشياء وجوهرها ومسوغات حدوث الظواهر الطبيعية بمعنى انه بدا يتفلسف اولا ومن ثم ظهر الدين، وبالتالي تستطيع الباحثة القول ان الانسان مر بمراحل واول هذه المراحل هي : المرحلة السحرية والمرحلة الفلسفية ومرحلة الدين . ارتبطت الصوفية بمبدا الاصلاح وهذا ما اراده السيوطي عند انتقاله الى مشيخة المدرسة البيبرسية عام (891 ه) ، لذلك عمد الاخير الى اصلاح تلك المدرسة وابعادها عن الكسالى الذين لا هم لهم سوى الحصول على الرواتب والمخصصات ، وهنا نجد ان هذا الاصلاح يتشابه من حيث المبدا مع الاصلاح الذي اراده البعض من الدارسين للحوزة العلمية الداعي الى تطوير مناهج الحوزة العلمية بما ينسجم مع روح العصر ومقتضيات الوحدة الوطنية .
هناك تناقض وجدناه اثناء قراءة بعض المقاطع في كتاب السيوطي ، فعلى سبيل المثال ” قال البراز في مسنده : حدثنا عبد الله بن وضاح الكوفي ، حدثنا يحيى بن اليماني حدثنا اسرائيل ، عن ابي يقظان ، عن ابي وائل ، عن حذيفة ، قال : قالوا : يا رسول الله الا تستخلف علينا ؟ قال : “اني ان استخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب ” اخرجه الحاكم في المستدرك ، وابو اليقظان ضعيف . ص (20-21) بينما هناك راي اخر يفند هذا الراي ” … وقد قال هذيل بن شرحبيل : كان ابو بكر ياتمر على علي وصي رسول الله (ص)، وود ابو بكر انه وجد عهدا من رسول الله (ص) فخزم انفه بخزام ؟ اخرجه ابن سعد والبيهقي في الدلائل …) ص (21) في ذلك الحديث هناك تناقض فكيف للرسول ان لا يسمح بخلافة من بعده والامام علي (ع) هو وصي رسول الله وخليفته وهذا ما يشير اليه السيوطي ايضا في الصفحة التالية ، ثم كيف يتسنى للسيوطي ان ياخذ حديثا يستهين برمز اسلامي كابي بكر الصديف (رضي الله عنه) ، من خلال الخزام الذي ثقب انفه به ، وما الضير عند ابى بكر ان يكون عليا خليفة المسلمين من بعد رسول الله ، والذي سمي بابى بكر لانه اول من صدق برسول الله وصدقه يوم الاسراء والمعراج ، نرى ان الصوفية منهج معتدل وهذا ما خالفة السيوطي اذ ذهب الى منحا متعصبا تارة ومتشنجا تارة اخرى وغير دقيق تارة ثالثة .
ينحى السيوطي منحا اخر ، اذ يشير في كتابه الى فكرة غريبة مفادها ان الترمذي قال ” حدثنا محمد بن غيلان ، حدثنا ابو داود الطيالسي ، حدثنا القاسم الفضل المدني عن يوسف بن سعد ، قال : قال رجل الى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال : سودت وجوه المؤمنين ، فقال لا تؤنبني رحمك الله ، فان النبي (ص) راى بني امية على منبره فساءه ذلك فنزلت بسم الله الرحمن الرحيم (انا اعطيناك الكوثر) صدق الله العظيم (الكوثر : 1) ونزلت بسم الله الرحمن الرحيم (انا انزلناه في ليلة القدر (1) وما ادراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من الف شهر) صدق الله العظيم (القدر:1-2) يملكها بعدك بنو امية يا محمد،قال القاسم : فعددنا فاذا هي الف شهر لا تزيد ولا تنقص ” ص (26) .
ان تفسير الايات هنا لا يعتمد على الموضوعية العلمية والفلسفة الحقيقية وراء نزول كل اية من الايات الكريمة واسباب نزولها ، ثم كيف للسيوطي ان يستند على اقوال واحاديث يعترف هو نفسه بانه حديث ضعيف الاسناد مضطرب متنه منكر في حاشية كتابه وفي الصفحة نفسها . ان السيوطي يؤكد على معلومة غريبة اخرى ، اذ يشير في كتابه الى ان الدارقطني في الافراد قال ” حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي ، حدثنا محمد بن هارون السعدي ، حدثنا احمد بن ابراهيم الانصاري ، عن ابي يعقوب بن سليمان الهاشمي ، قال : سمعت المنصور يقول : حدثني ابي عن جدي عن ابن عباس (رضي الله عنه) ان النبي (ص) قال للعباس : ” اذا سكن بنوك السواد ، ولبسوا السواد ، وكان شيعهم اهل خراسان ، لم يزل الامر فيهم حتى يدفعوه الى ابن مريم ” ص (29) من المعروف ان الشيعة هم بالاساس اهل العراق وليسو اهل خراسان في بلاد فارس ، لان التشيع ظهر في بداياته في العراق وليس في بلاد فارس .
الخلاصة :-
1- الكتاب يتضمن الكثير من حدثنا وقيل وقال مما يربك القاريء ويضعه في حيرة من امره ، بالاضافة لذلك فقد تم تصنيف الحديث الى عدة مستويات منها الضعيف والحسن والضعيف جدا ، بينما كان حري بالمؤلف ان لا يتناول ذلك بل يكتفي بالدخول مباشرة الى فلسفة التاريخ بصورة عامة والاسلامي بصورة خاصة .
2- لم يتم تناول الجذور الحقيقية او المنابع الحقيقية للتاريخ الاسلامي بل تم الاكتفاء بوجهات نظر عديدة من اشخاص كثر .
3- التاريخ الاسلامي بدا من مرحلة الجاهلية وبنى عليها معتقدات وافكار اسلامية ، هذه الافكار والمعتقدات تنسجم مع كل عصر وليست وليدة اللحظة .
4- الحقيقة التي لا مفر منها هي قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم (محمد رسول الله والذين امنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) صدق الله العظيم . وبالتالي فالرحمة قائمة بين ال بيت محمد (ص) واصحابه الغر المنتجبين والذي يقول غير ذلك فهو يعاني من نقص وفقر فكري وعلمي .
5- ليست المساله قائمة على النزاع بين هذا وذاك ومن هو احق ومن هو غير احق بالخلافة بعد رسول الله (ص) بل المساله قائمة على اشاعة روح المحبة والتسامح والفضيلة والاخلاق والصدق وهنا ياتي دور رجل الدين المثقف ثقافة حقيقية والمتسلح بالعلم والمعرفة الحقيقيتان .
6- اغفل الكتاب حقيقة اخرى هي ان اهل الكتاب اذا اتبعوا انبيائهم فهم مسلمون ولا يقتصر الاسلام فقط على من اتبع محمد (ص) .
علي عبد المحسن علي – بغداد
AZPPPL