
نقش في السديم للشاعرة حمدة خميس
لغة الضوء و ما تؤول إليه
ناظم ناصر القريشي
أبو تمام
تاهَتْ على صُورة الأشياءِ صُورَتُه حتى إذا كملت تاهت على التيهِ
الشعر ليس درسا أكاديميا بل هو روح اللغة و لغة الكون ، فعندما ترفرف المعاني فوق صلصال الكلمات وهي تشدو بموسيقى المطر ، أو عندما يسري نسغ النمو في القصيدة ، و عندما نتسأل في حيرتنا بأية لغة سيدون الضوء ضوءه ، سيجيبنا المعنى الذي يملأ الفراغ و الذي سيعيد إنتاجه نفسه في سلالات أخرى من المعاني عن هذا التساؤل ، و لكن لابد هناك خطوة أولى ترشدنا في السعي نحو اللامحدود والمطلق و تُحررنا من آنية الحضور المادي ، هذه هي فكرة الشعر ، و ماهيته ، و غايته الأساسية أن تحتوي الكلمات الزمن وتعبر عنه ، فعندما تغامر هذه الفكرة وتلج الى عالم كينونتها ،وتكون كالبرق تظهر مره وتختفي في أحيان كثيرة ؛ إلا أن حضورها المضيء سيكون أكثر انسجاما و علواً مع ذات الشاعرة و هي تتجاوز ذاتها الى الخلق والابتكار و الأبداع ؛ وهذا ما تخبرنا به الشاعرة حمدة الخميس فتقول : (الشعر لا محدود ولا متناهٍ. لا مدرك، لا متجسد، ولا مرئي، مخاتل يقتفي الشرود. الشعر ليس الوتر، بل موسيقا الخيال. الشعر ليس القول، بل ما تشي به خفاياه. ليس الدهشة بل شهقتها)،فبمثل هذا المعنى فقط والذي يبدو قادراً على أن ينقلنا الى عالم الشاعرة حمدة خميس في ديوانها ( نقش في السديم ) والصادر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ، و بالتعاون مع وزارة الثقافة وتنمية المعرفة
فالشاعرة حمدة خميس تحدت زمنها و أظهرت شجاعة فائقة في التعبير عن نفسها ، وهي تراقب تحول كلماتها إلى صور والصور الى معاني و المعاني الى حياة و هي تتمعن وتتأمّل في مفرداتها و هي تنمو لتصبح شجرة أثيث ؛ فكان مفتتح ديوانها (قصيدة إصرار ) التي تقول فيها
سأظل أنقش خطواتي
على واقع الوجود
لا عمر يرهبني
ولا وهم الخلود
الإصرار ليس هو البقاء فقط ، لكن بدء لبداية جديدة ولذا تنقش الشاعرة على وقع الوجود هنا خطواتها في المطلق و بتحدي و العزيمة على البدء ، وهذا هو مبلغ التمام في الوعي ، فبإيقاعاتها الجامحة المبنية على السعة كنسر قابضا على الريح بجناحيه تحلق عاليا تاركه المصيدة ورائها فتقول في قصيدة الدنيا
سواسية جئنا
الى هذه المصيدة
لكننا لم نكن
سواسية
في حضرة السيدة
خلق معنى
المعنى هنا يتم إزاحته من خلال خلق معنى مواز له بقصديه تامة وهذا ما سعت إليه الشاعرة وهي تشير إليه فمجيئنا لدنيا سواسية لكنا لم نكن سواسية ، ففهمنا للقصيدة من خلال القصيدة ذاتها ، لذا ستنبئنا كلماتها التي رافقتها في تجربتها الشعرية عبر سفرها الطويل أنها ستتحول الى أشرعة بيضاء للمغامرة فتبحر في الخيال تسرج على الأحلام أمالها والأماني ، تنتظر الفجر لتتلو فيه النشيد فتقول بقصيدة ( محيط النشيج )
سأبحرُ في الخيالِ
ولن أعود
فلم يبق في الأرض
مرافئ تستضيف
وأقنع قلبي
بأن السماء غياب
وحولي إلا
محيط النشيج
ولمّا تيقنت
أن الضلال
ظلامٌ
قلت سيأتي فجر
لأتلو فيه النشيد
ولكن ضللتُ
فلم يبزغ الفجر
ولم يهتدِ
لمسار الضياء
الطريق
فكيف اشق الظلام
ودربيَ صخر
عتيد
وكيف أغني
إذا صار نهرُ الحياةِ
الدموع!!
قصائد الديوان
أن هذا الرسم بالكلمات سيؤكد حضوره وبحيوية عبر قصائد الديوان بحيث يمكننا أن نرصد أن الشاعرة و هي تنسج الحياة في القصيدة تؤسس لمقتربات شكلية ، بين الصورة الشعرية و اللوحة الفنية داخل بنية القصيدة ، وهذه ميزة تتميز بها الشاعرة ، فمن خلال لغة الضوء المتسللة إلى مفردات القصيدة و التي تشكل صورها عبر تناظر اللون الأبيض للفجر و الأسود للظلام يتخللهما الانتظار والسير على ارض صخرية تبدو للوهلة الأول تشكيل لبداية ملحمة ستتجلى معالمها في قصيدة نقش في السديم بتراجيديتها الهائلة والتي تنحاز فيها الشاعرة الى هواجسها و أسئلتها الوجودية ؛و هي تصر على حضورها بقوة الشعر الذي يزخر بالمعاني، خصوصاً عندما تظهر هذه الصور الصادمة و الشاسعة بامتدادها بالتكوين في كثافة لا نهائية ، و التي تشكل محاولة جادة للتعبير عن رؤية الشاعرة الفكرية وهي تبحث عن معنى لوجودها ، فتقول الشاعرة حمدة خميس في قصيدة ( نقش في السديم )
في العراء الشاسع
للكون تقفين
لا نجم يومضُ
لا قنديل يغزل الطرقات
لا جسر
إلى ما تشتهين
من عدم جئت
إلى عدم ستمضين
يداك فارغتان
وأصابعك احتراق
قلبك وحدهُ يومئ
إلى حلم مستحيل
رغم ديناميكية الحركة في هذه الصور لكنا نشعر أن هناك صمتا رهيبا ، امتصه السكون بغتة دفعة واحدة ، فوقوف الشاعرة وحيدة في العراء الشاسع للكون حيث لا نجم يومض ، ولا قنديل يغزل الطرقات ، وهذه الجملة الابتكارية والاعتراضية في نفس الوقت هي وحي و الهم حقيقي ، طوت فيها الشاعرة الضوء والمسافة والزمن ، فهي تلاحق أفكارها كأنها تلاحق بؤرة ضوء ؛ فقلبها يومئ إلى حلم مستحيل ، بهذه اللغة السامقة و البعيدة الدلالات كأنما المعاني أغصان شجرة تنسدل على بعضها ؛ فنجد أن الشاعرة تستنسخ هواجسها وتسمح لكلماتها بأن تأخذها إلى عالم آخر ،وتنقش خطواتها على السديم ، كما تقول في المقطع الأخير من القصيدة مخاطبة الروح والمشاعر بكلمات غاية في الرقة لتشكل عالمها الخاص و المتفرد
امض إذن الى درب
يتوق ويحتوي
و أنسجي العشب
والظلال
قلبك نهر أمومة
ومحيط حب
يداك سخاء الينابيع
وخطوك وقع على وقع
الى ما تشتهين !
هكذا ترتل الشاعرة رغبة الحياة ، دائما كبداية لديمومة أبدية فتخضع وهج الكلمات لينصاع إلى أفكارها ،حين تمد يدها بسخاء الينابيع فهي الحياة أيضا لحضور الماء و لان قلبها نهر الأمومة ، وهنا تنير الشاعرة الأركان الخبيئة عن آخرها على غموض أسرارها وندرك معنى الاصرار الذي افتتحت به ديوانها، والذي يؤكد لنا أنها تولد من رماد الكلمات في قصيدتها كطائر العنقاء فتقول في قصيدة ( نهوض )
إيه أنت
يا امرأة الشغف
الأثيث
كم احترقت
و انبجست
من رمادك
كم مرت عليك
تروس شك
و أختبلت
وكم قلت
رماد صرت
فاستيقظ القلب
من ظنونك
وانبعثت
لقد حررت الشاعرة كلماتها باعتبارها أداة تعبير بحد ذاتها ، و خلقت منها لغة أخرى ، و هي تعلم إن هناك دائما في خطوة قادمة نحو التأويل ستولد قصيدة أخرى ، فكانت خطوات الشاعرة حاسمة صوب إكتمال أسلوبها و توظيفها الجمالي لهذه المعاني ، فهي تقترب في بعض الأحيان لتكون لغة عرفانية بردائها الصوفي ، أفرغت فيها كل رؤاها الشعرية فهي تقول في قصيدة ( لغة ساكنة )
بالأمس لي لغة
كنت أساررها
وتستفيض إذا حملتها
توقي وأشواقي
واليوم تعجز
إن حملتها العشق
كان العشق أمواجا
من العصيان
و الأنهار و السحب
كأنه يأبى
من هول سطوته
أن يستكين الى لغة
مألوفها تعب
من قول ما قيل
من قبل و من بعد
كأنها الرمل
يبني القصور
إذا شاءت يد الطفل
وينثره
إذا شط به التعب
ربما كانت رغبة الشاعرة حمده خميس أن تكون رسامة لذا نرها تشكل لوحات قصيدة بانطباعية لكن بلغة رومانتيكية هنا على امتداد قصائد الديوان سنجد أكثر من ضوء هزيل وشاحب سيطويه الليل بصمت ، و أكثر من نور سيشرق مثل شروق الشمس في لوحة كلود مونيه المعروفة لكن الشمس هنا امرأة أشرقت تحتضن الحياة فتقول في قصيدة ( امرأة في صمت ) والتي جعلت الغياب فيها على الأقلية و الحضور على الأكثرية
حكو أن …
وكنا على طرف الظل
و رأفة الورد
و العشب يغزل
في صمت الليل
عباءته
في ما وراء الشعاع ؛
أن امرأة أشرقت فجاءة
وكانت تظل الظل
وتحتضن النهار
قالت بهجس الروح
حين الروح
تزجر غفلة الريح
و تنتقي ما يهمس القلب
وينبها : لا وهج ينقشك
على صفحة الحلم
ولا النهار يضيء
ما خطه الليل
يقول المصور أنسل آدمز: ” إن الأشياء الوحيدة المتبقية والتي تنسجم مع هذا الكون هي الأعمال الإبداعية للروح الإنسانية “
تجربة شعرية
و الناظر الى التجربة الشعرية للشاعرة حمدة خميس سيجد أن روحها انسجمت مع بيئتها والعالم المحيط بها وسيلاحظ أيضا أن روحها انسجمت مع الكون ، فقدمت الكثير من العطاء عبر هذا الانسجام ، و هذه ميزة الروح الشاعرة ،
فوصلت الى ذروة عطائها الشعرية في ديوان ( نقش في السديم ) ، فقد كانت فريدة وشاهقة و هي تبتكر ملامح و تفاصيل تجربتها الشعرية و تفرض منطقها الشعري و الجمالي من خلال أسلوبها الذي انحاز الى تشكيل لوحات باهرة عبر استخدام لغة الضوء و ما تؤل إليه هذه اللغة من دلالات و التي تشير الى صحوة الآخر ، في اللحظات المتوترة التي تسبق عبوره ظلال الغياب نحو الحضور ، يردد نشيدها الذي ينتظر الفجر ليكتمل كذكرى الحاضر ؛ فلذا أشعارها الناضجة على صعيد الشكل و المضمون تؤسس لوعي و أدراك جمالي لمعنى الشعر على اعتباره قيمة في ذاته
























