مهارة الجذب وتحطيم الزيف بين العمود الصحفي  والسرد القصصي  – عادل سعد

قسوة العاني حين تكون الإبتسامةاللاذعة اليافطة والسلاح الذكي

مهارة الجذب وتحطيم الزيف بين العمود الصحفي  والسرد القصصي  – عادل سعد

الممسوس بذاكرة الطوارئ والمتسلل إلى الزوايا بهدوء

تظل المقاربة بين العمود الصحفي والسرد القصصي واحدةً من ايسر المقاربات بين الانماط الكتابية اذا اخذنا بحقيقة ان العمود الصحفي يقتضي رواية مشهد وتحليله  ، وعملية رسو على نتيجة  ، كذلك الحال بالنسبة الى الجنس الادبي القصصي  ، انه يأخذ ذات الاختصاص  مع اختلاف واحد فقط يتعلق بالتفصيلات حيث  يقتضي البناء القصصي مهارة اصعب في الربط بين مكونات الحدث وازدحام شخوص قد لاتحتاج لها  مادة العمود الصحفيث  ، اي انها غير معنية بكشف الدلالة الروائية الى حد بعيد  .

 وحين يمتلك كاتب ما  خبرة الانجاز الناضج في النمطين فان هذه المقاربة تكون قد حازت درجة الامتياز بينهما حتى الاعتقاد بالتناسخ  ، وحسبي من مسيرة الكاتب العراقي حسن العاني انه مالك ذكي للخبرتين وصاحب اختصاص مزدوج بينهما ولذلك ليس حدثا طارئاً ان يتم تناول الاختصاصين عند العاني من زاوية التفرد بهما خصوصا اذا اخذنا بالمعاينة  الدراسية عنهما .

لقد تناولت دراستان اكاديميتان هذين النمطين عند العاني،

  • الاولى ، العمود الصحفي عند حسن العاني دراسة في بنيته الفنية ، رسالة ماجستير للباحث محمد جاسم محمد الاسدي ، كلية التربية  ، جامعة البصرة  ، وقد نال الباحث عليها درجة الامتياز عام 2011  .
  • الثانية، البناء السردي في قصص حسن العاني ، رسالة ماجستير للباحثة نجاة حسون سدخان ، كلية التربية، الجامعة المستنصرية وقد نالت الباحثة عليها درجة جيد جداً عام 2021 .

مدلولات العنوان

يتطرق الباحث محمد جاسم في دراسته  الى بيئة العمود الصحفي عند حسن العاني  من مدخلات السيرة الذاتية والموضوعات التي كتب عنها العاني والمنهج الذي يعتمده مقدماً ذلك في اطار تفصيلي عن مدلولات العنوان عند النمطين  ، الغربي  ، والعربي ووظائف العنوان متوقفاً عند المحطات التي اختارها العاني  رأسيات   ، صباح الخير ، دغدغات  ، بعيدا عن السياسة  ، والاسبق ضربة جزاء ….الخ ، ويذهب الباحث الى تشكيل الصورة في بعديها، الملامح والرمز  ، والتعشيق بينهما  ، ويمر الباحث على البناء الهرمي متناولاً المقدمة االتي يحرص عليها العاني لجذب القارى والذهاب في التفصيلات دون  ان يسقط من المضمون الوضوح المر في بعض الاحيان مع الحفاظ على مسؤلية المخاطبة  المتعففة عن الاساءة  ، ولكنها في كل الاحوال تعتمد التفكيك وتقديم العينة بكل امانة .

لقد توصل الباحث جاسم  محمد الى(31)خلاصة عن العمود الصحفي عند العاني تمتد في مساحة واسعة من الاستنتاجات عن السياق اللغوي  ، ومراعاة المتلقي  ، والحرفية في السرد  والبنية التصويرية  ، واعتماد النسق الفني  ، والذاكرة الاسترجاعية  ، وتوضيح دلالة الرمز والحرص على تدهيش القارئ ،  والقدرة على تبويب الصورة الواقعية مع حماية المهنية الخاصة بالعرف الابداعي  ، وصيانة التداعيات بما يحفظ قيمة الدلالة  ، والعودة الآمنة الى الذاكرة مع حماية واضحة للواقعة من الابتذال السردي.

بخلاصة تحليلية لهذه الرسالة الجامعية الاكاديمية ومن خلال متابعتي الشخصية للعمود الصحفي الذي يكتبه العاني على مدى اكثر من ربع قرن وقد زاملني في القسم السياسي بمجلة الف باء عندما توليت مسؤلية هذا القسم في ظرف سياسي يتم التفتيش الامني اليومي الخطر في عقول الكتاب وكنت اخاف على العاني من عيون السلطة التي تلاحق في بعض الاحيان دلالة الحرف الذي يكتب وليس فقط المضمون خصوصا  وأنه يبدو قاسياً  في التشخيص عند تفكيكه للقضايا التي يتولى الكتابة عنها ، لكنها في كل الاحوال القسوة المشروعه وهو يزينها بأكسسوارات من السخرية اللاذعة التي تثير شهية المتلقي الى التمعن والمشاغلة  ، وتلك ميزة الكاتب الامين على الواقع، ولذلك اقول ان العاني لايبذل اي جهد مضنٍ في جلب القارئ ، القارئ يأتي اليه  صاغراً  . لقد أحتل  العاني منزلةً وازنةً ضمن  قائمة البارعين في كتابةالعمود الصحفي ، فروسيةً نادرة  ، ومهارة عالية بأستخدام الابتسامة سلاحاً ذكيا ً.

وبالانتقال الى الرسالة الاكاديمية الثانية التي تناولت حسن العاني كاتباً متمرسا في السرد القصصي ، تطالعنا الباحثة الاكاديمية نجاة بمضمون بحثي متماسك عن البناء السردي عند العاني  مقدمةً ذلك بالتطرق الى  هذا البناء من حيث الزمن في مدياته المسافية القياسية الثلاثة  ، القصيرة  ، المتوسطة  ، الطويلة  ، وللتوضيح اكثر  ، المدة التي تجري فيها الاحداث  مما يعني ان الكاتب لم يوظف جهده على مسافة زمنية معينة الامر الذي يكشف عن حالة الاختلاط بين تلك المديات مع فرضيات التراتب ضمن مدلولات الاسترجاع والديمومة والتسريع والابطاء  .

شخصية جغرافية

 وتتوقف الباحثة عند المكان في رؤية العاني فتشير الى الشخصية الجغرافية وفق انواعها الاربعة  ، المفتوح، المغلق، الاليف، المعادي ، وانطلاقاً من البنية المكانية لكل نوع  ، استطاع الكاتب تقديم المحتوى النفسي والاجتماعي للشخصيات وذلك تبعاً لطبيعة ما تشعر به ازاء المكان، وتبعاً  للعلاقة التبادلية  بين المكان والشخصية  ، وتسجل الباحثة هنا ملاحظة غريبة وهي خلو نصوص حسن العاني من دلالة البيت كمكان آليف  لكنها لم تعلل ذلك بينما تطرقت الى المنظور في مستويات ثلاثة ، وهي تعرف المنظور على انه الاسلوب  ، او الصيغة التي يختارها المؤلف لسرد الوقائع والاحداث ، وتتوقف عند ثلاثة اصناف له  ، الايدلوجي  ، من محتوى التعريف الذي يقول انه (منظومة  القيم العامة  لرؤية العالم ذهنياً ) ، التعبيري  اي  (الاسلوب الذي تعبر الشخصية من خلال عن نفسها) بالاسلوبين  ، المباشر  عندما تتولى الشخصية الحديث عن نفسها  ، وغير  المباشر في اطار الغائب الذي يروى عنه ، اما المنظور  التسجيلي (عين الكاميرا) فتستعين الباحثة هنا بالتعريف الوارد عن هذه (العين) على وفق قاموس السرديات للمؤرخ الادبي الامريكي جيرالد برنس اي (من خلال التقنيات التي يتم بها تسجيل الاحداث والمواقف ونقلها وكأننا امام آلة تسجيل) ، وفي اطار كل ذلك تخلص الباحثة الى انه  لايوجد هناك فاصل بين حسن العاني وقصصه  ، وانه بارع حقا في الاستخدام الادبي للمفردة اللغوية  معطياً لها جماليتها التي تستحقها  ، كما تشير الباحثة الى تعفف حسن من استخدام الايحاءات الجنسية في قصصه   بينما عمد الى الاحداث الغرائبية وحرص على ان لايعطي شخوص قصصه اسماءً  معينة مع تعدد الاصوات الحال الذي لابد ان يصنع بيئة متعددة في رؤيتها وهذا احد اهم مجالات الحوار بينها  .

لقد تناولت الباحثة ستة مجموعات للكاتب هي  ، سيد الاشجار  ، الرجل الاسطوري، ليلة رأس السنة  ، الولد الكبير، رقصة الموت، ليلة الاحتفاء بالحرية  ، وحرصت على ان تأخذ من نصوص تلك القصص للاستدلال على تشخيصاتها  ، وهذا يحسب لها في مهمة تفكيك النصوص بصورة نقديه مهنية عالية  .

اجمالاً  ، الدراستان الجامعيتان بشأن منجز حسن العاني استطاعتا عن جدارة  تقديم بانوراما بحثية تحليلية  تستحق القراءة، لكنهما لم يجبا عن اختيارات الكاتب  ، متى يلجاً الى احدهما دون الاخر علما ان كلا الصنفين من الكتابة مذيل بالاخر الى حد بعيد في مانشيتات واضحة  ، وارى ان العاني ممسوس بذاكرة الطوارى دائماً رغم انه يتسلل الى الزوايا بهدوء  ، وبأضواءٍ كاشفةٍ