مهرجانات يُراد بها باطل

مهرجانات يُراد بها باطل
عباس مزهر السلامي
قبل كل مهرجان تتلبد سماء المشهد الثقافي العراقي بغيوم الحقد السود، ويزداد اللغط أزاء أسماء المدعوين إليه، وتتعالى أصوات مدعي الأدب وهم يبجّلون المهرجان، ويسردون بإسهاب الفوائد الجمّة التي ستكسبها الثقافة العراقية عقب إنعقاده، وبينما تعكف اللجنة الخاصة بتوجيه الدعوات، توجِّه بذات الوقت الهيئة المشرفة على إدارة فعاليات المهرجان سهام الكراهية، والتهميش، والإقصاء، لأدباء العراق في الداخل، مَن لا تتوافق رؤآهم وتطلعاتهم مع ما تضمرهُ الهيئة تلك في الخفاء،فتنتهج بذلك سياسة التمييز الثقافي بين الأدباء، لذا تعد لجنة الدعوات قائمة المدعوين بموجب ذلك النهج العنصري،حيث يُدرج الأدباء الأجانب على رأسها ، كيف لا وهم الأدباء الأعلون والأديبات العلياوات وهؤلاء يتم الحصول عليهم بسهولة،ولا صعوبة تُذكر في ذلك، فهم حسب التصنيف أدباء من الدرجة الدنيا، يتسكعون على أرصفة أوربا وأمريكا اللاتينية،غير مدرجين، بل غير معروفين في بلدانهم، حيث يتم التنسيق في استقدامهم مع أدباء من العراقيين هناك يشاركونهم ذات الدرجة الدنيا، وهؤلاء الأدباء الأعلون، لا يطلبون أكثر من مبيتٍ، وقدح،وهذا ما حصل مثلا في مهرجان ثقافي عُقِدَ مؤخراً، ويبدو أن اللجنة المشرفة على المهرجان المذكور،كانت منشغلة بأمر يشكّل أكثر أهمية لديها من المهرجان ذاته،فأخطأت في كتابة الشعار التعريفي، به
كما يلي تلك الأسماء، أسماء الأدباء العرب، وهؤلاء ربما هم أوفر حظاً من سابقيهم الأدباء الأعلون ،في قائمة المدعوين، حيث لا وزن لهم يُذكر في ميزان الثقافة العربية، لذا تعني الدعوة لهم الكثير، ظناً منهم بأنها جاءتهم من محفل ثقافي مهم، كما يحصل في مرابد اليوم
والمتتبع للشأن الثقافي العراقي، وبالتحديد لدورات المربد المتعاقبة، سيسمع بأسماء لا منتج لها ولا إبداع يعرفنا بها، كي نثمّن جهود المربديين على دعواتهم، ونسخِّر الأقلام للثناء عليهم،. ولو عدنا لقائمة المدعوين وتفحصناها ملياً لوجدنا فيها من العراقيين، ما يسمّون بأدباء المنافي، ولا يخفى على المتتبع أمر هؤلاء، فباستطاعتي أن أصنفهم إلى صنفين الصنف الأول، أسمّيهم بالأدباء الصنيعة، أي هم صنيعة المؤسسات الثقافية السابقة، وهذا الصنف هاجر طواعيةً، واتخذ من المنفى موطناً آمناً له،ولملذاته،بعد أن امتص آخر قطرة من عسل النظام السابق،حتى شرع بارتداء قناعه القبيح، والذي يتلاءم ووجهه الكالح،ليعود باحثا عن مكان جديد، ينقذهُ من المعونة المحدودة التي يتلقاها في منفاه الإختياري، والتي لا تكفي لتلبية نزواته، فتراه يأتي مدعوا للمربد في كل دورة من دوراته، حتى يتحين الفرصة السانحة ويقتنص الوظيفة الثقافية المناسبة بعون من أعوانه المتغلغلين في دهاليز المؤسسات الثقافية، ولو لم يكن ذكر أسمائهم يقززني، لذكرتهم جميعا بلا خوف، دون أن أغفل إسما واحداً منهم،وهناك الصنف الثاني الذي يمكن تسميته بالصنف المتعالي والذي يرى في منتجه، منتجاً عالمياً، إذ ليس من اللائق به أن يحضر للمربد أو إلى أي مهرجان آخر،
ولكي تكتمل القائمة، تحرص اللجنة على توجيه الدعوات لما يسمى بأدباء الداخل، وهؤلاء كثر لا تستوعبهم قائمة واحدة، فمثلما لدينا سيولة في المهرجانات، لدينا والحمد لله وفرة مفرطة من الأدباء ،لذا تتحدد الدعوات بطرق مبتذلة،ورخيصة، يُمارس فيها الإداريون السلطويون الإذلال على المساكين اللاهثين وراء الدعوات،سمعت عن شويعر لم يعدم أية وسيلة للذهاب مثلا إلى مهرجان أبي تمام في الموصل، وبعد أن عجزَ عن تحقيق مُبتغاه، اتصل شخصياً براعي المهرجان وتوسلهُ وقال له بالحرف الواحد إن لم تتم دعوتي، فأنا أتوسلك و أنخاك نخوة عرب أن تدرج اسمي، ولدينا هنا أيضاً شويعر مماثل،حين خسر الدعوة،على الرغم من إهدار ماء وجهه، توجه بشكوى إلى الله يلعن فيها الإتحاد، والإتحاديين،والأدباء أجمعين،ويبدو أن الإتحاديين أشفقوا عليه، وتكرّموا بإرساله للمربد الأخير بعد سحب حلمة اذنه وتحذيره من أن لايشكو بعد اليوم إلى الله، بل يأتي إليهم راكعاً ويطلب منهم
ولابد من الإشارة إلى فطحل آخر في الشعر،راح يتبجح بمشاركاته المتعددة في المهرجانات، وإن مشاركاته تلك تثير حفيظة الآخرين،ولو أخبرتكم سادتي حقيقة هذا الفطحل لسخرتم منه، فهو لايجيد الكتابة، فكيف له أن يقول الشعر؟، فقد كتب مرة مفردة يوقظ،منتهية بضاد أخت الصاد يوقض ، لا أعتقد أن أياً من هؤلاء حظيَ بدعوة دون ذل، ومن هذا النوع من الأذناب نجد الكثير، فكيف لنا أن نرمم خراب ثقافتنا إذن، وفي الوسط الثقافي يتعرّش هؤلاء كالأشنات الضارة؟؟
لا أخفيكم سادتي، كم أشعر بالحزن قبل وبعد انعقاد أي مهرجان،وأنا أرى أدباء النصف كم ، يديرونه، ويتسيدون الواجهة،
اتصل بي أحدهم، لدعوتي للمشاركة بفقرة قراءات شعرية على هامش فعاليات المهرجان، ربما كانت دعوته بريئة،لكنني أشكك بمن كلفوه للإتصال، لا غرابة فهم الذين أجبروه من قبل أن يرفع مجموعتي الشعرية من مكتبه الذي اتخذهُ داراً للنشر والطباعة ظناً منهم بأن فعالهم تلك تثنيني عن تعريتهم، وكشف زيف بضاعتهم المزجاة؟
فمن المؤكد أنَّ دعواتهم لنا نحن أدباء الضد لاتخلو من حقد، أعرف أنهم أرادونا أسماءً لسد النقص الحاصل وحسب ،
كم حلمت أن تتعافى ثقافتنا،وتخلع ما علِقَ بها من أدران، كم تمنيت لو أنَّ هذا الكم من المهرجانات يدرُّ فائدة على ثقافتنا،وددتُ لو أن العلاقة الأدبية بيننا علاقة نظيفة، لا تشوبها الشكوك، لرددتُ عليه،لكنني آثرتُ أن أقول لهُ في سرّي من حقي ، أن أوصِلَ منتجي،من حقي الحضور، والمشاركة، والتفاعل، لكن بكرامة، ودون إذلال، من حقي أن تقرأ لي، ومن حقك أن أقرأ لك، أنّى لك، أنّى لي من هذا؟ والذئاب تحوم حول الخيام، فيما الغربان حطت على المنصة لتردد الحروف نعيقاً،
/5/2012 Issue 4203 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4203 التاريخ 19»5»2012
AZP09