
إيران على خطى فنزويلا والعراق
عين الإعصار في خرج – ياسر المتولي
في قلب كل إعصار نقطة سكون تُعرف بـ”عين الإعصار”هدوءٌ ظاهري تحيط به عواصف من كل اتجاه». هذا المجاز يصلح لوصف المشهد الذي تعيشه المنطقة في أعقاب الحرب الأخيرة وتداعياتها المستمرة، حيث تتكثف الضغوط وتتعقد الحسابات، فيما يغيب أفق تسوية واضحة ترضي جميع الأطراف.
خلال المواجهات، تعرّضت البنى التحتية والمنشآت العسكرية في مدن إيرانية عدة لضربات مباشرة. إلا أن المفارقة اللافتة تمثّلت في بقاء المنشآت النفطية في جزيرة خرج بمنأى عن الاستهداف ، وهي منطقة حساسة لكنها لم تُمس بعد، رغم قصف مواقع نفطية أخرى، مثل مصفاة أصفهان وخزانات النفط في طهران. وتكمن أهمية خرج في كونها الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية، إذ يُقدّر أنها تمثل النسبة الأكبر من تدفقات الخام إلى الأسواق العالمية، فضلًا عن احتضانها قدرات تخزين ضخمة.
يثير هذا الاستثناء تساؤلات مشروعة: لماذا تُستهدف بنى نفطية متفرقة وتُترك عقدة التصدير الأهم دون مساس؟ لا يمكن الجزم بالإجابات، لكن قراءة السياق الأوسع تفتح بابًا لتفسيرات تتعلق بإدارة الصراع أكثر من حسمه. فالإبقاء على (صمام التصدير) قائمًا (ولو نظريًا) يحافظ على هامش مناورة سياسي واقتصادي، ويترك أوراق ضغط قابلة للاستخدام في مراحل لاحقة.
صحيفة الغارديان
في هذا الإطار، يُستعاد تصريح قديم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدلى به في العام 1988 لصحيفة الغارديان، تحدث فيه عن إمكانية تدمير جزيرة خرج والسيطرة عليها إذا ما تعرّضت المصالح الأمريكية لهجوم. ورغم اختلاف السياقات الزمنية، فإن استحضار مثل هذه المواقف يعكس كيف يمكن للأفكار المؤجلة أن تعود إلى الواجهة عندما تنضج ظروفها.
من زاوية أخرى، تواجه طهران ضغوطًا متزايدة على خلفية برنامجها النووي وقدراتها التسليحية، بالتوازي مع تحديات اقتصادية عميقة تفاقمها العقوبات والقيود على الصادرات. هذه المعادلة تضع صانع القرار الإيراني أمام خيارات صعبة، بين الاستمرار في نهج المواجهة أو البحث عن تسويات تقلّص الخسائر.
ولكن هل ثمة سوابق يمكن القياس عليها؟ يبرز النموذج الفنزويلي، حيث أدت العقوبات والاختناقات المالية إلى إعادة تشكيل قطاع النفط وآليات تسويقه. كما يحضر النموذج العراقي، الذي خضع فيه تصدير النفط وترتيبات عائداته لرقابة دولية مشددة في فترات سابقة. كلا النموذجين يعكسان كيف يمكن للضغوط الاقتصادية والسياسية أن تعيد رسم قواعد إدارة الموارد السيادية.
مع ذلك، لا يمكن إسقاط هذه التجارب على الحالة الإيرانية بصورة ميكانيكية. فإيران تمتلك خصوصياتها الجيوسياسية وشبكات تحالفها وأدواتها في إدارة الأزمات. لكن التشابه في عناصر أساسية وفرة الموارد النفطية، شدة الضغوط الاقتصادية، وتشابك المصالح الدولية» يجعل من المقارنة مفيدة لفهم المسارات المحتملة، لا للتنبؤ الحتمي بها.
في المحصلة، تبدو (خرج) أقرب إلى عين إعصار مؤجل: هدوء محسوب في مركز عاصفة إقليمية ودولية. والسؤال الذي سيحدد مآلات المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كان هذا الهدوء سيستمر، بل متى وكيف يمكن أن يتحول إلى نقطة اشتعال تعيد تشكيل قواعد اللعبة في سوق الطاقة والسياسة معًا.
























