السمة الشعورية في تخطيطات عبد الكريم سعدون
موضوعات تتوخى الطريق إلى الواقعية – فنون – خضير الزيدي
كيف لنا كمتذوقين للفنون الإنسانية أن نفهم التخطيطات على أنها فن قائم بذاته ؟ هل تكفينا نظرة أولية لنحدد طريقا لحمل سماتها الشعورية ؟ أم يتعذر علينا أن لا نقترب منها ولا نصدق بنياتها الصورية لأنها نماذج متغيرة تمتثل لنوازع الفنان،أسئلة طالما تراودني وأنا انظر لهذه التخطيطات وكمها المحافظ على وحدتها الموضوعية ،أنها بحق تتيح لي كمتابع لرسومات عبد الكريم سعدون أن تعطيني ما يكفي من الثقة إزاءها لتنتج رصيدا من التعبيرية التي توجه خيارها نحو الجمال الخاص ،وما تفعله المشاعر في سطحها التصويري .
أتحدث هنا عن مجموعة من المنجزات التي تحمل مسحا تعبيريا وهي حمولات سسيولوجية لم تبتعد عن المحيط الحياتي مهما تباينت طرائقها في التصميم الخارجي وبما أن محمولها التعبيري يسعى في الحفاظ على مركزيته وجريان تدفقه الشعوري فالنتيجة تخضعنا لمجاراة أهدافها وإجراءاتها الداخلية ،وهذا مع الفن يتطلب الإمعان طويلا أمام مرجعيات تلك الأعمال وبنياتها التصويرية وحتى طبيعة حركاتها فهي مثقلة بنمط من التكوين الغريب إذ تتشكل على أسس بنائية مركبة بين تعبيرية تسعى للتشبع من موجودات الحياة وبين اطر أسطورية مركبة ومعقدة وهذا التواشج بينهما أضاف لمسة من التركيب والشعور وكأن كل عمل هو احتفاء بالطبيعة والإنسان وإزاء هذا الاتجاه ثمة قابلية للتحول في التراكيب ،بحيث غدت المعيارية ماثلة بما يروق للفنان أن يبقيها في التخطيط واحسب انه يعي تماما ما الذي يتوجب عليه أن يصنعه بين تركات المخيلة وخزين الذاكرة المتشعب بمحمولات وارتباط مكاني يجعل كل تخطيط قائما بذاته وكأنه يسرد لنا حكاية متخيلة من واقع مؤلم ..أما فيما يهمنا من بنائيتها فاعتقد أن سياق تراكيبها يأخذ كل وحدة بصرية بوجه الشمول وليس الجزء ومن هذا المنطق تبدو مركبات العمل مشيدة وفقا لتصوير ذهني يحاكي مشاعر وتراث الإنسانية وتكون المخاطبة والموجهات الدلالية ضمن حيز الموضوع الذي ينصب في محاكاة الواقع وما على المتلقي إلا أن يتلمس نتاجه الرمزي ،
إنها تخطيطات لا تبتعد عن واقعيتها وتعرف وجهتها جيدا بحيث لا تضلل من يتابعها وهذا يعتمد على عدة خصائص منها امتلاكها لطابع تأملي بالإضافة إلى إحياء الجدل كلما سمحت لنا قواعد تأمل العمل وبهذا لا يمكن أن نفصل نطاق بنيتها الصورية عن معرفة المتلقي ومثل هذا الإشراك لا يخلو من تبعية يريدها عبد الكريم سعدون أن تبقى قائمة بين العمل والمشاهد وإلا لكان كل عمل يحدد مساره وفق معايير جامعة للخيال والذاكرة .هناك من بين هذا الزخم من التخطيطات ما يدفع بنا للتزود من فاعلية الإشارة السيميائية مقابل نتاجها وحقلها ،فنجد أن عبد الكريم يتعمد أن يوفر قاعدة لمن يتابع أعماله مشيدة على أسس وآلية متصاعدة تعكس نفسيته وهي ليست ضربا من الغيب أو الفعل الغرائبي وإنما تحمل طابعا شخصيا بحتا يقوم على إعطاء المعنى بعدا صوريا خاضعا لمرجعيات واقع ملتبس ومليء بالتناقضات وهذه نزعة أخرى يثريها الجدل والنظر إلى الأشياء بعين حقيقية لنعي تلك الوحدات الصورية الكبيرة منها أو الصغيرة التي تحمل (وجها ادميا / رمز حيوانيا .تبادل لقبلات أو نفاق اجتماعي).. مظاهر تميل للتحرر وليس للتعامل وان كانت واقعية وحقيقية وهذا ما يثري لعبة التخطيط وانحرافه الشكلي ،لهذا علينا أن نأخذ على عاتقنا معرفة عناصرها وعدم مصادرة مرجعياتها ومن ثم إزاحة التزويق عنها لتكون وثيقة الصلة مع المحيط ،صاحبنا عبد الكريم لم يلجا لعمق الأسطورة وغيبياتها لقد ذهب بحمولات تلك التخطيطات التعبيرية باتجاه تراث الواقع ويومياته وانساق وراء مشاعره وذهنيته وكانت رسالته واضحة في كيفية مسك نسيج الذاكرة والوقائع الحياتية ولهذا لا نجد تعددا في الرؤى ولا تغريبا في نظام اليوميات المؤلمة نتابع في أعماله توثيقا لما يجري لنجدد الثقة بخطابه التعبيري وحسنا صنع الفنان حينما جعلها مفعمة بالبساطة خاضعة لمنظومتها ودلالاتها وفق خيال متدفق ألما وبوحا ومنشدا للحرية وكسر رتابة ما لا يلزمنا من فرائض ومقايضات ،انه بتخطيطه الفني يجعل مظاهر الحياة أمامنا دون تحول وغموض يلبسها دورها في العلن لتكون قابعة في مخيلة كل من يشاهدها ،ولعل التركات الشعورية لها كانت واضحة من خلال اعتماده على لون واحد حتى تستجيب خطوطها لجاذبية المدلول وتجاري ما تسيره ميولها العاطفية ولا بد لكل ذلك من إيجاد مبرر يجعلنا نتابعها بانفرادها التصويري وليس التوقف عندها جميعا،لقد أتاحت لنا تخطيطات عبد الكريم سعدون إعادة التوازن في فهم رسالة الفن ووجهته التعبيرية لان منظومتها وأنساقها البنائية ازدادت ثباتا مع المحيط الحياتي ولم تعارض نزوع نفسية الفنان بل انقادت لتوجهات ذات سمة شعورية وهذا ما لمسناه في كل تلك المساحة المغطاة بالمؤثر التعبيري..كل هذه التخطيطات وأسلوبيتها بدت لي ذات نسق عاطفي وأتاحت لي أن استغرق طويلا في الوقوف أمامها واحسب أنها ستبقى في ذاكرتي محمولا حيا يمتثل لأبعاد اجتماعية.























