
هل ستكون أربيل مفتاح الحقبة الذهبية ؟ – كارزان حيدر
اليوم، تتجه أنظار العراق وأمريكا، بل وحتى مراكز صنع القرار في المنطقة، بالكامل نحو إقليم كوردستان ومدينة أربيل، إن زيارة علي فالح الزيدي، رئيس الوزراء العراقي المكلف، إلى كوردستان ليست مجرد زيارة بروتوكولية اعتيادية، بل تحمل رسالة وتمثل محطة حاسمة لمستقبل العراق، وفي الوقت الذي جدد فيه دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دعمه غير المسبوق والقوي للزيدي من أجل بدء مرحلة جديدة من الانتعاش والازدهار في العراق، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لهذا العراق الجديد أن يخطو خطوة واحدة دون فاعله الرئيسي المتمثل في الكورد؟ لفهم هذه المعادلة، يجب أن نلقي نظرة سريعة على مكانة الكورد بعد عام 2003 وسقوط النظام العراقي السابق، في تلك المرحلة، لم يكن الكورد مجرد ضيوف في بغداد، بل كانوا المهندسين والمؤسسين الرئيسيين للعراق الجديد، بدءا من صياغة الدستور، وصولا إلى تولي منصب رئيس الجمهورية، ونائب رئيس الوزراء، والمناصب السيادية كوزارتي الخارجية والمالية، والحضور القوي داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، أثبت الكورد ثقلهم الحقيقي، هذه المشاركة الكوردية الواسعة كانت تحمل معنى واضحا، وهو أن الكورد يريدون بناء عراق اتحادي، ديمقراطي، وتعددي يشعر فيه الجميع بشراكة حقيقية. لكن هنا يثار تساؤل واقعي ومرير للغاية، هل ما زال الكورد يريدون أن يكونوا ركيزة صلبة للحفاظ على العراق، في حين أصبح العراق نفسه أكبر منتهك لحقوقهم الدستورية؟ كيف يمكن للكورد أن يضعوا ثقلهم خلف حكومة لم تستطع حكوماتها السابقة، ولم ترغب، في توفير أبسط الحقوق مثل المستحقات المالية ورواتب موظفي إقليم كوردستان؟
منظومة دفاعية
المشاكل لا تقتصر على الرواتب فحسب، بل إن القضايا القومية وتلك المتعلقة بالأراضي، مثل عدم تنفيذ المادة 140 لحل مشكلة المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، وتهميش وحرمان قوات البيشمركة الكوردستانية من حقوقها كجزء من المنظومة الدفاعية العراقية، قد أحدثت جرحا عميقا في جدار الثقة بين أربيل وبغداد، إن الحكومات السابقة، بإبقائها على هذه الأزمات، لم تفشل فقط في بناء عراق قوي، بل أدخلت بلادها في حلقة مفرغة من الأزمات المستعصية. وفيما يتعلق بزيارة علي الزيدي والحلم الأمريكي بخلق حقبة ذهبية في العراق، فإن الواقع السياسي يخبرنا أنه لا يمكن لأي حكومة في بغداد أن تكون قوية ومستقرة ما لم تكن المكونات الرئيسية، وخاصة الكورد والسنة، مشاركا فعالا فيها، العراق بلد المكونات، وبدون مشاركة حقيقية وليست مجرد مشاركة شكلية، فإن الاستقرار السياسي يعد أمرا مستحيلا، إذا أراد الزيدي لحكومته أن تكون بعيدة عن الفوضى والصراعات الداخلية، وأن تكسب ثقة المجتمع الدولي والاستثمارات الأجنبية، فعليه توحيد الجبهة الداخلية، فالعراق القوي لا يبنى بتهميش الكورد، بل على العكس من ذلك، فبدون الكورد سينشأ عراق ضعيف ومليء بالثغرات، ولن يتمكن أبدا من الخطو نحو مرحلة الازدهار.
في الوقت الحاضر، يمتلك الكورد عدة وزراء ومناصب أخرى في الحكومة الاتحادية، ولكن هل سيدخل الكورد إلى بغداد في كابينة الزيدي بنفس منطق عدد الوزارات؟ الواقع هو أن ثقة الكورد بالوعود الشفهية والاتفاقات التي تعقد في الغرف المظلمة قد تلاشت، مشاركة الكورد هذه المرة يجب أن تكون أقوى ومختلفة، ليس من حيث زيادة عدد الوزارات، بل من حيث ضمان تنفيذ الدستور، لا يمكن للكورد أن يكونوا جزءا من حكومة تستخدمهم فقط لاكتساب الشرعية، ثم تدير لهم ظهرها عند توزيع الثروات والسلطة، وإذا ما تم انتهاك الحقوق الدستورية مرة أخرى.
فمما لا شك فيه أن الكورد يستطيعون اتخاذ خيارات أخرى وسحب الشرعية الوطنية من تلك الحكومة.في هذه المعادلة المعقدة، يعد دور وقرار مسعود بارزاني، بصفته الزعيم الأعلى للكورد، النقطة الحاسمة، فبارزاني، الذي يمتلك عقودا من الخبرة في النضال والسياسة، يدرك جيدا أن التعامل مع بغداد يتطلب تفاوضا يستند إلى القوة والواقع، وسيكون قراره نابعا من أجل حماية كيان إقليم كوردستان وتثبيت الحقوق الدستورية، وأكثر مما يمكن فعله الآن، يستطيع بارزاني رسم خط أحمر لأي مشاركة لا تحظى بضمانات دولية، وخاصة من الجانب الأمريكي، لتنفيذ الاتفاقيات، ويمكنه أن يقول بوضوح للزيدي، وحتى لإدارة ترامب، إن العراق الجديد لن يولد دون حل مشاكل المادة 140 وقضية الموازنة والبيشمركة.
عقلية جديدة
كقراءة واقعية لهذه القضية، فإن نتيجة زيارة الزيدي إلى أربيل تقف أمام مسارين لا ثالث لهما، فإذا كانت بغداد، بعقلية جديدة وبدعم أمريكي، مستعدة لتوقيع اتفاق دستوري واستراتيجي مع أربيل وتطبيقه على أرض الواقع، فحينها سيدخل العراق بلا شك في حقبة ذهبية، وستتشكل حكومة قوية يمكنها أن تكون نقطة توازن في الشرق الأوسط، أما إذا كانت هذه الزيارة مجرد محاولة لشراء الوقت وتكرار الوعود الكاذبة السابقة، فإن العكس هو ما سيحدث، ستنهار الثقة تماما، وستصاب العملية السياسية في العراق بالشلل، وسيتحطم الحلم الذي يراود ترامب والزيدي بانتعاش العراق على صخرة الأزمات المتراكمة بين أربيل وبغداد، أربيل اليوم تمسك بيدها مفتاح نجاح أو فشل عراق المستقبل.























