
نظرية الصفر في النحو – سناء حميد البياتي
.. لم يكن يخطُر بفكري في الثمانينات من القرن الماضي (1981-1983) وأنا طالبة ماجستير أخطو خطواتي الأولى باتجاه البحث، أنني أنتهي من تلك المرحلة برسالة تحمل عنوان ( نظام الجُملة العربية ) وهو في الواقع نظام لكل اللغات التي يمكن الترجمة منها وإليها.
وليس ذلك بغريب أن يتمّ التوصل الى نظام اللغات عمومًا من خلال إحدى اللغات مادام مقرّ النظام في انتاج اللغات كافة يكمن في دماغ الإنسان، فتوغلت في دماغي أحمل معي كاميرا حسيّة، وجعلتُ دماغي مختبرًا، اختبرتُ فيه أنواعًا متعددة من الجُمل، وأنا أنطقُ بها وأتحسسُها مراتٍ ومرات، حتى اكتشفتُ المراحل التي تمرّ بها الأفكار قبل أن تولد فتصبح جُملا منطوقة أو مكتوبة، أي نظامها في الدماغ، وهذا النظام تشترك به جميع اللغات، وقواعده هي قواعد النحو الكلي( Universal Grammar).
ما هو الصفر في مجال اللغة ؟
اللغة إنجاز إنساني متفرد وهو من أكثر إنجازات دماغ الإنسان تعقيدا، وعند تحليل أية لغة من لغات البشر نجدُها تتألف من مجاميع من الجُمل، والجملة هي أصغرُ تأليف يعبّر عن فكرة تامة، والأفكار تنشأ في دماغ الإنسان، وفي دماغ الإنسان يتم تأسيس الجمل المعبّرة عن تلك الأفكار نطقا أو كتابة، وفي الدماغ يتمّ تنظيم العلاقات والربط بين الأجزاء التي تحتوي عليها الفكرة، وتُعدّ مرحلة التنظيم التي يتم بها إنجاز الجُمل وتحويل الفكرة التي تحتوي على أجزاء أي – مفاهيم متعددة – إلى جُملة تُعبّر عن أجزائها بكلمات مرتبطة بعضها مع بعض بعلاقات معنوية منظمة، هذه المرحلة التنظيمية التي تسبق ولادة الجُمل كافة هي مرحلة (الصفر) ومقرها في دماغ الإنسان .
إنّ مرحلة الصفر في اللغة هي المرحلة الماثلة ما بين انبثاق الأفكار والجُمل المعبّرة عنها، وبعبارة أخرى هي مرحلة تأسيس الجُمل في الدماغ على وفق نظام معين مستقر فيه، وهذا النظام يرثه الإنسان كما يرث نُظمًا متعددة لإنجاز فعالياته المختلفة، ويشغله عندما تتهيأ له ظروف التشغيل، وكما انّ الصفر في الرياضيات هو مرحلة بدء الأعداد وانطلاقها، وهو مرحلة تتوسط ما بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة، كذلك الصفر في اللغة، هو مرحلة البدء لإنجاز الجمل أو لإنتاجها لأنه مرحلة التنظيم والتأسيس التي تسبق ولادة الجمل بجميع أنواعها، وهو مرحلة تتوسط ما بين انبثاق الأفكار والجُمل المعبّرة عنها، وكما كان اكتشاف الصفر حدثا علميًا مهمًا في مجال الرياضيات ، كذلك حال اكتشاف مرحلة الصفر في مجال اللغة.
نظام مرحلة ( الصفر ) في الدماغ
ذكرتُ أنّ مرحلة الصفر في الإنتاج اللغوي تكمن ما بين الفكرة والجملة المعبّرة عنها، ويمكن القول إن الفكرة بعد انبثاقها، وبعد أن يتخذ الدماغ قرارًا بالتعبير عنها بواسطة اللغة، تدخل في مرحلة الصفر، أي في معمل إنتاج الجُمل، وقد اكتشفتُ أن معمل إنتاج الجُمل في الدماغ مكوّن من ثلاثة أقسام، ينتقل العمل فيها من الكل إلى الجزء، ونظام عمل كل قسم كما يأتي:
القسم الأول
يتم فيه تحديد المعنى العام للفكرة (الكل) فيما إذا كانت إخبارية مثبتة أو منفية أو استفهامية أو شرطية أو غيرها، وتحديد المعنى العام للفكرة إما أن يكون بدون أداة، وتلك هي الفكرة الإخبارية المثبتة، أو يتمّ تحديد المعنى العام للفكرة بأداة، وتلك للفكرة الاستفهامية والمنفية والشرطية وغيرها مما يتم تحديد معناها العام بأداة أو بطريقة معينة في الإنجاز بحيث يتميز المعنى العام للفكرة، ثم ينتقل الإيعاز إلى القسم الثاني.
القسم الثاني
في هذا القسم توجد مديرية الربط بين أجزاء الفكرة، ويتم في هذا القسم تحديد العلاقات المعنوية بين أجزاء الفكرة التي سبق أن تحدد معناها العام، وهذه المديرية تعمل بنظام هرمي لربط المدلولات أي الصور الذهنية للأجزاء التي تشتمل عليها الفكرة، وليس في اللغة عموما أكثر من أربعة معان ذهنية رئيسة رابطة تربط أجزاء الفكرة، واحد منها معنى مركزي رابط عليه تُبنى الجُملة وهو (الإسناد) وثلاثة معان ذهنية أخرى ترتبط بالإسناد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وهي:(التخصيص) و (الإضافة) و(التوضيح التابع).
ويشكل (الإسناد) رأس الهرم في النظام الهرمي الذي يعمل بموجبه هذا القسم من الدماغ لربط أجزاء الفكرة، وطرق الربط يتعارف عليها أبناء اللغة الواحدة وهذه تدخل في نطاق القواعد الخاصة بكل لغة ، ثمّ ينتقل الإيعاز إلى القسم الثالث.
القسم الثالث
يتم فيه تحديد الكلمات (الدوال) المناسبة واختيارها من بين الكلمات الكثيرة المخزونة في هذا القسم من الدماغ، وهذا القسم – مخزن – يُخزّن الكلمات باستمرار، فيتمّ اختيار الكلمات المناسبة للتعبير عن المدلولات التي اشتملت عليها الفكرة والتي قد تمّ ربطها بالمعاني الذهنية (النحوية) المذكورة سابقا .
فتخرج الفكرة من هذا المعمل وقد أصبحت جملة ذات معنى عام ومؤلفة من كلمات مرتبطة بعضها ببعض بعلاقات معنوية (نحوية) منظمة
توضيح
ولتوضيح كيفية تأسيس الجُمل (الخبرية المثبتة) في الدماغ قبل ميلادها، نحاول أن نتحسس ما يجري في الدماغ بعد انبثاق فكرة معينة وقبل التعبير عنها بجُملة، ولنأخذ مثلا هذه الجُملة (الوردُ جميلٌ) نُحسّ أولًا أن الفكرة انبثقت ولكنها ضبابية إلى حد ما – وهكذا كل الأفكار تنشأ ضبابية ولكنها تحتوي على مجموعة أشياء بصورة مفاهيم أو صور ذهنية منعكسة عن واقعها خارج الذهن أوعن مفهومها، وهذه الصور هي أجزاء الفكرة أو أركانها – وعندما يتخذ الدماغ قرارًا بالتعبير عن الفكرة باللغة، تدخل الفكرة في معمل إنتاج الجُمل حيث يبدأ بتأسيس الجُملة، ويتم التأسيس بتحديد معناها العام بدون أداة، لأنّ التجرّد من الأداة دليلٌ على نوعٍ معين من الجُمل كما أنّ وجود أدوات دليلٌ على أنواع أخرى من الجُمل، ثم ينتقل الإيعاز إلى مديرية الربط حيث يتم تحديد العلاقة بين الركنين اللذين يشكلان فحوى الفكرة وهما: الصورة الذهنية للورد أي مدلوله ومفهوم الجمال، فيتم الربط بينهما بمعنى ذهني هو (الإسناد) حيث يُسند أحد المدلولين إلى الآخر، وطريقة الربط يتعارف عليها أبناء اللغة الواحدة، وبعد هذا الربط بين الصورة الذهنية للورد ومفهوم الجمال ينتقل الإيعاز إلى المرحلة الثالثة حيث يتمّ ّفيها تحديد الكلمات المناسبة (الدوال) واختيارها من بين الكلمات الكثيرة المخزونة في هذا القسم من الدماغ، فتتحدد كلمة (الورد) دون غيرها ويتمّ اختيارها من بين كلمات كثيرة مخزونة من فصيلة المدلول نفسه مثل (الزهور، الأزهار، الورود، الأوراد….الخ) وتتحدد كلمة (جميلٌ) دون غيرها من الكلمات، ويتمّ اختيارها من بين كلمات كثيرة بهذا المفهوم مخزونة في هذا القسم مثل ( لطيفٌ، نَضِرٌ، عَطِرٌ،…) ولكن لم يقع الاختيار على هاتين الكلمتين (الوردُ جميلٌ) إلا بعد أن تحددت العلاقة بين مفهوميهما أو صورتيهما الذهنية وبعد أن ربط المدلولين معنى ذهني هو(الإسناد) أي إسناد الجمال للورد، وهكذا هي المراحل حتى تولد هذه الجملة الخبرية المثبتة المؤلفة من المسند إليه (الوردُ) والمسند (جميلٌ) مرتبطين بعلاقة (الإسناد).
إن الإشارة إلى الإسناد، هذا المعنى الذهني الرابط بين الكلمتين، تختلف من لغة إلى أخرى، والعربية اتخذت من العلامات الإعرابية وسيلة للإشارة إلى المعاني الذهنية الرابطة بين أجزاء الفكرة، وهذه تدخل في نطاق القواعد الخاصة بكل لغة، فبينما اتخذت العربية من الرفع (الضمة أو ما يقابلها) إشارة للربط الإسنادي، اتخذت الانكليزية أحد أفعال الكينونة إشارة للربط وحمّلته دلالة زمنية معينة هي الزمن الحاضر أو الماضي كما في (is,are,was,were). أما العربية فكان تجرد الجملة مما يدل على غير الزمن الحاضر أي عدم وجود ( كان أو سيكون ) دليلا على الزمن الحاضر فيها، فلا يمكن أن يكون الزمن غير الحاضر في جملة: (الطقُس معتدلٌ) مقارنةً بجملة (كان الطقسُ معتدلًا) التي تدل على الزمن الماضي أو (سيكون الطقسُ معتدلا) التي تدلّ على المستقبل.
إن المعاني الذهنية الرئيسة الرابطة في كل أنواع الجمل وفي جميع اللغات لا تزيد على أربعة معان ذهنية رئيسة رابطة تشكّل (قواعد النحو الكلي) وهي :
- الإسناد : يربط المسند إليه بالمسند وهو رأس الهرم والمعاني الثلاثة الرئيسة المرتبطة بالإسناد هي:
- التخصيص : يربط المفعولات كافة بالإسناد وكذلك يربط الحال والتمييز والمستثنى والمخصوص ، وكلٌ له جهة في التخصيص.
- الإضافة: تربط ما بين المضاف والمضاف إليه. وهي نوعان: إضافة مباشرة بدون أداة، وإضافة بوساطة الأدوات أي بوساطة أدوات الإضافة المسماة بحروف الجر .
- التوضيح: يربط الصفة بالموصوف ، المؤكِّد بالمؤكَّد وغيرها مما سميت بالتوابع في النحو العربي .
ولنلاحظ المعاني الذهنية أي المعاني النحوية التي ربطت أجزاء هذه الجملة:
( يتأملُ الإنسانُ العاقلُ خلقَ الكونِ) .
الإسناد: الذي حدد العلاقة بين ( يتأملُ) و (الإنسانُ العاقلُ) وربطهما ببعضهما
التوضيح: الذي حدد العلاقة بين (الإنسانُ) و( العاقلُ ) وربطهما ببعضهما
التخصيص: الذي خصص وحدد العلاقة بين (يتأملُ) و(خلقَ الكونِ) وربطهما ببعضهما.
الإضافة: التي حددت العلاقة بين (خلقَ) و(الكونِ) وربطتهما ببعضهما .
ولولا هذا النظام في ربط الأجزاء لتبعثرت الكلمات، ولَما دلّت على معنى مفهوم. فهل تفهمُ شيئًا لو سمعتَ قائلًا يقول :
العاقل الكون الإنسان خلق يتأمل!؟
أما الجُمل التي يتحدد معناها العام بالأدوات ، مثل الجمل الاستفهامية والجمل المنفية والجمل الشرطية ، فتحديد المعنى العام الذي يُهيمن على جو الفكرة بأداة معينة هو المرحلة الأولى في تأسيسها ، وهذا ما يميزها عن الجمل التي يتحدد معناها العام بدون أداة ، فيتمّ تحديد المعنى العام بالأدوات كأدوات الاستفهام وأدوات النفي، وترتبط الأداة بأحد أجزاء الجملة وهو – أي الجزء الذي ارتبطت به الأداة – واقع ضمن شبكة العلاقات ذات التنظيم الهرمي
ويمكن للرسم التوضيحي الآتي أنْ يُقدّمَ تصوّرًا تقريبيًا للمراحل الثلاث التي تمرّ بها الفكرة من أجل أن تولد فتكون جملة منطوقة أو مكتوبة، وما يجري في الدماغ من عمليات ذهنية، والتنظيم الهرمي لربط المدلولات، ثم اختيار الكلمات من أجل انتاج جُملٍ ذات معنى مفهوم.
ان هذا التوضيح لكيفية تأسيس الجملة في دماغ الإنسان والمراحل التي تمر بها الفكرة إلى أن تولد في جملة لا يعني أن هناك زمنًا ملاحظًا يفصل بين الفكرة والجملة المعبرة عنها ، فما ان تنشأ الفكرة الاستفهامية حتى تعبّر عنها الأداة المناسبة، وما أن تتحدد العلاقات بين الأجزاء حتى يتم تحديد الكلمات المناسبة واختيارها، فتولد الجملة بكلمات متعلقة بعضها ببعض، وهكذا فإنّ كل معنى ذهني رابط يربط بين المدلولات يقترن بالكلمات المناسبة، والتعبير عن الفكرة يتم بعد انبثاقها بوقت غير ملحوظ، أي أن الزمن المستغرق في تحويل الفكرة إلى جملة لا يكاد يُلاحظ .
إن النظام الذي وصفته آنفا، والمراحل التي تمر بها الفكرة في دماغ الإنسان من أجل إنتاجها لتكون جملة منطوقة أو مكتوبة، هو مرحلة الصفر في اللغة، وهو النظام الذي تعمل بموجبه جميع اللغات لإنتاج الجمُل، وقواعده هي قواعد النحو الكلي
(The Universal Grammar).
وهذا التوصيف لآلية عمل الدماغ ونظامه في إنتاج الجُمل يبقى صحيحًا ما لم تبرهن المعطيات اللاحقة عدم
صحته.























