علي شيش عراقي – ياس خضير البياتي

هاشتاك الناس

علي شيش عراقي – ياس خضير البياتي

في حارات العراق الشعبية، حيث يرقص الغبار مع خطى الأحذية المتهالكة، يولد «علي شيش» كلَّ يوم. ذلك الفقير الذي يهيم بين الجدران المتشققة، حالمًا بعرش المال، ثم ينهض فجأة ليجد نفسه «رجلَ أعمالٍ كبيرًا» يقود سيارةً بزجاجٍ مضادٍّ للرصاص، وينظر من بعيد إلى الفقراء الذين كان واحدًا منهم، ويتمتم بعبارةٍ جوفاء: «أنا الآن فوق الجميع».

السياسي هو النسخة الأكثر بهلوانية من «علي شيش». كان حافي القدمين يبحث عن لقمة، ثم صار نائبًا أو وزيرًا، يرتدي بدلات إيطالية ويسافر بطائرات خاصة، يخطب في المنابر: «أنا صوت الشعب!»، بينما يبني قصورًا على أراضي الدولة المسروقة. كان ينام جائعًا، والآن يأكل في مطاعم خمس نجوم، ويوزع الصدقات على الفقراء كأنهم كلاب تسول. سخرية القدر أن هؤلاء «الحفاة» السابقين يدوسون اليوم على كرامة الشعب بأحذية لامعة.

في العراق، لا ينقصنا سوى أن نُنشئ متحفًا لهؤلاء المتحوّلين: من بائعِ سجائرَ على الأرصفة إلى صاحبِ شركاتٍ وهمية، ومن موظفٍ بسيطٍ يطبع الأوراق إلى مسؤولٍ يوقّع عقودًا بملايين الدولارات، ومن صاحبِ شركةِ تغذيةٍ أو مجمّعٍ سكنيٍّ أو جامعةٍ إلى لصٍّ يسرق جيوبَ الفقراء.

كلّهم نسخةٌ من (علي شيش)، يبدّلون وجوههم كما يبدّل المهرّج أقنعته، ويرفعون شعارات الوطنية وهم يسرقون الوطن، ويتحدّثون عن العدالة وهم يوزّعون الامتيازات على الأقارب. إنهم طبقةٌ جديدة من «الأبطال الكارتونيين» الذين يظنون أن المال والسلطة يغسلان تاريخهم، بينما يبقى الفقر محفورًا في وجوههم مهما لمعَت أحذيتُهم الإيطالية.

القائمة لا تنتهي: بائع السبح الذي كان يساوم على دنانير قليلة صار يتباهى بقوته الفولاذية، وبائع الكبة الذي كان يفرش صحنه على الأرصفة صار يوزّع الأراضي كهدايا العيد، ومزوّر الجوازات وشهادات الميلاد الذي كان يبيع أوراقًا في الظل صار يتحدث عن ‘الإصلاح الإداري’.

والجايجي الذي أصبح لواءً في الجيش، والذي كان يسكن بيتًا من حجر قديم صار يمتلك جامعات ومجمعات سكنية ومولات، وأرصدة في الخارج، والتاجر الذي يسرق المال العام ويبني مساجد ليغسل ذنبه، والمدير العام الذي يعيّن أقاربه ويطرد الكفاءات. كلهم (علي شيش) عراقيون، يظنون أن المال أو السلطة أو الادعاء يرفعهم فوق الجميع، بينما هم في الحقيقة مجرد ظلال لفقرهم الأصلي، مهما لمعوا أحذيتهم الإيطالية أو تظاهروا بالوجاهة.

سخرية الحياة أن العراق ينتج هؤلاء بكميات هائلة، ويظلون يحلمون بأنهم ملوك، بينما الشعب يدفع الثمن. يا ليت السماء تمطر صفعات لإيقاظهم، علّهم يتذكرون أن الحارة الفقيرة التي أنجبتهم ما زالت تنتظر منهم شيئًا غير الخيانة.

ويبقى درسًا للأجيال: أنَّ من يبيع السُّبَح والكبّة ويزوّر الجوازات قد يصبح قائدًا سياسيًا، أو وزيرًا، أو مديرًا، أو صاحبَ جامعةٍ، أو مالكَ مجمّعٍ سكني، أو صاحبَ أرصدةٍ ماليةٍ كبرى، لكنه سيظلّ في النهاية «علي شيش» منتوفَ الريش… مهما تضخّمت عنجهيتُه ولمع بريقُه الزائف.

[email protected]