ناطق خلوصي في رواية البحث عن ملاذ

ناطق خلوصي في رواية البحث عن ملاذ

التلاعب بعناصر المكان واللاوعي

حمدي العطار

ليس من السهولة كتابة رواية تتناول بلدا وشعبا آخر غير بلد المؤلف ،وفي أكثر الاحيان يعتقد البعض بأن الروائي سوف يتحرر من التابوات والقيود التي تفرضها البيئة التي ينتمي اليها بينما قد لا يجد ذلك الحرج وهو يتكلم عن اناس من بلد آخر ،ولا أظن بأن هذه الميزة قد غابت عن وعي الكاتب (ناطق خلوصي) فحاول ان يتلاعب بالنص من خلال تفاعل تلك النزعة الابداعية في الاستعارة المكانية ،فأختلطت على القارئ الهوة بين الرواية والسرد الذي يجري عليها وكان ما بعد الحداثة من خلال تعدد مستويات السارد ،

في رواية (البحث عن ملاذ) هناك ايماءات زائفة للعثور عن المكان (مصر) كملاذ للعراقيين الهاربين من جحيم العراق او لسراق ولصوص المال العام ، لم يضع الكاتب ال التعريف ليكون العنوان (البحث عن الملاذ) بل جعله مبنيا للمجهول (البحث عن ملاذ) وفي ذلك مدلول سينكشف في نهاية الرواية ،الرواية تقع في 231 صفحة من الحجم المتوسط ،صدرت من دار ميزوبوناميا  للطباعة والنشر سنة 2016 .

عمارة الفيل الابيض البطولة المطلقة

لو اردنا ان نشير الى ان المكان هو البطل الحقيقي للرواية بعيدا عن الشخصية المحورية (وحيد المرزوق) بسبب  عدم انتماء تلك الشخصية لهذا المكان ،فأن هذه الفرضية تسحبنا قسرا لمقارنة المكان في رواية علاء الاسواني ( عمارة يعقوبيان) والمكان في رواية ناطق خلوصي (عمارة الفيل الابيض) فاذا كان من حق الاسواني ان يطلق على روايته الرائعة عمارة يعقوبيان لأن ساكنيها تمثل كل طبقات المجتمع المصري والارهاصات السياسية والاجتماعية واستطاع الشارع والمدينة والشخصيات ان تمتد بتأثيرها الى شقق عمارة يعقوبيان وتتأثر بها  ، بينما في عمارة الفيل الابيض للروائي خلوصي فقد انطوت تلك العمارة على ساكنيها ليكون الحوار الداخلي والقلق النفسي والخوف من التشرد والضياع وهاجس ازمات السكن في مصر تتلاقح مع الجنسيات العربية الاخرى (العراقية، السورية، الفلسطينية، السودانية، الصومالية) التي كانت تعتقد بأن مصر متمثلة بهذا المكان (عمارة الفيل الابيض) ملاذا لتغطية عيوبهم ونقاط ضعفهم وأخطائهم  ولم ينجحوا في ذلك ،وحينما نستعرض شخصيات الرواية المصريون  والجنسيات الاخرى ،سوف نصل الى نتيجة واحدة بأن الانسان العربي يعيش ازمة اخلاقية مرعبة يلعب بها الحاجة الى المال دورا في افساد ما تبقى من نقاوة وصحوة الضمير ،واذ يركز خلوصي كما عهدناه على (الجنس) ليس كونه شهوة او رغبة جسدية فحسب بل هو تعويض عن الحرمان من الاستقرار والامان والعيش الكريم فنرى على لسان البطل (وحيد المرزوق) هذا المونولوج والحوار الداخلي “مأسور بالرغبة في النوم مع كل نساء العالم تعويضا عن النقص الذي يعاني منه !”نجد تقريبا كل الشخصيات النسائية في العمارة تعاني من صعوبة المحافظة على الشرف ابتداءا من زوجة البواب (شريفة) الى زوجة المدرس المغترب (ام هاني وبناتها) الى زوجة شيخ الجامع (عبد التواب) !

 أشكالية نموذج البطل السيئ

“وحيد المزورق” بطل رواية “البحث عن ملاذ”  ناطق خلوصي  يقدم بطله (النموذج) ليس فقط شخصية مطروحة لتقييم القارئ،فهي شخصية مدانة لا يحتاج القارئ الى مزيد من المعلومات والمعرفة لمثل هذه النماذج التي شكلت اسباب خراب البلد وأستنزاف ثروته ! ومع هذا بأسلوب الطرح الجميل يجعل القارئ يرغب  بأشباع الروح عن طريق تذوق اسلوب خلوصي في السردية الفنية لمثل هذه الشخصيات على أن لا يتخذ من من بطل الرواية نموذجا له محاكيا! لما يحققه من مكاسب مالية وجنسية عن طريق الكذب والاحتيال واستغلال مكره وذكائه (الخبيث) في كسب قلوب الناس بأستغلال اوضاعهم الصعبة وحاجاتهم المادية ومشاكلهم العاطفية وحتى الجنسية!

ويقدم الروائي شخصية “وحيد المرزوق” في أكثر من مناسبة بصور متعددة غامضة ومختصرة الى ان تصل معلومات من العراق  معلومات الى “نجيب الغراوي” العراقي الساكن في نفس العمارة بناء على طلب منه الى أخيه ان يستقصي عن وحيد المرزوق بعد ان شك في ثرائه وقدرته على شراء عمارة غالية الثمن في مصر فتأتي المعلومات واضحة “هو المسؤول عن البطاقة التموينية لا يحمل  سوى شهادة المتوسطة وكان يعمل موظفا بسيطا في أمانة العاصمة وكان مشهورا يتقاضى الرشوة، ذهب بقدرة قادر الى أمريكا لا أحد يعرف من اين حصل على ثمن تذكرة السفر بعد بضع سنوات جاء بوجه آخر مغاير ،حصل على شهادة مزورة تقول أنه خريج كلية التجارة وبدأ تسلق المناصب” أذن امام شخصية تلاعبت بالامن الغذائي للشعب العراقي فهو المسؤول عن (صفقات الشاي التالف والرز المتعفن والطحين الذي لا يصلح علفا للحيوانات ) ويتم توزيعه على الناس! من الناحية الاجتماعية ،هو مطلق قريبته ويمارس الفساد الاخلاقي مع الموظفات اللواتي بمعيته ،وهو (عقيم) في اشارة رمزية ذكية من الكاتب لتكون هذه الطبقة الفاسدة ليس لها امتداد مستقبلي بالعراق!لنرى حواره مع صديقه الفاسد ممدوح الجمال الذي يقيم في عمان (ما اخبار بغداد ؟ عادي ،صاحبك طار ،،أي واحد؟ وكيل الوزارة ،، مع الاسف ومن الذي حل محله ؟ واحد من نفس الطينة أطمئن سدك أمين ،،والأخ الاكبر ؟ باق ” وهي أشارة الى استحالة اصلاح   النظام السياسي الذي يعبر عنه “نجيب البغدادي”  -وهو المؤمن بالفكر الشيوعي لكنه غير مرتبط بحزبه الان سجن 3 سنوات في النظام السابق خطفوا ابنه وساوموه على مبلغ كبير لم يكن يملكه فوجد نفسه مضطرا لأن يبيع بيته وما يملك  ، يشخص وحيد المرزوق بالكلمات التالية ” العيب يكمن في من جاءوا بأرادة غيرهم وليس بأرادة شعبية ، لا احد يملك نقودا كثيرة في العراق هذه الايام ألا اليذن يسرقون ،فهل هو واحد منهم ؟ هو وأمثاله نطلق عليهم تسمية (لصوص المال العام ) الذين سرقوا الخزينة العراقية حتى أوشكت أن تكون خاوية”  اما حينما يسرد الروائي مشاعر وقناعات وحيد مرزوق  ( هو في غاية السعادة الآن ما دام يمتع صاحبه المستيفظ بين فخديه ولتذهب ملايينه الى الجحيم ، لمن سيتركها لا ولد ولا زوجة وهو منبوذ من اهله ومطارد من بلاده ،ما قيمة نقوده حقا وهو لم يكد ويتعب في الحصول عليها أنها انهالت عليه مثل المطر عمولات وصفقات مشبوهة ورشا تكسر الظهر ،فليمتع نفسه أذن ليذهب الضمير الى الجحيم” وحينما يموت الضمير لا يقف اما الخطيئة اي مصدات وما أكثر الخطايا التي قام بها المرزوق في عمارة الفيل الابيض ! وهي مغامراته الجنسية مع نساء العمارة !

 الجنس المحور الأكثر حضورا في الرواية

هاجس  الجنس لا يمر عابرا في الرواية ،بل هو المحور الاساسي الذي من خلاله يكشف الكاتب الابعاد الاخلاقية والعاطفية للشخصيات وتأثير العامل الاقتصادي والنفسي في هذا المجال ،ومنذ بدء الرواية يكشف خلوصي عن النظرة الدنيئة للمرأة والجنس لدى (وحيد المرزوق) ويحدث ذلك عند استلامه لشقته في عمارة الفيل الابيض وهو يصف جارته (ام هاني) وهي ترد على تحية وكيل العمارة (سيد نظمي) “فرفعت يدها بتلويحة مماثلة على تحيته ونشرت على وجهها ابتسامة أسرته تلك اللحظة وأهاجت الكامن في روحه من رغبات دنيئة “وبالرغم من مقاومة ام هاني لمحاولات وضغوطات واغراءات وهدايا (وحيد المرزوق) الا انها لا تستدرج لمآربه الا بالسماح له بالتحرش باللمس وهي تسهر مع زوجها (سمير المنصوري) عند رجوعه من خارج مصر ويلبي دعوة المرزوق للسهر في نوادي الفنادق الفخمة ،يستغل اسراف ابو هاني بالشراب ” أحست – ام هاني- به يمسك يدها ويضع يده على فخذها فظلت ساكنة في أنتظار خطوته التالية ولم يتأخر مجيء هذه الخطوة فقد أحست بأصابعه تسحب ثوبها الى الاعلى فنظرت اليه وعضت شفتها السفلى كأنها تحذره لكنه لم ينصع الى تحذرها وتمادى أكثر” وبعد تطور الاحداث ووصول علاقة المرزوق الى الزواج من بنت ام هاني الصغيرة (شيرين) نعتقد بأن من المسحتيل ان يفكر المرزوق بأم زوجته ! لكننا نتفاجأ بعكس ما توقعنا ، حينما تكتشف ام هاني خيانة زوجها سمير المنصوري مع زوجة البواب (شريفة ) على سريرها فقالت “تفو عليك يا نذل ، وأستدارت عائدة الى شقة أبنتها وردت من خلفها الباب بعنف ، ركضت نحو غرفته وقد مسكت يده وسحبته معها واستقلت على السرير ورفعت ثوبها وقالت : هيا .. لقد حانت الفرصة التي كنت تنتظرها منذ زمن ..كانت ما تزال تلهث وهي تحته ،وسمعها كأنها تحدث نفسها –  يخونني النذل مع ساقطة مبتذلة مثل زوجة البواب وأنا التي حافظت على شرفه طوال حياتي معه حتى عندما كان في غربته” وحينما تذهب ثورة الغضب عندها وتأتي  لتبدي ندمها لأنها خالفت شرع الله !لكن المرزوق يطمئنها بفتوى من عنده قائلا “لا تقلقي .. ما ورد في القرآن يخص تحريم الزواج ممن ورد ذكرهم وليس شيئا آخر”! وهي ليست العلاقة المحرمة جنسيا الوحيدة في الرواية فهناك علاقة هاني بأمه واخته شيرين فيها تلميحات واضحة على ممارسات جنسية ،كما هناك مواقف وفقرات متنوعة عن مغامرات المرزوق في الجنس اكثرها اثارة في شاليه بالاسكندرية مع شيرين.

الخاتمة الدموية

تنتهي رحلة المرزوق المثقل بالفساد المالي وجرائم التلاعب بمفردات البطاقة التموينية في العراق ،والمنغمس بفضائح علاقتها النسائية لا يمكن ان تكون نهايته  ألا كما وضعها خلوصي في الرواية ،وفي اشارة الى لون دم المرزوق ليس احمر بل دم اسود ،دماء الفاسدين!

” لم يعرف أحد كيف وأين اختفت زوجة البواب واطفالها اما زوجها فقد ظل يواظب على حضوره في العمارة ،في ضحى اليوم الثالث للقاء الاخير بينه وبين البواب فوجئت العمارة بدوي ثلاث رصاصات وكان وحيد المرزوق يتخبط بدمه بعد أن اصابت احدى الرصاصات صدره والأخرى رأسه أما الثالثة فقد مزقت ما بين فخذيه فتفجر من المكان فيض من دم أسود”