
واقعية عبد الله أوجلان – جواد كاظم البيضاني
خيار قابل للنجاح
على الرغم من تداول مفردة الفدرالية منذ زمن ليس بقصير بيد ان فقهاء السياسة لم يتفقوا على اعطائها معنى واحدا فكلمة (federal) تعني الاتحاد و(state federal ) بمعنى الدولة الاتحادية والمصطلح في الاصل مثتق من(feder) الاتحاد وهو شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية ووحدات اصغر ، تعرف بالاقاليم وتعرف احيانا(بالفدراليات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمد أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة. وتعرف: بانها تنظيم سياسي ودستوري داخلي، مركب تخضع بموجبه عدة دول اعضاء او ولايات الى حكومة اتحادية أعلى منها …”1)). ووفقاً للتعبير الالماني staatenstaat فان الفدرالية تعني دولة دول2) )التي تتحقق بالاتحاد الاختياري أي التعايش المشترك بين الشعوب و الاقليات, وقد يتحقق هذا النوع من الحكم بين الشعب الواحد في أقاليم متعددة كما الحال في ألمانيا، ودولة الامارات , و الاتحاد الاختياري هو أحد ممارسات حق تقرير المصير، لانه يحقق الوحدة الرضائية بين شعبين ، او مجموعة من الشعوب كما هو الحال في الهند ، وقد تتحقق الوحدة الرضائية بين الشعب الواحد ذيالوحدات الادارية المستقلة كما هو حال الامارات العربية3)).
اما النشاط السياسي في الدولة الفدرالية فيكون على نوعين نشاط الدولة الفدرالية ونشاط الدول المكونة للدولة الفدرالية اي الدول الاعضاء وعليه فان الافراد في الدولة الفدرالية يخضعون لسلطتين : سلطة المركز وسلطة الدولة التي ينتمون اليها اي الدولة العضو في الاتحاد الذين هم رعاياها 4)).
من الملامح الأساسية للفدرالية توزيع السلطات حيث يجسد نظام الحكم ,وفق مفهومها توزيعاً للسلطات بين المركز والأقاليم وتنسق كل واحدة من تلك الحكومات في إطار صلاحياتها مع الأخرى وتعتمد عليها، ويكون الدستور في النظام الفدرالي هو السلطة العليا الذي تستمد منه الحكومة المركزية صلاحياتها .
الحكم الفدرالي واسع الانتشار عالميا، وثمان من بين أكبر دول العالم مساحة تحكم بشكل فدرالي. وأقرب الدول لتطبيق هذا النظام الفدرالي على المستوى العربي هي دولة الإمارات العربية المتحدة أما على المستوى العالمي فهي المانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ومن الممكن ان يكون الاقليم ذا الحكم الذاتي يضم وحدات تتمتع بذات العلاقة التي تربط الاقليم الاتحادي بالمركز، وتحصل من الاقليم على امتيازات تتيح لها الحفاظ على هويتها العرقية او الدينية والثقافية. والنظام الفدرالي اصبخ مطلب جماهيريا في المغرب وفي ليبيا والصومال والعراق والسودان وسوريا. وبعض من هذه الدول نجحت في تحقيقه، واخرى ما تزال في مخاض بلورته، ومن بين هذه الدول سوريا. هل ينجح الكُرد في سوريا بتاسيس اقليمهم الوطني الذي يطمحون اليه ؟
لا شك ان اكراد سوريا(غرب كردستان) بدأت مطالبهم القومية في سني سبقت عام 1932م، بيد ان هذا العام يمثل انعطافاً حقيقياً في تاريخ هذا الجزء من كردستان، فبعد فشل ثورة الضابط الكردي في الجيش العثماني احسان نوري عام 1932 وعمليات التنكيل التي تبعتها، رحل قسم ليس بقليل من الثائرين (الكُرد) الى سوريا (غرب كردستان) ، ولعل هذا العامل محفز مهم في تطور الوعي القومي عند الكرد في هذه البقعة ، فمطالب الكُرد في سوريا لا تعدو مطالب الشعب السوري في الحصول على الحرية مع الدعوات التي تهدف الى ضرورة ضمان خصوصية الشعب الكُردي وثقافته، وغالبا ما كانت هذه المطالب هي الدعوة الاولى نحو الانعتاق5)).
يعتقد مارتن فان بروينس ان الدعوات القومية ارتبطت في جلّ الخطاب السياسي السائد في القرن العشرين ارتباطاً وثيقاً ويرى ان برنامج الرئيس الامريكي ودرو ويلسن (الاربع عشرة نقطة) وكتابات منظري اليسار في الاتحاد السوفيتي وفي اوربا الغربية، وقوانين الامم المتحدة التي تدعو الى حقوق الامم في تقرير مصيرها هي المحفز للكرد وغيرهم من الامم في المطالبة بحقوقهم (6).
لا بد لنا ان نتجاوز احداث التاريخ رغم اهميتها وارتباطها بموضوعنا بيد اننا نتساءل هل استفاد الكرد من التاريخ ؟ كيف يفسر منظروهم الاحداث التي تهدد كيانهم القومي؟
عوائق سياسية
ربما لم يغب عن بال الكثير من الكرد ان ما يحلمون به لا بد ان يتحقق متناسين شعورياً العوائق السياسية والاقتصادية والجغرافية ولعل اسير الحرية عبد الله اوجلان كان اكثر واقعية عندما تحدث وبصراحة عن لغة التجانس بين شعوب الشرق الاوسط فمفهوم الدولة القومية هو غير واقعي عن اوجلان، على الاقل في الوقت الراهن لان التنوع الاثني يشكل تهديداً لكيان هذه الدولة. اذا ما هي الواقعية التي تعامل معها اوجلان؟
لو عرضنا اقليم (روج آفا) الفدرالي جغرافياً يتبين لنا ان المسافة الفاصلة بين المالكية وراس العين هي (130 ) كيلو مترا وفق التقديرات السورية الرسمية، وان معظم سكانها خليط، من العرب والكرد والمسيحيين وكان التواصل مع مدينة (تل ابيض) يمثل عائق في التواصل بين المنطقتين الكردية وفقاً للجغرافية السورية. وهذا ينطبق على المدن الكردية الواقعة شرق الفرات
وفق هذه المعطيات فان الكرد يسيطرون على مناطق تشكل أكثر من 15 بالمئة من أراضي سوريا. اما مناطق نفوذهم وفق ما يتحدث به الكرد فيقصد بها الادارات الذاتية الثلاث وهي كوباني (عين العرب) في ريف حلب الشمالي وعفرين في ريف حلب الغربي والجزيرة (الحسكة) فضلاً عن المناطق التي سيطروا عليها أخيراً في محافظتي الحسكة وحلب وبالتالي فهم يشاطرون الترك حدودا مشتركة تمتد لاكثر من 350 كيلومتر ويمتد نفوذهم حتى نهر الفرات في حدودهم مع العراق.
من خلال قراءة خارطة (روج آفا) يتبين لنا ان هناك تناثر بين المدن الكُردية وبالتالي اعلان الفدرالية تنتابه مخاطر كبيرة اذا ما تصرف القادة الكُرد في اقليم (روج آفا) بصورة تتقاطع مع تنبؤات اوجلان .
يرى اوجلان ان الشرق الاوسط خليط غير متجانس من الشعوب التي استقرت متجاورة فيما بينها منذ الاف السنين وان اقامة علاقات طيبة بين هذه الشعوب هو الانفع في تواصلها وقدرتها على الاستمرار في التعايش . وهذا يعني ان تمنح هذه الشعوب حقوقها الثقافية والاقتصادية وان تتمتع بحرية تتيح لها التعبير عن ذاتها دون ضغط او تجاوز على مقدراتها. بمعنا اخر اشراكها في القرار وهذا ما يسميه فقهاء السياسة (الوحدة الرضائية).
فالاطراف المتعايشة يجب ان تصل الى قناعة بان امنها الوطني يتتحقق من خلال الاتحاد رضائياً مع بعضها، دون ان تفرض تلك الوحدة بالقوة او ما يعرف بـ(الوحدة القسرية) وهو مرفوض طبعاً. فهل يلتزم الكرد بذالك ؟ ام ان العامل الخارجي سيجعل من الاطراف المتعايشة في الوطن الافتراضي تعيش بحالة من الحرب والاقتتال ؟
في ظل الاوضاع التي تعيسشها سوريا اليوم بات الامريكان والروس مقتنعين ان سوريا لن تعود الى ما كانت عليه قبل عام 2011 م، ولعل هذا السبب هو الذي دفع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف الى القول أن موسكو “لن تعترض أيضا على أي نموذج آخر لسوريا شريطة ألا يكون من إملاء شخص على بعد آلاف الكيلومترات من سوريا.”
لكن هل حديث الروس عن الفدرالية في سوريا نابع من خطة مدروسة، أم أنها فكرة ألقيت لجس النبض؟، واذا كانت لجس النبض فماذا يعني تلويح وزير الخارجية الأمريكي بسيناريو اشد خطورة من الفيدرالية؟ هل صحيح ان الامريكان بانوا مقتنعين بالفدرالية ؟
اذا الكرد استطاعوا ان يحصلوا على الضامن الدولي . كيف لهم ان يحافظوا على مكتسباتهم في وجه التحديات الاقليمية والمتغير في سياسات الدول الكبرى؟ ما هي اهداف روسيا ؟ لماذا دعمة الولايات المتحدة الكرد رغم ما يمثلوه من خطر على خليفهم (تركيا)؟ في ظل هذا الاوضاع هل نستطيع القول ان هناك تحالف دائم؟.
قلنا ان الدول الكبرى تبني سياساتها على وفق استراتيجيات ثابته وان السياسات تتغير وفقاً للتقلبات والتطورات الميدانية وظروف كل بلد وان الاستراتيجيات تبقى ثابته فروسياً يهمها جيداً بقاء طبيعة النظام السوري كما هي دون الاهتمام بالاسماء لانها تضمن عاملين في ذلك الاولى هو ان خط الانابيب الذي يمر عبر السعودية والاردن الى سوريا لم يتحقق وتبقى اوربا بحاجة الى الغاز الروسي، اما الشيئ المهم الاخر فان فقدان روسيا لاخر قاعدة لها في المتوسط يعني افول نجها في المتوسط وبالتالي تصبح تحركاتها مرهونة بموافقة لصيانة قطها البحرية ربما تكلفها الكثير، فضلاً عن فقدانها حليف مهم له ثقل كبير في المنطقة .
تحقيق تواصل
اما الولايات المتحدة فهدفها ضمان عدم تحقيق التواصل بين لبنان وايران وهي تسعى لتحقيق هذا الهدف لضمان امن اسرائيل. كيف تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق اهدافها مع التناقض الواضح مع موقف روسيا ؟ وما هي الضمانات التي تقدمها الولايات لاصدقائها في المنطقة؟
لا شك ان طريق الحرير هو الخط الرابط بين الشرق والغرب عبر العراق وسوريا وان الاوربيين يسعون لسلامته من خلال انشاء انظمة حليفة لهم مع بقاء هذا الطريق سالك وهو ضامن لحيوية اقتصادهم. هذا يعني ان وجود نظام بشار الاسد يتناقض مع اهدافهم الاستراتيجية. فهل يحدث تغير في الموقف السياسي يضمن لحلفاء الولايات المتحدة مبتغاهم بضمان امن اسرائيل مع قطع التواصل بين ايران وحلفائها في لبنان؟ وهل يعني قيام فدرالية في غرب كردستان قطع للتواصل بين حزب الله وايران ؟
عزل حزب
من الواضح ان التواصل بين لبنان وايران يبقى مستمرا مع بقاء الحدود العراقية السورية مفتوحة، وخير طريقة لعزل حزب الله هو قطع هذا الحدود بمعنى ان هناك نظاما فدراليا اخر يجب ان يتحقق في سورية وفي العراق .
وربما يتم اتحاد مناطق سورية عراقية تقطع هذا التواصل باسم الاقليم السني او اي مسمى اخر، على ان يرتبط هذا الاقليم بدول التحالف السني ، وبذلك يستطيع الامريكان ارضاء حلفائهم من خلال رسم خارطة جديدة للمنطقه فتحقق امريكا اهدافها، وتضمن لحلفائها جزء من مطالبهم، في ذات الوقت تبقي نظاما مواليا لروسيا يضمن لهم قاعدة بحرية على المتوسط، على ان تضحي روسيا بخط الغاز المار عبر ايران والعراق الى سوريا ثم المتوسط، فهذا الهدف لا يمكن تحقيقه مع وجود الاقليم السني الموالي للغرب، وشريط ساحلي موالي لروسيا. فهل تدفع العوامل الاقتصادية الاطراف المتنازعه الى تفاهمات؟ في ظل هذه الافتراضات كيف يضمن الكُرد فدراليتهم في محيط معادي؟
الهوامش
([1]) محمد مولود مخلص ، الفدرالية وإمكانية تطبيقها كنظام سياسي، ط1(بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009م)، ص31.
([2]) منذر الشاوي، في الدولة، (بغداد، مطبعة العاني، 1964 ص(84 .
([3]) جواد كاظم البيضاني، الوحدة الوطنية والتعددية الاثنية في العراق، ط1?(بغداد، مطبعة العباد، 2005)? ص ص60-62
([4]) البيضاني، الوحدة الوطنية والتعددية الاثنية في العراق، ، ص62.
([5]) جواد كاظم البيضاني، صفحات من تاريخ الكُرد وكُردستان، (بغداد، مطبعة كوثر، 2006 ص34).
([6]) الاكراد وبناء الامة، (بيروت، معهد الدراسات الاستراتيجية ، 2006 ص19).
{ مدير المعهد العراقي للدراسات الكردية


















