
فم مفتوح .. فم مغلق
وزارة تشارك أرزاق الصحف – زيد الحلي
دائماً يراودني كابوس يقض مضجعي، ويجعل يومي مثقلاً باليأس، فتبدو عليّ علامات الانزعاج والعصبية، وهذا الكابوس يتمثل في شعوري بأن يوماً قريباً قد يأتي، أجد فيه بغداد، عاصمة الثقافة والعلم، خالية من صحف القطاع الخاص، ومعنى ذلك أنها أصبحت مدينة فاقدة لذاكرتها اليومية ومنبرها الشعبي، مدينة لا تستيقظ على صوت بائع الصحف، ولا تجد مكتبة حكومية أو أهلية تبسط أكشاكها للصحف والمجلات، ولا يرتشف أهلها أخبارهم مع القهوة الصباحية.
أستعيد بحنين موجع فجر بغداد في ستينيات القرن الماضي حيث يفاعتي الاولى، حين كانت تستقبل صباحاتها بأكثر من خمسين صحيفة يومية محلية، وعشرات الصحف المسائية، يحملها الباعة الجوالون في الشوارع، وأمام دور السينما والمقاهي، فتتحول الصحيفة إلى جزء من المشهد البغدادي، مثل رائحة الخبز وصوت المذياع.
وأمام هذا الحال، أقول إن في الأمر شيئاً يدعو للحيرة، ويا ليتني أعرفه بدقة، قبل أن ينتابني شعور بأن المسألة تحولت إلى طلسم يحاول الصحفيون فك أسراره بلا جدوى. فبدون صحف يومية مستقلة الاتجاه، يموت الحوار الثقافي، ويذبل الغنى المعرفي، ويتراجع الوعي العام بالقضايا السياسية والاجتماعية، لأن الصحافة الحرة كانت، وما تزال ، ضمير الشعب، وعيونه التي يرى بها الحقيقة.
لقد بدأت عناقيد الصحف المحلية الرصينة تتساقط واحدة بعد أخرى، بسبب شحة مواردها، وابتعاد الحكومة عن دعمها من خلال غياب الإعلان الحكومي، فضلاً عن عدم وجود مؤسسة رسمية متخصصة بالتوزيع، الأمر الذي حرم المحافظات من وصول الصحف إليها، فبقيت حبيسة التوزيع الفردي المحدود داخل بغداد، مع توزيع خجول في مراكز المحافظات عبر وسائط النقل الأهلية المنطلقة من كراجات بغداد، فيما اختفت الصحف تماماً من الأقضية والنواحي، فضاعت بذلك المكتبات التي كنّا نعرفها ونأنس بها.
وقد جمعتني لقاءات أخوية مع رؤساء تحرير بعض الصحف، فعلمت منهم أن وزارة التخطيط أصدرت كتاباً مستغرباً، يحمل الرقم (1/1/789) بتاريخ 14/10/2024، أكدت فيه وجود منصة إلكترونية متخصصة بالإعلان، ونصّت على نشر الإعلانات فيها، فبدلاً من نشر أي إعلان ، وهو المورد الرئيس للصحف ، في ثلاث صحف بحسب التعليمات القانونية السارية، صار الإعلان يُنشر في صحيفتين إضافة إلى المنصة المذكورة. والعجيب أن تنافس وزارة سيادية الصحف في موردها الأساسي، بدل أن تكون سنداً لها.
وإلى جانب هذا الأثر المؤذي، علمتُ أيضاً أن العديد من الصحف تعاني من مشكلة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل بعدم صرف مستحقاتها الإعلانية من الوزارات للأعوام الماضية، الأمر الذي جعل بعض المؤسسات الصحفية تقف على حافة الإغلاق، فيما اضطر بعضها الآخر إلى تقليص عدد صفحاتها أو الاستغناء عن كوادرها المهنية.
أقول بمحبة: إننا نحلم بصحافة محلية تعبّر عن أفكارنا وطموحاتنا، وتحظى بدعم الدولة عبر مدها بالإعلانات الحكومية، وخفض أسعار الورق والأحبار، وإعفائها من الضرائب، وتوفير أكشاك في الأماكن العامة لعرض الصحف والمطبوعات الثقافية الأخرى، لأن حماية الصحافة ليست حماية لمهنة فحسب، بل حماية لذاكرة الوطن وصوته الحر.
وأعرف أن طريق إحياء الصحافة المحلية ليس مجرد إسفلت ممتد، بل هو شريان حياة يحمل أحلام الناس إلى مقاصدهم، وإن تركه من دون إنعاش لا يقل فداحة عن أي تقصير آخر، فالحياة الثقافية لا تُعوض، والأمم التي تفقد صحافتها الورقية الحرة تفقد جزءاً من ذاكرتها ووعيها الجمعي.
فمتى نمنح صحافتنا ما تستحقه من عناية؟
إنه سؤال أضعه مجددا أمام كل معني بالشأن الثقافي والإعلامي، لعل صداه يكون أقوى من صمت الأرقام، وأكثر حضوراً من بيانات لا تُنقذ صحيفة، ولا تحفظ ذاكرة مدينة.























