مهلاً مهلاً يا هذا – هوكر الشيخ محمود

مهلاً مهلاً يا هذا – هوكر الشيخ محمود

قبل أيام قرأت مقالا في جريدة الزمان الغراء الصادرة يوم 8/4/2017 العدد 5709 بعنوان لاتنسوا الـماضي، إنه العراق لقاسم حمزة. مقال مخيب للآمال حقًا، بحيث تـمنيت لو لـم أطلع عليه أصلا كونه يتقطر سـما وحقدا أسود تجاه الكرد، لا في كردستان العراق فحسب بل في كل أجزاء وطن الكرد. لذا، قلت في نفسي هل التعايش ممكن مع عقول مشحونة بهذه الأفكار التي باتت من الـماضي ولا تلقى آذانا صاغية لدى كثير من الأمم، إلا مـمن هم على أشكالهم تقع. نحن ككرد في هذا الجزء منكردستاننا الـملحق بالعراق العربي من قبل البريطانيين في أعقاب الحرب العالـمية الأولى بعد اتفاقية سايكس بيكو، مررنا بكل التجارب الـمرة قبل وبعد تشكيل هذه الدولة الـمصطنعة بمشيئة الدول العظمى في حينها ويدعمونها حتى الساعة كي تبقى على حالها، لأنها حقا هي بمثابة البقرة التي تدّر ذهبا بالنسبة لهم، أنا لا أروم محاورة الـمدعو قاسم حمزة، ولكن حرصًا مني على مصلحة كل العراقيين من أي مكوّن كانوا، أذّكر القراء ببعض الحقائق التي هي ثمرة هذا الكيان الـمولود قيصريا، منها التلاعب بأسعار النفط في العالـم، وهذا لا تأتي ثماره إلا عن طريق الحروب، منها داخلية كالحرب ضد الكرد، وخارحية كالحرب الإيرانية – العراقية، ومن ثم الحرب ضد الكويت، وحتى نواياه العدوانية ضد السعودية والخليج ككل. هنا أتساءل هل تذكرون ما وصلت إليه أسعار النفط أبان الحرب الإيرانية – العراقية؟! دعك من النفط، هل رأى الشعب العراقي حقبة من الزمن بحيث لاتكون الأيادي على القلوب خوفا من عربدات الأنظمة العراقية؟!. أوَ لـم تستحق كل تلك الويلات منا أن نتوقف لبرهة ونتساءل: هل هذه التركيبة الـمفروضة على هذا البلد ومكوناته هي طبيعية أم مصطنعة لتتماشى مع تطلعات خارجية؟!. فالعقلاء والـمثقفون والـمفكرون من العرب العراقيين كانوا – ولايزالون – يعرفون ما يدور وراء الكواليس، منهم الـمرحوم عزيز شريف الذي كان عربيّا سنّي الـمذهب، والـمرحوم هادي العلوي الذي كان شيعي الـمذهب، وكثيرون غيرهم. لا، بل أئمة العراق الأطهار كانوا يعرفون ما يجري ضد الكرد باسم الإسلام والعروبة والحفاظ على وحدة العراق، فمواقف آية الله العظمى عبدالـمحسن الحكيم تعد أنموذجًا غير قابل للنسيان، ولكن الآن وفي زمن العولـمة يظهر بعض الطارئين على الكتابة والصحافة، لا ، ولـم يعرفوا ما يجري وراء أدبارهم مع هذا يحاولون التنظير لقضايا أكبر مما هم يفقهون ألفباءها !.

سبق وأن قلت نحن الكرد لنا تجارب قبل إنشاء دولة العراق وبعدها، تجارب تسبق وجود دولة باسم العراق، أي أبان دخول الجيش البريطاني الـمحتل من الخليج إلى ولاية البصرة، حيث هبّ الكرد لنجدة جيرانهم العرب الـمسلـمين، فتطوع آلاف مؤلفة من خيالة العشائر الكردية بإمرة الخالد الشيخ محمود الحفيد البرزنجي وخاضوا معركة الشعيبة، حيث استشهد العديد وجرح الـمزيد، علـما ما كانت هناك دولة ولا وحدة جغرافية باسم العراق كما أسلفنا. بل كانت هنالككردستان التي تسمى من قبل العثمانيين ولاية الـموصل، وبالـمقابل كان هناك عراق العرب والذي كان يضم ولايتي بغداد والبصرة، هذا قبل أن تلحق ولاية الـموصل بالعراق العربي، لذا أقول لقويسم وكل من على شاكلته بأن لا تنسوا الـماضي، هذا هو العراق الحقيقي! وهو ليس كما كان يصورها لكم حزب البعث واعضاؤه أيام حكمهم بالحديد والنار.

وطبيعي بأن ذلك الإلحاق ما كان شيئا عابرا دون حسابات دقيقة، بل ألحقت كي يجري ما يجري بعده من الانقلابات والحروب والأنفالات والقصف الكيميائي و…. و… حدّث ولاحرج !.

هنا أردد  مع روح الشاعر الخالد محمد مهدي الجواهري، قصيدته الشهيرة عن الكرد، كما وأذكّر بأن الكرد هم أحفاد صلاح الدين الذي حرر القدس، ولكن اليهود ما قاموا بأنفلتنا ولا بحرق خمسة آلاف قرية آمنة و36 قضاءً وناحية، بل الفاعل هم أناس كنا قد اعتبرناهم إخوتنا في الدين وفي النضال عندما كنا معا محتلين من قبل الأتراك وبعدها الأنجليز أبان حكمهم الـمباشر في العراق. كاتب الـمقال يذكّرنا بوأد جمهوريةكردستان في مهاباد، وذلك لردع الشباب الكرد -الذين يسميهم “الصبيان”- عن العمل والـمطالبة بحقوقهم الـمشروعة، أي حق تقرير الـمصير لأمتهم، ذلك الحـــــــق الذي تؤكد عليه كافة القوانين السماوية والوضعية.

كاتب الـمقال ينوي تخويفنا بذلك الـمصير الـمأساوي لتلك الجمهورية في أربعينات القرن الـماضي، حيث وئدت على يد الشاه الإيراني وطبعا بتخطيط الغرب والشرق ومباركتهم حينها، كون الجمهورية قد سلكت طريق الديمقراطية الحقيقية في تعاملها مع مكونات تلك الـمنطقة الجغرافية الـمحدودة ضمن شرقيكردستان معاملة متمدنة مع كافة الـمكونات من الطيف الكردستاني، مسيحيين كانوا أم يهودًا، هنا أذكّر شيئا من ذلك التعامل ألا وهو إعلام الـمسيحيين واليهود وتبليغهم على لسان رئيس الجمهورية الشهيد القاضي محمد بأن الجمهورية تمهد وتوفّر لهم مستلزمات النشر والدراسة بلغاتهم الأم.

عقل راجح

إن قويسمًا هذا، يدعي عقلا راجحا كونه يقوم بترديد تلك النغمة النشاذ التي تقول: “الكرد يستغلون الفرص ويمارسون أعمال التخريب للاقتصاد بمساعدة الدول الـمعادية أو التي بينها وبين العراق مشاكل…. وهذا بمباركة وتشجيع وتمويل الكيان الإسرائيلي”. هنا أقول حبّذا لو تقصى الكاتب مستوى العلاقات لكثير من الدول العربية بملوكها ورؤسائها ورفرفة أعلام تلك الدول ومن ضمنها إسرائيل من على أراضي عواصمها، بعدها يسمح لنفسه الأمارة بالسوء بالتكلـم عن الكرد وعلاقته مع تلك الدول وحتى مع إسرائيل، ثم أي اقتصاد تقصد؟! أو لـم تَرَ كيف تسرق الـمليارات من الدولارات على مرأى ومسمع الشعب في وضح النهار من قبل أشخاص يدعون الحرص على العراق وشعبه زورا والشعب يتضور جوعا ويتجرع الأمرين على يد أناس لا يترددون على فعل كل أنواع الظلـم بحق العراقيين.

ثم يلقي علينا الكاتب درسا في القيم، طبعا حسب عقله الناضج!! ويقول بأن “الأحزاب الأممية واليسارية التزموا بالقضية الكردية كقضية إنسانية وليس على أساس عرقي، عليه وبعد ثورة 1958 في العراق تمت دعوتكم وإعادتكم إلى العراق ونلتم الحقوق…”.

 هنا يتبيّن بأن جام غضبه وحقده يصب على القائد الخالد الـمرحوم الـملا مصطفى البرزاني وتلك القوة من الثوار الذين لجأوا معه إلى الاتحاد الســـوفيتي السابق في 1947 أي في أعقاب وأد جمهورية كردســـتان في مهاباد. ويقول: “الكرد نالوا حقوقهم ومع هذا بدؤوا بالثورة من جديد”.

الاخوة والتعاون

هنا يستوجب إيضاح بعض الأخطاء كي نرى  الواقع كما كان لا كما نريد أن يكون، فقادة الكرد وعلى رأسهم الـملا مصطفى البرزاني كان قد مدّ يد الأخوة والتعاون لقادة الانقلاب آملا أن تطوى صفحة هضم حقوق الكرد في العراق، ليس هذا فحسب بل كان يقول بأنه طالـما يمشي عبدالكريم قاسم على طريق الأخوة والديمقراطية ومؤمن بما سنّ في الدستور بأن الكرد والعرب شركاء في العراق، فأنا مستعد أن أكون جنديا بإمرة الزعيم، ولكن عندما تراجع عبدالكريم قاسم عمّا كان يدعيه وقام بالتحضيرات لضرب الكرد، عندها فما بالك، أليس من حق الكرد أن يدافعوا عن أنفسهم؟!، وهذا ما حدث، ومن ثم توالت الانقلابات وقتل قاسم دون محاكمة، واستلـم عبدالسلام محمد عارف الزمام ومن ورائه حزب البعث العفلقي.

أتعرفون ماذا كانـوا يفعلون بالكرد ومناطقهم خاصة في كركوك.

أما سمعتم بهدم أحياء كحي الجمهورية في كركوك وبإزاحة العديد من القرى الكردية من على وجه الأرض. أتعرفون شيئا عمّا طلبه عبدالسلام من الـمرحوم السيد عبدالـمحسن الحكيم حول إفتاء يفيد بأن الكرد خارجون عن الدين الإسلامي، هذا كي يقوم بأنفلتنا باسم الدين، ولكنّ الإمام الطاهر كان أنقى وأرفع من أن يقع في شرك الطغاة حيث كان يعرف النوايا الحقيقية لعبدالسلام وزبانيته. بعدها انقلب السحر على الساحر واحترق وهو في طائرته الهليكوبتر في السماء، وتوالت الإزاحات حتى استلـم حزب البعث السلطة، وبدأ كسابقاته بالشروع باللعب على نفس الرنة القديمة، أي إنهم أناس مدنيون يعترفون بالحقوق القومية الـمشروعة للكرد كمكون عراقي أساس، بناء على ذلك بدأت الـمفاوضات، فالكرد أبدا لا يترددون عن الـمفاوضة على مطالبهم مادام الـمقابل مؤمنا بالحقوق القومية له، ولكنّ البعث كان ينوي من كل تلك الـمفاوضات وحتى من اتفاقية 11  آذار كسب الوقت فقط كي يتقوى عوده ومن ثم ضرب الكرد وبقوة أكثر شراسة وعدوانية. وخير مثال على ما أسلفنا محاولة اغتيال إدريس البرزاني الذاهب للـمفاوضة في بغداد، كما تلتها محاولة فاشلة لاغتيال قائد الثورة الكردية مصطفى البرزاني في 1972  وتلك بعملية خسيسة حيث قاموا بتلغيم مجموعة من رجال الدين العرب مهيَّئين ومجهَّز أحدهم بجهاز على أنه مجرد جهاز لتسجيل أقوال البرزاني في الجلسة، ولكنّه في الحقيقة ما كان إلا قنبلة لاغتيال البرزاني والحاضرين معه، وفي الحال عندما فتح الجهاز انفجر الـمكان وقتل الحاضرون، ولكنّ الله سبحانه وتعالى أنقذ البرزاني من كيد الظالـمين، وهذه هي إحدى الطرق الجهنمية الخسيسة التي اتخذتها السلطات العراقية ويتخذونها اتجاه الكرد، حيث استغلوا مشاعر القائد الكردي، كونه كان يكن كل الاحترام لرجال الدين.

لذا، أذكّر الكاتب بأن من تنصل من اتفاقية آذار هي السلطة العراقية في حينها، والسبب كان معلوما كونهم رأوا بأن ترسانتهم من الأسلحة مملوءة و واردات النفط كانت في تزايد مطرد، لذا تراءى لهم أنّ الطريق ممهد كي يباشروا بجولة أخرى في ضرب الكرد في عقر دارهم، هنا أتساءل مرة أخرى أليس من حق الكرد الدفاع عن نفسه كما أوصى به ديننا الحنيف؟!.

قوة حديد

وليكن في علـم كل من يحمل أفكار قويسم، أن البعث ما أبخل بكل ما كان لديه من قوة الحديد والنار إلا وجرّبها علىكردستاننا، وساعده في تلك العمليات خبراء دول عظمى، كما فعل طيارو الروس الذين كانوا يقودون بأنفسهم طائرات سوخوي وباجر السوفيتية الصنع الحديثة ليمطروا سماء كردستان بقنابلهم الـمشتراة بقوت الشعب العراقي. مع هذا اعترف أحمد حسن البكر حينها بأن كل ما كان لديهم من قنابل الـمدفعية الثقيلة قد استنفد وأُنهِكت قواهم دون أن يحرزوا شيـــــئا مما يريدون، لذا قام أمريكا عن طريق بومــدين بالتمهيد لاتفاقية الجزائر عام 1975  كي يســــدوا الـمنفذ الوحيد عن الكرد، وبالـمقابل تنازل البعث عن مناطق شاسعة من شط العرب والأراضي العراقية لإيران.

 تلك الاتفاقية التي يجني الشعب العراقي ولحد الساعة من ثمارها الجهنمية الـمرة حربا بعد حرب ودمارا تلو دمار وهدرا للأموال والأرواح. كل تلك يا قويسم! لا لسبب إلا في سبيل أن لا ينال الكرد حقوقه القومية الـمشروعة من على أرض أجداده.

يبدو أن الكاتب يتحسر على حكم البعث، لذا يتطاول على الدستور الجديد الذي فيه بعض الـمواد التي لو تنفذ لتصب في مصلحة العراقيين ككل لا كحزب أو كمذهب، ولكن ما باليد حيلة حينما يتنصل الـمهيمن على السلطة العراقية من تنفيذها. وعلى سبيل الـمثال لا الحصر، أذكر مشكلة تلك الـمناطق الكردستانية التي سميت ظلـما “الـمتنازع عليها”، حيث كان الدستور يلزم السلطة على أن يخطو خطوات كي تحسم، ولكن السلطة كانت ولاتزال تماطل سنة بعد أخرى لتتفاقم الـمشاكل، وبذلك يستمرون في الحكم، وهذا ليس بخاف على أحد، كون أفرادٍ من السلطة يقولونها صراحة، وكمثال على هذا قول النائبة حنان الفتلاوي التي تقول متباهية ومتفاخرة بأنها هي كانت مكلفة وحدها لتقف كعقبة على طريق الـمادة 140 الدستورية لتحول دون تنفيذها، دون أية وخزة ضمير، وها لا لشيء إلا لأن في الـمادة فقرات تنص على استرجاع الحقوق لأصحابها، كمثال عليها الأراضي التي ترجع ملكيتها للكرد والتركمان في كركوك، ولكن سلطة البعث حينها اقتطعتها للعرب ضمن عملية التعريب السيئة الصيت في الـمناطق الكردستانية.

 أما الآن فسلطة العراق الـمتنفذة هي سلطة الأحزاب الشيعية التي كانوا في السابق ضد من كل ما قام به البعث، ولكن عندما يكون ما قام به البعث يصبّ في ضد الـمصالح الكردية، فالسلطة الحالية لاتتعامل معها على أنها أعمال غير قانونية وغير إنسانية، لذا أتساءل: هل الساكت عن الحق الكردي،كرديا كان أم غيركردي، أليس بشيطان أخرس!! فنحن الكرد لـم و لن نقبل بأن نكون شياطين خرسا مهما كان الغاصب لحقوقنا جبارا متغطرسا، فالتأريخ يشهد على ما نقوله، لذا نردد قصيدة الشاعر العربي أبي القاسم الشابي الذي يقول فيها:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

    فلابدّ أن يستجيب القدر

ولابـدّ لـلّـيـل أن يـنـجـلي

  ولابـدّ للقيد أن ينكـسر

نحن نريد الحياة ونضحي في سبيلها وننشد الأخوّة والسلام مع الآخرين، لكن عندما يتنكر هذا الآخر لتلك الحقوق، نرى أن علينا أن نفكر مليا، ونحن كمسلـمين علينا أن لا نُلدَغ من جحر واحد مرات ومرات…!!