هواجس مرعبة – عبد المحسن عباس الوائلي

هواجس مرعبة –  عبد المحسن عباس الوائلي

 

منذ اليوم الاول لدخولي المدرسة الابتدائية ودخولي في الصف الاول ابتدائي مع العديد من اقراني وحركة الطفولة المستمرة والثرثرة والضحك والعراك والتدافع على كل شيء لشرب الماء لدخول الصف والخروج منه في الاستراحة في الرياضة واشياء كثيرة.. وانا اشعر بالغربة والوحدة واشعر بالضياع وكأنني فقدت اشياء كثيرة وابحث عنها لم يرفه عن نفسي اي شيء كآبة خوف رعب من اي شيء لا اعرف..؟!

كنت اخشى دائماً ان اقدم على اي تصرف او اقوم باي عمل من شأنه ان يسيئ الى احد.. وعبثاً حاولت ان اتخلص من هذا الشعور بالهرب من زملائي ومن اساتذتي واستمرت هذه الحالة دون ان اعرف سببها الى ان وصلت للصف الخامس ابتدائي وبدأت بالمطالعة وبعد هذا اكتشفت اخيراً ان حساسيتي الزائدة لما يحتمل ان اقوله او افعله وللنتائج التي يحتمل ان تترتب على هذا القول او الفعل، هي السبب الاساسي في الهرب من الناس ومن شعوري بالوحدة والغربة التي اعانيها..

فلم يكن ضميري انا هو السبب اذن ولكنه ضمائر الاخرين.. ولكنني استطعت ان اتغلب على هذا الشعور نهائياً عندما عدت الى نفسي وبدأت افكر واتصرف واعمل واقرأ واكتب بالطريقة التي اراها مناسبة غير عابئ كثيراً بما يدور في اذهان الاخرين وما يتصورونه عني..

وليس معنى هذا ان ضميري قد مات ولكن معناه انه كان قد بدا لتوه يتخلص من تلك العوامل التي ترسبت فيه خلال سني طفولتي.. ولقد عدت اليها وما اكثر تلك اللحظات التي يعود فيها الانسان الى طفولته ويستعيد ذكرياتها الحلوة والمرة معاً..

 لقد قال لي ابي يوماً انني عندما كنت طفلاً كنت كثير الكلام اعترض على كل شيء واي شيء مما كان يضطره الى زجري وتوبيخي ومعاقبتي وفي احيان كثيرة امام الناس وكبرت وانا اشعر انه ربما كان التعبير عن النفس عملاً خاطئاً لا يجوز للمرء ان يفعله ففهمت ان الوحدة والغربة قد تجيء نتيجة لعقدة ترسبت في نفوسنا منذ الصغر فاذا عرفنا طبيعة هذه العقدة واستطعنا ان نخلص نفوسنا منها تخلصنا من شعورنا بالوحدة.. فلابد ان تجيء المبادرة من داخلنا والقراءة اول نافذة نطل من خلالها على الحياة..

الكتاب هو الصديق الوحيد الذي يمكن ان يقف بجانبنا ونحن نخطو اولى خطواتنا للخروج من الوحدة التي نعانيها فمن خلال قراءتنا سوف تتغير نظرتنا الى الحياة والناس وسوف نشعر بتجاوب مع الافكار والنظريات التي نفر منها وابتعدنا عنها ويوم نشعر باننا نفكر كما يفكر غيرنا من الناس نكون قد خلصنا انفسنا من اهم اسباب هذا الشعور الذي يحتوينا ويسيطر علينا.. اما من اين نبدأ بعد ذلك فليست هذه المشكلة.. فنحن لا ندري كيف تجيء الخطوة القادمة..

ولا في اي اتجاه سنسير المهم ان نترك انفسنا بعد ذلك على طبيعتها وقد يكون لقاؤنا الاول مع اي شخص نعرفه اولا نعرفه في الطريق العام او في المكتب او المطعم او اي مكان اخر في دور العبادة في المقهى المهم يتحقق اللقاء فتشعر بالراحة الذهنية التي افتقدناها وتصورنا يوماً اننا لن ننعم بها ابداً. والمهم ايضاً الا ندع اليأس يتطرق الى نفوسنا في تحقيق التآلف والتجانس بين افكرنا وافكار الاخرين ولا نحتقر او نسخر من الغير ونتعلم الصحيح والخطأ من الكل من المجانين والاطفال وبقية الناس.