ناطق خلوصي في البحث عن ملاذ

ناطق خلوصي في البحث عن ملاذ

الفساد الهارب والمصير المحتوم

محمد جبير

البحث عن ملاذ هي الرواية التاسعة في تسلسل اصدارات الكاتب المبدع ناطق خلوصي الذي عرف بتعدد اهتماماته الثقافية والابداعية المتنوعة في حقل المعرفة صانعا لنفسه اسما وموقعا معروفا لايمكن للباحث او الدارس ان يتجاوزه وانما لابد له من ان يقف عند هذا الاسم الابداعي وقفة تأمل وقراءة جادة لمنجزه السردي عبر العقود المنصرمة من عمره الابداعي ، واذا كانت تلك المسيرة الابداعية لاسيما في الرواية قد افتتحها في رواية ” منزل السرور” التي صدرت في العام 1989 من القرن الماضي عن دار الشؤون الثقافية والتي تأخرت في ادراج النشر مايقرب من ثماني سنوات حتى ترى النور وهي الرواية التي اكدت حضوره ساردا مميزا .اذ لم يبخل في هذا المميز من اظهار مهاراته السردية في كتابة نص شكل علامة فارقة في مسيرته الابداعية والذي حفزه لاحقا الي كتابة نص مغاير” الخروج من الجحيم ” ، هذا ما كان قبل الغزو الامريكي للعراق في نيسان 2003  وهو الحدث الذي توقف عنده الكاتب ناطق خلوصي طويلا متأملا نتائجه الكارثية على الشعب العراقي ، اذ لم ينظر له على انه اسقاط للصنم او مسعى الى تغير نظام بنظام اخر قد يكون افضل مماهو موجود وانما نظر اليه على انه احتلال  لارض ووطن وشعب ، احتلال بقوة السلاح وبالتفوق العسكري لدولة عظمى على دولة صغيرة من دول العالم الثالث انهكها الحصار 13 عاما لتصبح خاوية وايلة للسقوط امام اول ريح اتية من اي صوب كان .هذا السارد الماهر لا يمكن له ان يتوقف امام مشهد تفجير سيارة مفخخة وقفة رجل متفرج يتأثر في لحظة وقوع الحدث ثم يغادر تأثره بعد ان يغادر موقع الحدث وانما يبقى يعيش في داخله وينمو ويكبر تحت رعاية حس انسان مرهف ، فقد انطلق من ارضية فكرية واضحة وامتلاك لحرفيات الكتابة السردية ليؤسس بنية خاصة لمشروعه السردي الذي اراد تكريسه في عدة اعمال سردية كان اخرها ” اعترافات زوجة رجل مهم ” ومن ثم نصه السردي الجديد ” البحث عن ملاذ”.

في هذا النص الجديد ، الصادر عن دار ميزوبوتاميا في بغداد2016   يكشف خلوصي وجها اخر من اوجه الفساد في جهاز الدولة العراقية الحديثة ، الا وهو الفساد في البطاقة التموينية ، ولكن قد يتصور ان المتلقي ان الكاتب سوف يدخل في تفاصيل تلك البطاقة واليات العمل فيها والدوائر التي تشرف وتنفذ وانما تابع وجه الفساد في الرأس المتنفذ الذي يلعب دوره بأتقان عبر وسائل واقنعة وادوات تنفذ له ما يريد مثلما كانت الشخصية المركزية في اعترافات زوجة رجل مهم تلعب تلك الادوار ولكن على مستوى حكومي اعلى واكثر قدرة على اصدار القرار وتنفيذه .فقد ارتكز المشروع السردي للكاتب على كشف الفساد المتفشي في جسد الدولة العراقية وهو الفساد الذي قتل ولازال يمعن فتكا في الانسان العراقي عبر التلاعب بقوته اليومي هذا التلاعب الذي يضخم ثروات اللصوص ويسهم في تفعيل وتنشيط الارهاب الذي يفتك بالانسان العراقي ، وارى من خلال قراءتي لنص خلوصي انه يعي جيدا مايشتغل عليه من الناحية السردية ومتمكن بمهارة عالية من عزف تنويعات الجذب والشد للمتلقي في ضخ المتعة الفنية للمتلقي عبر التنويع في الانتقالات السردية في الثيمات المتعددة او التنويع في الثيمة الواحدة من خلال الكشف عن زوايا ووجوه تلك الثيمة المركزية . استل الكاتب مقطعا من الصفحة ” 197 و198″ ليكون نص الغلاف الاخير الذي من خلاله يستدل المتلقي الى المتن السردي  ، او يثير تصورات بشأن متن النص اذا ماسعى الى مقاربة ترابطية بين عتبة النص ” البحث عن ملاذ” في الغلاف ونص الغلاف الاخير ، الذي جاء على الشكل الاتي ” ساوره شيء من الخوف من ان يطيب لضيفه وضيفته المكوث طويلا معه بسبب خشيته من أن يكونا ملاحقين من قبل السلطات العراقية وهو شريك لهما في اكثر من قضية . قد يوفر لهما ملاذا لوقت محدد ولكنه لن يغامر ويوفر لهما مثل هذا الملاذ لوقت طويل . ربما يتدخل الانتروبول للبحث عنهما ولن يكون في منجى من العقاب . لم يومئ اي منهما حتى الان بأنهما هاربان من ملاحقة ولكنه حدس ذلك. ليس مستعدا لأي شكل من أشكال التضحية لاسيما أنه وضع في مشروع هذه العمارة جزءا كبيرا مما يحتفظ  به في المصرف من دولارات”.

قد توحي معطيات هذا المقطع دلالات اشارية للمتلقي تختلف كليا عما هو متجسد فعليا من خلال سرديات السارد لتفاصيل حكاية البحث عن ملاذ خارج الوطن المستلب والمستباح من قبل القتلة واللصوص ، اذ ان معطيات هذا المقطع تكشف عن الضيفين الهاربين والباحثين عن ملاذ لدى السارد الذي اشترى ملاذه في بلاد اخرى ، وهو امر قد يدفع بالمتلقي ليذهب الى معرفة تفاصيل اكثر للحكاية السردية في متن النص ، فيذهب الى المقطع رقم واحد وهو مفتتح النص من مجموع “14” مقطعا جاءت بهم الرواية لتكتمل الحكاية كما اراد لها الكاتب.” انهضه الان ، رنين هاتفه النقال من مكان استرخائه اللذيذ ، فغمغم : من الذي يهاتفني في مثل هذه الساعة؟!. الوقت ضحى وقد استيقظ قبل قليل ، فالتقط الهاتف وصدم سمعه الصوت الأبح الذي لايخطئ في تمييزه بين عشرات الأصوات ، يشوبه اللحظة شئ من الأرتباك وقد حياه على عجل ،سأل متكاسلا:

  • ماذا وراءك يافتحي؟

أين أنت سيادتك؟

في عمان ،ماذا وراء سؤالك؟

الشرطة سيدي ، كبست العمارة وأقتحمت شقتك عنوة وختمت عليها بالشمع الأحمر .

وما سبب ذلك؟

لااستطيع أن أقول شيئا الان ،مجيئك ضروري .

سأحاول” ” الرواية – ص 5

وقد تتقاطع او تبتعد تفاصيل المفتتح السردي عن معطيات نص الغلاف الاخير ، الا ان العقل التجميعي للمتلقي الفاعل يعيد ترتيب الخيوط العامة للنصين  ما يبحث عنه في نص قد يبتعد عن قصديات الكاتب فيما دونه من   تفاصيل في المتن الحكائي.

مشروع سردي

 لا يبتعد ناطق خلوصي في مشروعه السردي الجديد عن المشروع السابق ” اعترافات زوجة رجل مهم ” في محاولة الكشف عن بواطن الفساجد في المشروع السياسي القائم فاذا كان الكاتب قد تعرض في المشروع السابق الى الفساد في الهيكل العام للدولة وفي مشروعها السياسي فانه في هذا العمل الجديد يدخل الى عمق دائرة الفساد ليلتقط جانبا منه ويصوره بشكله التفصيلي .من هذا المنظور الفكري يقف الكاتب على وجه من وجوه الفساد ليؤكد حضوره الفاعل في التصدي الة ما يشوه صورة حياة الانسان فالكتابة لديه تعبير عن مسؤولية أخلاقية وأجتماعية ووطنية أيضا كما افصح عن ذلك في مقابلة خاصة في مجلة امضاءات . هذه المسؤولية تدفع به لرصد المتغيرات في الواقع العراقي وهي متغيرات كثيرة سلوكية ونفسية وفكرية وسياسية واخلاقية واجتماعية وكل ما تريد ان تدرجه من تصنيفات في المتغيرات العامة والخاصة لاننا نعيش فوضى خراب .

متن حكائي

امام الكم الهائل من هذه الفوضى يستبط الكاتب المتن الحكائي للنص والشكل السردي المعبر عن تراتيبة نص الفوضى ، ليعيد صياغة هذا العالم وفق ما يراه من تصورات ، فقد نثر على سطح النص الخراب والفساد وفي عمق النص نكتشف القراءة المضادة  او المغايرة والتي تبحث عن الوجه النقي في صورة المعتمة التي تسببت بها فوضى الخراب ، فقد كان ” نجيب” الهارب من الفوضى والقتل والاختطاف هو النقيض لوحيد المرزوق المسؤول في وزارة التجارة والذي ذهب الى الملاذ الامن “مصر” مع اموال الفساد المهربة وهو الذي كان مستعدا للتنازل عن جنسيته العراقية مقابل الاحتفاظ بالجنسية الاجنبية .

بعيدا عن تفصيلات الحكاية وما يقدمه السارد من تراتبية وقائعية لنمو الحدث المركزي ، فأن الكاتب بقي يعمل جاهدا على انضاج هذه الثيمة المركزية في كشف الفساد ، عبر تنويعات فنية استخدمها في ايصال خطابه الى المتلقي وذلك عن طريق الحوارات التي تكاد ان تكون تفصيلية في ايضاح القصد وليست حوارات قصيرة ايحائية ايمايئة او في التوزيع المكاني المتنقل للحكاية بين بغداد والاردن والقاهرة وهي بيئات مختلفة لها خصوصيتها الاجتماعية والثقافية والفكرية والانسانية وهو يستثمر هذا الاختلاف في البيئات لصالح تشكل الحكاية وانضاجها عبر تنويع المناخ السردي .تبقى نقطة اعتراض بشأن نهاية هذا النص التي ارى من وجهة نظر خاصة جدا انها نهاية مقحمة واغلقت النص في حين حذف هذه النهاية من النص والابقاء على نهاية ما قبل تترك النص مفتوحا على احتمالات كثيرة تثير اسئلة كثيرة في ذهن المتلقي  ، حيث كانت هذه النهايات على الشكل الاتي .

اولا : نهاية الما قبل

” أستدار عائدا تاركا البواب يتخبط في أفكاره دون أن يجد حلا ، يعرف أن زوجة المنصوري هي التي “.

ثانيا: النهاية في النص:

” لم يعرف أحد كيف وأين أختفت زوجة البواب واطفالها فقد ظل يواظب على حضوره في العمارة ، في ضحى اليوم الثالث الأخير فوجئت العمارة بدوي ثلاث رصاصات وكان وحيد المرزوق يتخبط بدمه بعد أن أصابت أحدى الرصاصات صدره والأخرى راسه أما الثالثة فقد مزقت ما بين فخذيه فتفجر من المكان فيض من دم أسود”. ” الرواية –ص229″.

ما يسر في قراءة أعمال ناطق خلوصي وهذه ملاحظة عامة على مجمل الروايات التي كتبها الكاتب في سنوات مختلفة من عمره الابداعي ، أنها تمتلك عنصر التشويق وجذب المتلقي للتواصل مع تطورات النص في دراميته او سرديته او حتى في مشهديته المستقلة او المنفصلة او المندمجة مع النص بشكل عام وهذه ميزة قد لا تتوفر لدى الكثير من كتاب السرد ، وتدل من ناحية أخرى على طريقة تفكير وكتابة مغايرة لما هو شائع على المستوى الذاتي الفردي ، تجعل من ناطق خلوصي كاتباً مقروءاً من قبل اجيال مختلفة وليس جيل محدد بعينه .