
نصف قرن مع السرد
ناطق خلوصي
بحلول العام 2018 يكون قد مر نصف قرن على بداية صلتي بالسرد واهتمامي به :ساردا ًأولا ً ثم مترجما ً له ، فكاتبا ًلقراءات نقدية عنه ، وكان اهتمامي به ،قارئا ً ، قد بدأ قبل ذلك ببضع سنوات . أول قصة لي كانت بعنوان ” الملجأ ” نشرت في العدد الثاني من مجلة ” الرائد ” ( تشرين الثاني1968 ) وكانت تصدرفي كربلاء أيام كنت أعمل مدرسا ً في مدرستها الاعدادية . لكن ما شجعني على مواصلة الاهتمام بالقصة بشكل خاص أن مجلة ” الآداب ” البيروتية نشرت لي أول قصة أرسلتها لها ـ وكانت بعنوان” الفارس” ، قي العدد الحادي عشر ، تشرين الثاني 1970 .
لم أكن متعجلا ً فقد انتظرت بضع سنوات قبل أن أدفع مجموعتي القصصية ألأولى” الهجير ” للنشر وقد صدرت عن وزارة الثقافة والفنون ــ بغداد 1978 . أما مجموعتي القصصية الثانية ” شجرة الآب ” فقد صدرت عن اتحاد الكتّاب العرب ــ دمشق ــ 2009 إلى جانب العديد من القصص القصيرة نشرت في صحف ومجلات عراقية وعربية مختلفة وتمت ترجمة عدد من قصصي إلى اللغتين الانكليزية والفرنسية ، واختيرت قصص لي ضمن ثلاث مجموعات قصص مختارة مترجمة إلى اللغة الانكليزية . لي خلال ما يقرب من ثلاثين ستة ، ثماني روايات منشورة حتى الآن : ” منزل السرور ” ــ دار الشؤون الثقافية العامة ـــ 1989 ” الخروج من الجحيم ” ـ دار الحرية ــ 2001ـ ، ” المزار ” ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ 2004 ” شرفات الذاكرة ” ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ 2013 ” أبواب الفردوس ” ــ دار ميزوبوتاميا ــ بغداد ــ 2013 ” تفاحة حواء ” ــ دار ضفاف ــ الشارقة ــ 2014 ” اعنرافات زوجة رجل مهم ” ــ دار ميزوبوتاميا ــ بغداد ــ 2015 ” البحث عن ملاذ ” ــ دارميزوبوتاميا ــ بغداد ــ 2016 ” بستان الياسمين ” ــ تحت الطبع . ولي ،إلى جانب ذلك ،روايتان نشرتا في حلقات في الصفحة الثقافية لجريدة التآخي ــ بغداد ، هما ” عشاق الشمس ” ــ 2010 و” منزل المزرعة “ــ 2012 . وضمن تخصصي الأكاديمي باللغة الانكليزية مارست الترجمة وكان ضمن ما ترجمت بعض القصص منها ما نشر في مجلة “الثقلفة الأجنبية ” ثم ترجمت رواية ” خصام ” للكاتب الاذربيجاني مقصود ابراهيمبيكوف ، وقد صدرت عن دار الشؤون الثقافية عام 2007 . وبعد أن كنت قد مارست كتابة النقد التلفزيوني لأكثر من عشرين سنة ، توقفت عن ذلك وتحولت نحو كتابة قراءات نقدية عن السرد فتناولت أكثر من ستين رواية ومجموعة قصصية حتى الآن .
قام الأستاذ شوقي كريم حسن بإعداد روايتيَ :” منزل السرور ” و ” المزار ” في مسلسلين إذاعيين لحساب اذاعة بغداد وأعد الأستاذ بدري حسون فريد ( رحمه الله ) قصتي ” الرحلة ” التي نشرت في مجلة اتحاد الأدباء في تمثيلية تلفزيونية منعت من العرض ،أما شيخ المخرجين الأستاذ محمد شكري جميل فقد كلف كاتب السيناريو الأستاذعلى صبري مؤخراً بإعداد روايتي ” الخروج من الجحيم ” فأعدهاً في فلم سينمائي لم يجد طريقه ، على ما أعلم ، إلى التنفيذ بعد !
( أول قصة نشرت لي وكان ذلك في العدد الثاني من مجلة” الرائد ” ـ تشرين الثاني (1968
الملجأ
بين الفينة والفينة يتدفق الى هنا سيل من الكتل البشرية المرعوبة ، صغار في عمر الورد تلتمع في وجوههم البراءة ونساء يتحرقن ألما ً وشيوخ ترتعش أجسادهم كأشجار جرداء في مهب ريح خريفية عاتية . الكل يندفعون بخطى محمومة ووجوه يتنفس فيها الهلع وعيون يخالط بريقها الذهول . . منذ مطلع الصباح وأقدام الغزو الثقيلة تزحف عبر المدينة بعنف بالغ ، منذ اللحظات الاولى تحولت الدروب إلى مستنقع من الدم … وحين تجرأ رجل شجاع وتكرّم عليّ وحملني كتلة من اللحم المتكور وأوصلني إلى هنا ، كان كل شيء في الخارج قد بدأ ينحدر نحو العدم وكانت رائحة الموت تخنق الصدور .
في مثل هذه المسافة القصيرة التي يقطعها الزمن عبر رحلته الطويلة ، تفقد الحياة معناها ولا تبقى هناك أية قيمة للوجود الانساني الانسان هذا الكيان المشدود الى جبل من الكبرياء لا يلبث أن يتحول في لحظة بائسة الى لاشيء .. الى صفر تافه في حساب النسيان .
سألت نفسي مرة ومرة عن سر هذا السقوط الحاد في حياة شعبي نحو هاوية عميقة من المعاناة . ولكني عجزت عن أن أحل اللغز . عشرون عاما ً من الأسى والضنك والمرارة عشناها ، وقدر من العذاب كتبه علينا الزمن .. الضياع أقسى ما يستطيع حس الانسان أن يتحمله ، وتحملناه صابرين . عشرون عاما ً ونحن غرباء في وطننا نأكل اعصابنا ونشرب دموع مآقينا .. اخجل من نفسي حين اريد ان استعرض ابعاد هذا الواقع المأزوم الذي اعيشه فلا أجد غير الصمت ملاذاً اهرب اليه .
تصاغرت اليوم محنتي الذاتية التي عانيت منها طوال السنوات العشر الأخيرة المنسلخة من عمري المجدب ، تصاغرت أمام محنة وطني ومحنة هذا الجيل الذي فتح عينيه على الهزيمة . بالأمس حين ابتعدت عنا خطى الربيع العذب خلفت بيننا نكهته المحببة . على امتداد الأرض يساط من الاخضرار والبيارات جذلى والدفء يجري في كل مكان .. الوجوه تطفح بالبشر ، وفي العيون يشرق الاصرار ، والأحلام ندية ، واليوم وعلى عتبة الصيف وفي لحظة حقد مجنون ينقلب كل شيءالى الضد , احس الآن بتل من االاسى يجثم على صدري فلا استطيع الحراك .. الجو هنا خانق نستجدي نسمة الهواء ونصلي حزانى صامتين . لا استطيع ان اشعر بالاطمئنان ابدا ً. يبنون الملاجىء لنهرب اليها حين يداهمنا الخطر فالى اين نلجأ حين نهرب من انفسنا ؟الى اين نلجأ حين تتحول اللعنة الى سياط غاضبة تلهب اعماقنا ؟ ما زال الملجأ يستقبل المزيد من الناس ولم يعد هناك مكان لأن بقف فيه انسان ، وانا ملتم على نفسي والى جانبي امرأة عجوز تولول وثمة اخرى في حدود الاربعين قاسية الملامح حادة النظرات كانوا ينادونها بأم فواز و كنت ارى فيها نموذجاً لانسان الجيل الذي عاش مأساة النكبة وذاق مرارة الضياع . كانت ام فو از تنظر الي بعينين تقدحان شرراً، وكآنما آلمها ان تراني اتكور هنا في الوقت الذي يموت الآخرون دفاعاً عن تراب مدينتهم. ماذاينقصني في نظرها لأن اكون رجلا ً كالآخرين ؟وجه تتدفق منه الرجولة وشاربان كثان وذراعان صلبان . ولكن أأقول لها ما الذي يمنعني من ان اذود عن كل ذرة من هذا التراب الحبيب الى نفسي ؟أقول لها انني كنت اتمنى الان لو ان ذلك الرجل الشهم لم يأت بي الى هنا ، لو انه تركني اموت هناك في مكاني؟ أأقول لها انني انسان بنصف جسد ؟؟ اشحت بوجهي عن ام فواز في محاولة للهروب من موقف قاس ، وانحدرت من عيني دمعتان ساخنتان وسمعتها تقول لجارتها امعانا ً في اثارتي :
ويبكي ايضاً … يا للعار .. رجالنا في الخارج يفتحون صدورهم للرصاص يسقطون ببساطة ويختلط دمهم بالتراب الذي احبوه وهو هنا لا يخجل من ان يكون مرعوبا ً كجرذ ، ويبكي!
واحسست بكلماتها طعنات قاسية تمزق اعماقي وصممت ان اتمرد :ان اصرخ في وجهها :كفى كفى انك تظلمينني . ودار امام منفذ الملجأ لغط شديد وارتفعت صيحات فزع لقد جاءوا بامرأة مصابة شابة في مقتبل العمر كماقالوا وتشنج صوت ام فواز وهي تولول : لقد ماتت جارتنا الطيبة سلمى ايتها المنكودة ترى ما حل بوليدك الذي فتح عينيه للنور قبل اسبوع واحد .ايها القتلة لم تمنحوها الفرصة لان تذوق طعم الامومة .
احسست بالخوار وبصعوبة في التنفس . كل شيء امام عيني كان كتلة مشوهة من السواد, وحشرج في داخاي صوت ثائر : اريد ان اتحدى .
اقتربت ام فواز من المكان الذي ارتمي فيه وهي تقود واحدا ً من رجال الانقاذ الذين جاءوا بالمصابة ، واشارت بيدهاالي وهي تقول :ــ
( انظر ..اما يخجل هذا الرجل من ان يكون مكانه هنا؟ أما كان جديرا ً به ان يقف في مكانه الحقيقي هناك ؟ ونظرالي الرجل ملياً كأنه يريد أن يلم كل احتقاره ليبصقه في وجهي ..وصرخ قائلا ً :
ـ ياللعار أيكون رجل مثلك هنا في ساعة حاسمة في حياتنا مثل هذه ؟
ولم احرك ساكنا .. فعاد الرجل يقول :
ـ انهض خذ مكانك معنا في اي موقع ..اغرس قدميك في ارضك ثابتاً كجبل .
ولم اعد احتمل فانفجرت قائلا:
ـ معذرة ياسيدي لا استطيع
ـ لا استطيع ؟ ياللعار . رجل ويقول مثل هذا القول ؟ ياللعار انني باسم محنة وطني آمرك ان تنهض .
ـ معذرة ياسيدي قلت لك لا استطيع لا استطيع لااستطيع وتشنج صوتي وانا اقول : انا مشلول !وانفجرت باكياً ..
لحظتها اخذ كل شيء شكلا مغايرا ً .. وساد الوجوم النسبي جو الملجأ، وتسمرت نظرات ام فواز بالارض .. كان رجل الانقاذ يمضي بعيداً وهو يخلص قدميه بصعوبة من بين الاجساد المتشابكة وفي الخارج كان الرصاص يلعلع والقصف يدوي والملجأ يهتز ويهتز ولكن المدينة ما زالت صامدة ..
اشارة
{ القصة كما ظهرت منشورة في المجلة وكان قد تم تنضيدها بطريقة التنضيد اليدوي ( جمع الحروف يدويا ً ) الذي كان شائعا ً في مطابع المحافظات آنذاك.
























