موجودات مضللة في وهن الحكايات

موجودات مضللة في وهن الحكايات

أوراق ضائعة وتسجيل مفقود

      بالحكايات الواهنة (غير المترابطة مظهريا) تُصْنَع لنا مدونة مبنيّة على وفق مـصـادر من حكايات على شكل ،شائعات ،وأوراق ضائعة ،وتسجيل صوتي مفقود ،وذكريات خاصة ،وتحقيق صحفي ،ودفتر مذكرات وهمية ،ومقابلات شفهية .. تلك هي رواية ” وهن الحكايات ” للروائي أحمد ابراهيم السعد .

هي الخليط المُفَكّك لبنية الحكاية ببنية قصصية موازية ،وواقع متخيل وصادق حيوي من الناحية الفنية ..         أولا : وهن الحكايات وخارج الوعي لننعم ببعض فرائض ..                     يقول الدكتور جبار حسين صبري” أن جميع الأجزاء غير الداخلة في الوعي هي أجزاء مضطربة ،مختلفة ،وبواسطة الوعي سوف تنسجم ” (1).      ما الذي يمكن أن يكون خارج الوعي ؟ لنلاحق الآتي /   [ عرفتُ علاء وهديل منذ خمس سنوات خلت من واقع حياتي الأربعين ،وما كنتُ لأدري بدورهما في كتابة روايتي ،حتى مجيء ذلك الصباح الذي دخل فيه علاء الى مقر عملي في الصحيفة وأعطاني شريط تسجيل وقرص سي دي .. سألته عما يحتويانه ،فقال وهو يشرب بعجالة من إستكانه الشاي ،وتصورته سيغادر المكان فوراً : إسمع الشريط ،وإقرأ ما في القرص فهما لكَ ] (2).           ما الذي خارج الوعي في مشد المشهد أعلاه؟

 ـ واقع حياتي الأربعين : العبارة خارج وعي النص لكونها مجهولة كلياً من قبل الراوي والمتابع ،وهي ،على أقل تقدير ،تحتوي 40  حدثاً ،بواقع / كل سنة تساوي حدثاً / ,،لكننا لم ندرك لا بوعينا ولا بتخميننا بوجود مثل هذه الأحداث. إذاً هي موضوعة مضطربة .     ـ سألته عما يحتوي الشريط والسي دي ،فقال : إسمع الشريط وإقرأ ما في القرص : هذه عبارات تَعِدُ بالكثير من القول لكن لن يتسنى لأحد الإطلاع عليها كونهما ضاعا مع سائق التاكسي ،مثلما ستوضحه الرواية فيما بعد . على هذا فهي عبارات مضطربة .. ووفق المبدأ العقلي للدكتور جبار حسين صبري ،ليس في مثل (تلك) نظام . فلماذا جيء بهما ؟ من المفترض أن نتقدم بالقول الآتي الشبيه بالبدهيات /                                    ” الأدب قائم على وضع الوهم بمكان الحقيقة وتصنيعه بما يقارب الإقناع بكونه أصدق من الواقع الحقيقي ..”         تُرى هل عدم وجود الوعي يعني أن المشد المشهدي لا موضوع فيه وبالتالي لا نظام له ،ومن ثم لا حاجة به؟ لنوضح ثانية : أن ليس للادب سوى نظامين ،اللغة والنوع ،فالصوغ يخص اللغة ،والنوع يخص الشروط الفنية للنمط الكتابي ،وهما متوفران بالمشد أعلاه ولايختلفان عن أي شكل نصي أدبي آخر .. وبهذا فللمشد المشهدي ،وعلى الرغم من كونه من خارج الوعي ،نظام يخصه كأدب ،ولايحتوي شيئا لا نظام له ،عدا مفترضات الوعي ،أي التوهم التأويلي ،المسبب للقول المضطرب .. بل لعل القول الأدبي المضطرب أكثر تأثيراً من غيره … نتوصل الى القوانين التي يجترحها المشد المشهدي أعلاه ،ومنها /

 1ـ الوهم المُقْنِع أكثر صدقاً من الوقائع المُدْرَكَة .

  2-  الإضطراب الإسلوبي المقصــود يعادل  المنطق التقني لما يجاوره من فنون .

 3  ـ المدرك يحاول التوغل في غير المدرك ليضع بصمة الجمال .

 4  ـ المنطق الأدبي يختص بالذهال الإبداعي ووفق غايات فلسفة الأدب .

 5ـ الثقافة تبلور جماليات الفن على عكس مما يتوقعه مفكرو التقنيات .

6ـ التفكك للمعلومة النصية في المشهد يخدم قابلية التخمين القرائي ليزيد نفع القراءة وحسها التفسيري ،بالتكهن وتوقع معاني لغير المدركات . ثانيا : الرمز الدال ومنطق الوهن

يؤشر الكاتب حسن كريم عاتي فرضاً آخر يقول فيه : ” الرمز يجعل النص يمتلك بؤرة تنظيم تتجه إليها العلاقات وتتفرع منها … وهو ما يشد ذهن المتلقي ويجعله أكثر قرباً من النص ،يؤدي الى خلق التماسك الداخلي.. مما يجعل من ،الصدق الفني ـ الإقناع ـ ،متحقق الوقوع ،أو أكثر إحتمالاً من ضده” (3).                       لنكاشف القول الآتي بالمفترض الإقناعي الذي يؤشره حسن كريم عاتي /

 [ كان يماثلني الطول .. ماذا يريد هذا الولد الذي هزَّ كتفي بيد يلتف على معصمها خيط  أخضر ؟                         أعطاني نَعْلَيْ خالي اللّذين تركهما ليعدو صوب ضحيته.أخذتُ النعلين ولم أُبادله إبتسامته الطيبة ،ومن إشاراته عرفت أنه أخرس ،وأدركتُ أنه الوحيد الذي لا تستطيع جدتي أن تقنعه بحكاية الرضيعة التي أسمتها نعمة ،ويسمونها الناس (نغلة ) أو الصغار (نخلة) والخبثاء منهم ( بغلة )] (4).                             يمكن أن نصنع من معظم الكلمات رموزاً لكن ذلك ليس عملاً مفيداً لذا سنقصر التخصيص على بعضها ،الأكثر مساساً بمسارات السرد القادمة . لنلحظ مفردات الجدول أدناه /

الكلمات

الرمز

الاثر

  الخلفية

يماثل

التقارب

التعاطف مع العوق

يسهم بوضع خلفية لِلَقطة انسجام بشري فطري مخالف للسائد

خيط أخضر

المشد الشعبي

التبرك بالأئمة الكرام

يرمز الى خلفية التقاليد الجنوبية في طلب الشفاء من القوى الخارقة

ضحيته

الطفل المعتدى عليه

معقد للخصام العائلي المنتشر في الازقة الشعبية

يؤلف مشهدا مفجرا لصورة خلافات حادة صانعة لدراما الحرب العوائلية

اشاراته

حركات يده

لغة التفاهم القاصرة

يؤدي دورا يخص تصوّر السلام المسالم

الرضيعة

الطفلة في القماط

الطفلة عديمة الفائدة

تمثل دورا أوليا لخلفية توليف الأحداث ،من الربع الاول ،حتى الاخير ،للرواية

نعمة

ذات الخير

الطفلة الجالبة للثراء  او الشقاء

خلفية لِلَقطة توحي بها الجدة كونها نعمة ربانية يأتي من ورائها الرزق والثواب

نغلة

مجهولة الابوين

طفلة جريمة الزنا

خلفية لرسم صورة الاحتقار العام لبشاعة العوق والفأل السيء

نخلة

ذات الثمر الوفير

الطفلة المتوقع لها بمستقبل كريم

توسم خلفية الفعل الروائي بإستمرار العطاء ومد جذور الحكايا بالوقائع المتنوعة كتنوع اثمار النخيل

الخبثاء

المشاغبون

اللائمون

جيء بهم كخلفية تبين وجها آخرا للظلم البشري والمصادفة القدرية المؤلمة للفتاة المعوقة

بغلة

غبة

محدودة التأثير

جيء بها على خلفية المشاكل التي واجهت العوائل بسبب غباء وتهور وسوء حظ الفتاة .

من نتائج الجدول أعلاه /                      ـ وجود خمسة رموز للفتاة المعوقة ،بطلة القص الروائي ،كأكبر مساحة عرض حدثي في المشهد .                       ـ كثافة الدلالات الخاصة بالفتاة دون غيرها من المسميات الإخرى .                ـ الكثافة الدلالية والكثافة الحدثية مرتبطة بوجود فرد واحد ،الفتاة ،لذا فهي بؤرة الحدث وبؤرة الرموز في ذات الوقت ،بؤرة التأثيث الروائي .             بصورة غير مباشرة بالفتاة ذاتها مما يعني أنها مسبب صياغي لبلاغة السرد.

ـ تسهم بقية الرموز بدور ساند يوصل الى شفرات قص تحرك طاقة التأويل واللامتوقع الحدثي.    ثالثا : ميتا الضياع المخادع

[ خمس سنوات مرت وشريط التسجيل ،وقرص السي دي ،ومذكرات هديل في درج مـكـتـبـي ،حتى جاء ذاك الصباح التموزي الذي ترك على جدران مقر الجريدة … ثقوباً خلفها الرصاص بعدد حروف مقالة كتبتها … بعنوان / (دين البطاقة الشخصية) .                           على أثر ذلك أُغْلِق المقر وتوقفت الصحيفة … بقرار فقهي ،ولملمتُ أغراضي تحت عيون كانت تشزرني,وظلالهم الرمادية تتحرك على الأرض بغضب مكبوت ،وعندما غادرتُ غرفة مكتبي بقي في رأسي سواد قمصانهم ،وبصقة أظنها صفراء على رقبتي ،تركتُها تجف وتتبخر تحت شمس أشرقت على حرية إستبدل مانحوها ألوان ثيابهم فحسب .في التاكسي الذي أقلني الى بيتي نسيت الكيس الذي يحتوي على بعض الكتب ،وقرص الـ ” سي دي ” ،وشريط التسجيل ،ومذكرات هديل] (5).              مصاغات طريفة للميتاسرد تلك التي إحتوتها رقعة القول أعلاه . يمكنني أن أحدد بعضا من مظاهرها ومضامينها  ومضموراتها . ما قبل خمس سنوات = السرد /                                             1ـ خمس سنوات ولم تُفْقَد الموجودات على الرغم من وجودها على مكتب ،يبدو أنه مفتوح على حركة بشر دونما قيود امنية أو مضايقات موظفين لكونه مكتب لجريدة عامة .

  2ـ لم تُضِع الجريدة بعد خمس سنوات ،وهي توعّي الناس حول رفض دين الهوية.

  3ـ لم يستعمل مدير الجريدة التاكسي إلا حين يريد الذهاب بمعية الموجودات (الشريط والسي دي والمذكرات)

 4ـ لم يعِ السارد حقيقة الإهانات اليومية عند مرور السنوات الخمس على التغيير .

 5ـ لم يدرك مدير الجريدة ،على مدى خمس سنوات ،طبيعة القوى المضادة الداعية الى الحرية المعكوسة .               ما بعد خمس سنوات = الضياع = ميتاسرد الضياع /

 1 ـ تضيع المحتويات .

 2ـ تضيع الجريدة .

 3ـ تضيع الكرامة .

 4- تضيع الحرية

 5    ـ يضيع الوطن عند لَفِّهِ بسواد القمصان .نفهم من ذلك أن الجريدة ومديرها لم يعيا خطورة الوضع العام للبلد،ولذلك يجيء السرد هيناً منساباً مسترخياً ،لكنه يتصاعد بعد الصفحة 7 ،إذ أن الوعي العام عرف تماماً طبيعة الوضع الجديد فسيحتاج السارد الى التفرغ للحكي ،بعيداً عن جريدة تلهيه عن الروي ،كما أنه ،سيكون قادراً على المراقبة والترقب ،وهنا يختلط الظرف الشخصي للمؤلف مع الظرف الخاص بالروائي ،ومن ثم يعلو السرد الى مرحلة الميتا سرد لكونه يحتاج ،ليس لضياع وثيقة وبلد فقط ،إنما يحتاج ميتا ضياع ،أي ” فن الضياع ” لكونه المعبِّر الخلّاق عن ضيعة وإلغاء البلدان في المنطقة بأسرها .                              ومن طرافته أيضا ،أن أدلة الحكي هي التي تبدأ الضياع ليقول أنه لا دليل على إنتماء السرد الى قضية فنية أو إجتماعية ،فيبلغ بذلك أقسى أنواع التيه السديمي الضالع في غوغائية السياسة سابقاً ولاحقاً .  ومن فائض ميتا ضياع الهويات ،ضياع الأنفس تحت ضلالة سوادها الظاهري (القمصان السود) ،وسوادها الباطني المطعون (عدم رد إهانة البصاق الاصفر)   رابعا : تداعي بدئيات الحكي

للبدء المقولي ،المعرفي والأدبي ،بنيات رئيسة بنوعين بحسب الرأي الآتي / ” التداعي البدئي هو عملية الاستعادة من ذاكرة البدئيات الراسمة أو الواصفة لعلائق إبلاغية وروائية ومقالية للاوعي الذي يشكل وعياً فنياً” ().هنا نؤكد تسمية هذه البنيات كونها ،من الناحية العملية ،مجزأة الى /                          ـ بدئيات بنى التداعي الحر .

ـ بدئيات البنى المركبة لتداعي العلائق التعبيرية ،المخصصة لفنية اللاوعي السلوكي .                                       أـ بدئيات بنى التداعي الحر ” الاستعادة من الذاكرة ” /    عند تتبعنا للصفحة 5 سنلحظ العنوان المخاتل ، خارج القوس .. داخل الحــــكاية) ،وعلـــــــــــــى الصفحة  215سنجد العنوان (داخل القوس ــ خارج الحكاية) .تبدأ الصفحة 5 بالتعريف بكل من علاء وهديل .. فيما تبدأ الصفحة 215 بالقول : [ وضعت النقطة في نهاية السطر الأخير من روايتي بعد خمسة أشهر ،وبضعة أيام تقريباً ،وكنتُ قد وجدتُ لي عملاً بعد تظاهرات سلمية أمام مبنى مديرية التربية بصفة (معلم جامعي) في ناحية بائسة لا أعرف من أطلق عليها إسم  (الشلهة) .. وما كانت بي رغبة ثقافية للتنقيب عن معنى هذا الإسم المتورط بشين الشهامة وهاء البلاهة ،وتائها المدورة كوجه مدير مدرستي الابتدائية ،أو ذلك التقارب بأسماء بناتها : زكية ،علية ،صفية ،فوزية ،قسيمة ،حليمة ،كريمة ،أمينة ..] (6).

  تلك بدايات عمل وهي بدئيات للبدهيات القولية كـ ” التمهيد ” .. بدئيات سلوكية للبشر ،وإياً ما نختار منها فنحن أمام ذاكرتين ،واحدة تسجيلية والثانية شفهية . من الممكن القول أن كلاً من البدئيتين عمل مستعاد على وفق تداع قِوامه العنوان .. تداعي بدئية العنوان الاول                العنوان هو (خارج القوس ـ داخل الحكاية) ،هذا يحيل الى التكهنات البدئية على شكل تداع يتلاحق من القوس ثم الخارج ثم الفاصل ثم الحكاية ثم القوس . فلسفة ذلك ،أن الرواية لها مؤطر ـ قوس ـ يؤثث خارجها يشمل النصوص السابقة عليها مضافاً اليه الموجودات المستعادة التي لم تدخلها الحكاية بعد كـ الأصوات ،والرياح ،والسائد الشعبي من الفنون السردية المشابهة للرواية . إما الخارج فهو المخطط الاولي للكتابة ،وفيه تبدأ عملية جمع المعلومات وتحديد هيئات الشخوص وأهم أفكارهم . ثم تدخل الصورة الروائية مفصلاً للتوقف ،في إنتظار الفرز والاختيار . وهكذا سيُصار الى التوغل المُتَخَيّل ،قبل الكتابة لما ستكون عليه الكتابة ـ داخل الحكاية ـ الذي لم يحتج الى توضيح لكونه لم يبدأ التنفيذ بعد . يصل التفكير بالكتابة الى قوس الإغلاق ،الذي بموجبه لن تكون هناك أفكار مهمة يمكن وضعها ضمن الحكاية .                 لنا على هذا التصور ملاحظات أربع /  الملاحظة الاولى أن العنوان يشي بحكاية معقّدة تدور حول شخصيتين مهمتين جدا هما علاء وهديل ،في حين ،هما ،شخصيتان هامشيتان ،والسرد إحتفى بهما كمكملين للميتا سرد المُخادِع .. الملاحظة الثانية ،أن التفكير والتخطيط والتصور لن ينغلق ،مهما إدعى صاحب العمل ،لأن الفعل الروائي سيدخل بمسارب لم يُفَكَر بها قبل الكتابة . الملاحظة الثالثة ،أن القول يوحي بكنه (أسرار) مستل من ذاكرة شفاهية وما يحدث فهو العكس .    الملاحظة الرابعة ،أن حيثيات السرد التي سيقوم بها الراوي والموجودات الاخرى ستُمَكِّن الرؤية الروائية من تأثيث الوجود بتلك الكهانات البدئية على الرغم من صفتها الشفوية .            تداعي بدئية العنوان الثاني  العنوان هو (داخل القوس ــ خارج الحكاية) توضيح .. ما البدئي هنا ؟

العنوان بدءٌ جديد لحكاية جديدة معظمها مسجل ووثائقي ومحدد بوجود شبه حقيقي ،على الأقل من حيث الاسماء للاماكن والشخوص .. لنا أن نبين العنوان ما قبل المتن ،بالقول :                                          أن القوس الأول فاصل ما بين رؤيتين وليس روايتين ،وداخل القوس هو الجزء الثاني للحكاية ولكن بطريقة أخرى تفضح الميتا سرد ،لدرجة تجعل منه مسهماً حقيقياً في صناعة فن الضياع..

 خارج الحكاية ،هو المضاف من الخارج على صيغة تفاهمات وتماسات كأنها وقائع حقيقية لمعلم يتوظف في منطقة شعبية قروية ،ودون أن يحس القاريء بلعبة السرد يجد نفسه متعاطفاً مع المعلم الذي يترك مهمة التعليم ليصوغ المرأة ( نعيمة) وشبيهاتها العربســـــــــتانيات من جديد ..

  القوس جيء به ليغلق ملف الحكاية الاولى ويفتحها على توضيح جديد ،وعند متابعته سنجده أكثر إمعاناً من سابقه في (تعضيد) متون الرواية بالرؤى المعشّقة بين المثيولوجي والتأريخي والسياسي .. هو نوع آخر من مطبات ميتاسرد التضليل الفني المقنع بجدواه وجدارته ،به   ستدخل أيديولوجيا الخلط والتميز العرقي كقضية حيوية وتأريخية ضمن سردية التفكه والتماهي مع اعراف التخيل الاسطوري للوقائع اليومية . وملاحظاتنا عن هذا التشكل ،وليس العنوان وحده :ــ                               1ـ ان العنوان الجديد عتبة مكمِّلة لامّة أكثـــر مما هي شارحة أو موضحة لا،مثلما يصفها الراوي .

  2ـ سيتوضح وهن الحكايات من نفي بعضها للبعض ليُتِمَ الروائي خداعه السردي المقام على إيهام القاريء ،بأن الحكاية تتبدل دونما تبدل الاسماء ،بمعنى أن لا الاسماء ما يتبدل ولا الحكاية ,إنما هناك وقائع تضاف بطريقة دس غير مباشر.

 3ـ   يتوقع الروائي من خلال فخاخه وجود قاريء ذكي يكمل فجوات الروي  بتصورات من خارج النص ،وسيضع القاريءُ الروايةَ في رؤيته المجددة لطاقة التحول في الفهم والوعي .         4ـ المشهد البدئي للنص يؤجج ثلاثة مفارق للفكر الفني هي ،التصريح بنهاية الكتابة الروائية وتعيين فترة تدوينها ،والثانية ،التورط ببحث معنى منطقة الشلهة،التي يعرف تماماً معناها القاموسي والاصطلاحي ،والثالثة إجتماعية تخص تاءات الاسماء المؤنثة ،وهو يعي سبب ذلك ،كون الجنوب العراقي يميل الى التبرك بأسماء النِعَم والخير وبركات الله والائمة الاطهار.         5ـ   لن يعدم اي تخطيط ومهارة من وجود فجوات لن تمتلئ ،أوقد تمتلئ بما لايلائم المستوى المُحْكَم في الاجزاء السابقة او اللاحقة ،مثلما هي مسألة المصائر المفتوحة والتي هي مصير واحد ( الموت بالضياع ) ،فهذا مكشوف ولن تجدي عملية المواربة والتمويه عليه نفعا يُذكر .. ثم الحكايات غير المكتملة ،كحكاية ام حسن التي بالغ الروائي في الطرق عليها دون أن يعي بأنها لا تتحمل ذلك مما يذكِّر بوجود فجوات أخرى فيها مبالغة تقتل جماليات الفهم الدقيق لأطراف القول وتفاصيل اللغة البارعة … وكذا حال الصراعات التي يدخلها المعلم مع السكان ليؤكد ميتا سرد حوادثه ،التي بدت مفتعلة وغير مقنعة أحياناً .                                    ب ـ بدئيات تداعي البنى المركبة  (الواقع الكثيف)                                  يتطلب إنعكاس العالم الى داخل النفس البشرية بدئيات للرغبة والميل والاتجاه ،تتمحور حول حرية قول المتخيل للسخرية والرعب ولما هو غير محتمل من عمق للـ ” الواقع الكثيف (7)     بدئيات إنعكاس العالم في موجهات النفس تلك بدئيات ذات مواصفات ذاتية تخص الرغبة والميل ومصدرهما ،وفي النص ستخص رغبات المهمش النفسي تحديدا .. العالم الذي يحيط الفرد هو علائق وتبادل لغوي وعمل وقرابة ،سنَقْصُر ملاحقتنا على أخص المهمات السردية فيه .. لنمعن بصرنا في / [ إتصلتْ بي أختي جنان ،وعرفتُ من سلامها البارد ،وصوتها الرخو حجم تقصيري العائلي وعقوقي لوالدي . وصل الى سمعي صوت أمي وهي تشتمني بغضب … طلبت منها اختي أن تتحلى بالهدوء … ثم إقترنت نبرتها بالعتاب… إرتفع شعور العقوق الى بلعومي وخنقني عبر المصيبة التي المت بأبي …… عاد صوت أختي عبر جوالي رزيناً وعجولاً :

   إسمع،في رأس أبي ورمة سرطانية خبيثة .

ـ رواية وهن الحكايات ص ,131]  موجهات النفس البشرية تتأتى من الغرائز وأخرى تُكْتَسَب بالمحفِّزات فتتصيّر الميول والاتجاهات ،هذه هي بدئيات المعرفة النفسية ،والنص يحتوي على عدد منها ،ستصيغ لاحقاً قدراً مهمّاً من موجـــــــــــــودات حيز الفضاء الروائي .

    موجهات النفسية فاضت بحوافز باعثة على إظهار ميول عديدة منها : (البرودة العاطفية ،الرخاوة الصوتية،الغضب ،الهدوء ،نبرة العتاب ،شعور العقوق ،الشعور بالاختناق ،الرزانة ،التعجل) .

  مظاهر السلوك الرديفة بتلك جميعاً تعود لمصادر غريزية فطرية ،يؤكد هذا على بعض الحقائق المستنتجة ،من مثل / ـ القيم الإجتماعية تمثل العالم المنعكس في المجتمع ،المجتمع يعكسها الى الفرد ،وكلاهما سيصيران مسوّغاً سلوكياً ،يعدُّ غير سوي ،بمظهره الدارج ” عقوق الوالدين ” .

 – الحالات المختلفة تؤشر خللاً بنظامي العالم والفرد .

 ـ المعاناة التي يشعر بها الراوي المشارك ،هي معاناة نفسية حجمها أكبر من المعــــــــــــاناة الجــسدية.

 ـ تلك جميعاً بدئيات أخلاقية تُسهم في خلق التوتر الفني للروي فلا تعدُّ خللاً في الروي ،بل العكس،فهي تثير الدهشة والتساؤل ،غايتا الفعل الروائي . ـ الكثرة المنتشرة في جسد المشد المشهدي ترشحها لتكون مؤثثات مباشرة وغير مباشرة ،تسهم في وضع صورة لجسد العالم في داخل جسد النص النفسي ،ومنه وفيه ،سيتساوى تأثير السرد والميتا سرد على صوغ الحكي القريب من ميول النفس في رغبتها بالتحرر والانعتاق من رق المحيط الضاغط ،حتى لو كان مرض الاب .

   بدئيات تداعي الواقع الكثيف            الواقع الكثيف مؤلف من بدئيات تتداعى بتلاحق من خلال السخرية والرعب والتعبير المغاير .. لننظر /

[أـ أنا التمثال طيلة الايام التي كنتُ فيها جمجمة وما بعد تمثالاً ،ألبستني أمي قبعة ،وحشرت في جوف عيني الفارغتين خرزتين بيضاويتين ،ورسمت وسطهما بقلم الرصاص  حدقتين . ـ رواية وهن الحكايات ،ص194

ب ـ أنا النحات كأن روح حسن كانت كامنة في جمجمته ،وها هي الآن تنتقم من روحي العابثة بالموت ،والمحتالة عليه بصناعة وجه يشبهه من الجبس .   رواية وهن الحكايات ،ص197

ج ـ أنا التمثال  داخل جمجمتي فأر صغير .. دخل جمجمتي من بداية رقبتي الجبسية .. ـ رواية وهن الحكايات ،ص200

د ـ أنا النحات دخلتُ البيت أبحث عن حسن … أيها الاغبياء المتخلفون الانتهازيون!. لينطق حمار منكم ليخبرني عن مصيـــــــر تمثـــــــــالي الحي !

رواية وهن الحكايات ،ص 204،ص205

[هـ ـ أنا التمثال قبل ان تنام أمي في حجري الخشبي ،نومتها الاخيرة ،جلست قبالتي لساعات متواصلة تروي لي قصة إغتصابها على الحدود العراقية الايرانية.

  ـ رواية وهن الحكايات ،ص 206]       وـ أنا الكاتب فتحت الرسالة وقرأت ماجاء فيها :  (عزيزي كيف حال روايتنا عندكم؟)

رواية وهن الحكايات ،ص208] الواقع النصي هنا مخوّل للدوران حول القص روياً وتفكيراً لترسِّم خطى واقعية الحوادث النصية .. إنه يتحكم بحيز الوجود التأثيثي من خلال /                  1ـ السخرية ،وقد تسيدت المقطع ج .    2ـ الرعب ،وهو ما تحتويه مقاطع أ ،ب 3ـ التعابير المغايرة ،أثث المقاطع د ،هـ ،و  يمكـــــــــن القول أن هذه المؤثثات ذات طبيعة تقليدية عدا المقاطع (د ،هـ ،و) ،إذ هي تعابير مخالفة بما فيها من طاقة تغيير للفهم .. إنها /

  ملخصات لما سياتي من سرد وحوادث

– هي وقائع ثرية بمحتوياتها الجمالية كجواهر لغوية ،وما تشظّيه من دلالات طباقية المعنى .

   – بوجودها يصير للحوادث أهمية خاصة لكل من الزمان والمكان ،إذ هي مسببات إنسانية ،فـنـيـة وعقلية ،تقود السرد المتلاحق والمتخالف نحو غاياته الجمالية والنفعية .                            – تخامر قرّاءها رهبة ورغبة في إقامة علاقة حميمية مع القص المتعلق بها ،كأنها وقائع وقعت لهم .                     -هي بنية بدئية فطرية رحبة تكثف الفعل لدرجة إلغاء الفاعل أحيانا ،بتسطيره ،و” توهينه ” بما ينشّط القوى المساعدة ،كالأشياء الميتة وطقوس الفلكلور الموروثة.                   خامسا : مفاتن التيه

لنبدل القول قليلاً ليصير ،فواجع التيه ..للتيه في هذه الرواية فتنة وامضة بأفكار طريفة . مثالها /                       1 ـ الجمع بين علمانية الوعي وطقوسية الشعبي .

   2  ـ التوغل بمراحل تأريخ الأسى للمراحل الزمـــــــــنية القريبة المحـــصورة بين فوهات بنادق الحروب المفتوحة .

3 ـ الحكايات الناقصة موجودات مُكَثِّفَة للحال السياسي المنقوص .

 4 ـ العوق (الشلل) لجُل الابطال في الرواية هو عــــــوق شامل ،كشمول البلاد بالعـــوق الأنساني شبه الدائم .   5 ـ عدم التفريق بين كاتب الرواية وسارقها ومُحَكِّم القول فيها ،يعني أنهم مسؤولون جميعاً عن ضياع ثيمتها ،مثلما يُسهم المجتمع بأكمله بضياع فرصته الحضارية .

الهوامش

(1) صبري ،جبار حسين ،المجال الصفري 2015 ص169،مكتبة عدنان؟ بغداد،منشورات صفاف،لبنان.

(2) السعد،احمد ابراهيم،رواية وهن الحكايات،2014 ص5،دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع دمشق ،سوريا.

(3) عاتي،حسن كريم ،الرمز في الخطاب الادبي ،2015،ص76 دار الروسم للصحافة والنشر والتوزيع،بغداد.

(4) السعد؟ احمد ابراهيم،رواية وهن الحكايات؟ مصدر سابق 23.

(5) السعد احمد ابراهيم،رواية وهن الحكايات؟ مصدر سابق 7.

(6) العدواني ،احمد  بداية النص 2011 ص237 المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء،المغرب.

(7) السعد احمد ابراهيم رواية وهن الحكايات مصدر سابق ،ص215.

(8) حليفي؟ شعيب شعرية الرواي الفانتاستيكية 2009 ص165 منشورات الاختلاف ،الجزائر.