من واقع حياتنا (1)

من واقع حياتنا (1)
يوم وليلة في مواجهة الموت
حدثني صديق لي كيف واجه الموت يوم وليلة بعد ان تم اختطافه من جماعة مسلحة لا يعرف انتماءهم لمن يكون.. وكنت اعرف حكايته ولكن لا اعرف تفاصيلها واحببت ان اكتبها لانها صفحة من صفحات الارهاب.. والتي تصف لنا حقيقة اعمالهم العدوانية لكل القيم الانسانية والديانات السماوية.
ولاترك الحديث لصديقي ليحدثنا عن كل ذلك بنفسه وبحال لسانه.. فيقول: كنت اعمل سائقا بسيارة اجرة ليست ملكا لي وكان التجوال محضورا في بغداد الساعة الثانية عشرة ليلا الا اني تأخرت بعض الشيء وانا اسعى وراء رزقي ولدى وصولي الى المنطقة التي اسكنها لم يكن هناك سيطرات او شرطة مرابطة لتحاسبني على تأخيري.. وحمدت الله على ذلك ولكن كنت خائفا من ان يصادفني الامريكان وتحاشيت السير في الشارع العام ودخلت شارعا فرعيا يؤدي الى بيتي وما ان دخلت الشارع الفرعي حتى شاهدت في نهايته مصابيح خلفية لسيارات عدة وخفق قلبي خوفا من ان تكون هذه السيارات رتلا امريكيا فانهم حتما سيقومون بضربي وكنت اسير ببطء شديد وجعلت مصابيح الطوارئ شغالة (الرماش) وكنت حائرا لا اعرف كيف اصل الى بيتي الذي مازال بعيدا عني وما هي الا لحظات حتى فوجئت بشخص يقف امام السيارة ويحمل قاذفة ويطلب مني التوقف فتوقفت ثم طلب مني الولوج الى الفرع المجاور ففعلت ودخلت الفرع وكاد قلبي يقفز مني لاني لم اتوقع ان ذلك سيحدث لي وقد طلب مني التوقف والترجل من السيارة وما ان نزلت حتى احاط بي ثلاثة اشخاص لا اعرف من اين خرجوا فلقد كان الظلام حالكا وتم تفتيشي بشكل دقيق وكذلك السيارة وبينما انا مع هؤلاء الاشخاص كان صاحب القاذفة يقف في بداية الفرع واطلق قاذفته باتجاه السيارات التي كانت في اخر الشارع ورجع لنا راكضا وطلبوا مني الركض معهم وركضنا جميعا واثنان منهم تتشابك ايديهم من كلا الجانبين فادخلوني الى بيت وجدت به اكثر من عشرة اشخاص وباعمار مختلف وكلهم مسلحين فاجلسوني في غرفة وتم ربط يدي وعيني ثم بدأ التحقيق معي والاستفسار عن اسمي وعنواني ومن اين جئت ولماذا تاخرت كل هذا الوقت وانا اجيبهم على اسئلتهم ولكن ما فاجأني حقا هو سؤالهم لماذا كنت اسير خلف رتل الامريكان فاعلمتهم اني لا اعرف ان كانوا قد مروا من هناك انها مجرد مصادفة وعادوا ليسألوني لماذا لم يضربوك الامريكان وكنت خلفهم فقلت لهم: اسألوهم وما ان قلت ذلك حتى حصلت على العديد من الركلات طرحتني ارضا فاجلسوني من جديد واعادوا السؤال عليّ مرة ثانية فقلت لهم: لا ادري لماذا لم يضربوني ربما ارادوني ان اقترب منهم اكثر.. الا انهم لم يصدقوا شيئا مما قلت وعاد احدهم ليسألني عند دخولك الشارع ماذا رميت من السيارة فقلت انها مجرد سندويج كنت قد اشتريت اثنين عند الظهر اكلت واحدة وبقيت الثانية ولما مضى عليها اكثر من خمس ساعات رميت بها وعاد ليقول لي: قد يكون جهازا لاسليكا او كاميرا فاقسمت لهم ان ما قلته هو الصحيح.. فقال احدهم: اتركوه الى ان تأتي الجماعة وينظرون بأمره وتركوني لوحدي ولا اعلم من هم الجماعة الذين سيأتون للنظر في امري وما سيكون موقفهم مني.
وكانت لحظات رهيبة طويلة وخائفا من مصيري المجهول وانا بين ايديهم وشردت بافكاري الى حيث زوجتي واطفالي فحتما انهم قلقين عني ولا يعرفون اين يذهبون وماذا يفعلون مع حضر التجوال هذا لابد وانهم والجيران يجلسون عند الباب بانتظار عودتي.
وما هي الا لحظات حتى فتحت الباب ودخلت علي مجموعة من الاشخاص عرفت ذلك من خلال وقع اقدامهم وسمعت احدهم يقول: هو هذا الخائن.. وما احسس الا بركلة قوية على وجي طرحتني جانبا وما ان عدلت نفسي حتى جاءتني اخرى ولحقتها ركلات عدة وكأني كرة قدم يلهون بي الا ان احدهم طلب منهم الكف وعدم ضربي واجلسوني مستندا على الحائط طلب وجلس شخص امامي.. وسألني ان كنت ادخن فقلت له: نعم فطلب منهم فتح وثاقي ففتحوا يدي ووضع سيكارة في فمي واشعلها لي ثم راح يحدثني بصوت هادئ بوجوب التعاون معهم واطلاعهم على حقيقة امري حتى بدورهم يساعدوني في اطلاق سراحي وقصصت عليهم ما انا عليه من اني صاحب عائلة كبيرة واعمل من اجل اعالتهم واني بعيد عن السياسة وارفض الاحتلال مثلهم ولدينا حسا وطنيا مثلهم.
وطلبت منهم الاستفسار من المنطقة لمعرفة حقيقة ما انا عليه الا انهم كانوا يحاصروني باسئلتهم ولاسيما فيما يتعلق السندويتش الذي رميتها وكيف اتفق وكنت خلف رتل الامريكان.
وقالوا لي بانهم بعثوا لمن يبحث عن السندويتش الذي رميته للتأكد من صحة اقوالي وقلت لهم: اتمني ان لا تسبقهم الكلاب والقطط اليها فضحكوا وقال احدهم: بهذه الحالة سيكون اعدامك على ايدينا.
ثم تركوني في الغرفة لوحدي ولهواجسي وبعد ربع ساعة تقريبا دخلوا علي مجددا وانهضوني وشدوا وثاقي مجددا وقال لي احدهم: سنأخذك معنا فامسك بي اثنان كل واحد من جهة.. واخذوا يدورون بي في البيت ويطلبون مني ان اخفض رأسي ثم ارفعها عدة مرات ولما اصبحنا بالشارع احسست بالهواء البارد وطلبوا مني الهرولة معهم فكانوا بين الحين والآخر يقفون ثم يواصلون الهرولة.. وكنت اسمع عيارات نارية بعيدة بعض الشيء ولم اعرف اين انا من كثرة ما لفوا بي وداروا ولما كنت مصابا بالقلب فكانت الهرولة تقطع انفاسي وكنت اترجاهم بالوقوف برهة لأرتاح الا انهم لم يصغوا لما اقول وكنا نرهول لاكثر من نصف ساعة ثم ادخلوني الى جامع وهناك تركوني في غرفة لوحدي ثم جاءني شخص وجلس معي وراح يحدثني ويستفسر مني عن حكايتي وما جاء بي الى هنا فقصصت عليه الحكاية فقال: الجماعة معذورين فان الخونة كثيرون وهناك من وشى بهم وتم اعتقال جماعات منهم ثم طلبت منه ان يعطيني سيكارة فتقدم وفتح وثاقي واعطاني سيكارة دخنتها ثم اعطاني اخرى وان افكاري تتلاطم لا اعرف مصيري وما حل باسرتي وماذا سيكون مصيرهم من بعدي وكنت اسمع وقع اقدام كثيرة وهناك من يتوضأ وقد بدأت صلاة الفجر.
فجاءوا وقد تم ربط وثاقي مجددا واخذوني مرة اخرى الى المجهول وما ان اصبحنا بالشارع حتى قال لي من يرافقني وهو يضربني على رأسي: لو تعرف كلب ابن الكلب كيف ستموت واخذوا يهرولون بي مجددا واصعدوني في سيارة واجلسوني وسطهم في الحوض الخلفي للسيارة وبقيت السيارة متوقفة بعض الوقت وقد جعلوا راسي الى الاسفل حتى لا يراني احد فقال لي من يجلس الى جواري: ترتدي (شحاطة) جديدة اخلعها واعطني اياها فانت لست بحاجة لها فاليوم يعدموك ومد يده واخذها من قدمي وبقيت حافيا ولما سمعت كلامه ايقنت انني ذاهب الى الموت المحتوم الذي لا مفر منه وكنت اسمع اصوات السيارات والباعة واصحاب السيارات وهم ينادون الركاب الى وجهات سيرهم..
وبعد ذلك جاء شخص وجلس في المقعد الامامي وانطلقت بنا السيارة وراسي لا يزال الى الاسفل واختفت الاصوات ولم اعد اسمع شيئا سوى محرك السيارة وقد سارت بنا السيارة قرابة النصف ساعة وتوقفت وانزلوني وهم يمسكون بيدي من كلا الجانبين واخذوا كالعادة يدورون ويلفون بي في المكان نفسه وطلبوا مني الانحناء والدخول ثم اصعدوني سلما وانزلوني وكل مرة يطلبون ان اخفض رأسي واصعدوني سلما آخر ثم اخر وكلما صعدت سلما يدورون بي حتى لا اعرف المكان واستطعت ان اعرف ان البناية هي عمارة واخيرا استقر بي المقام في غرفة صغيرة ومن خلال تلمسي للحائط والارضية عرفت اني في حمام ووجدت مواسير ماء دون حنفيات فعرفت ان العمارة جديدة وقيد الانشاء وكان الجو حارا وانا اتصبب عرقا.
وكان اليأس قد اخذ مني مأخذه وكان اشد ما يؤلمني ان اترك اطفالي دون ان اعبر بهم مرحلة الطفولة وتأمين مستقبلهم والاطمئنان عليهم في اكمال دراساتهم ولكن كيف والقدر قد حكم عليّ ان افارقهم رغما عني ولا ادري كيف حال ابنتي الصغيرة التي لا تنام الا على يدي.. وباحضاني والتي لا تقبل ان تأكل الا معي وابني الآخر الاكبر منها سنا والذي لا يفارقني اينما ذهبت وحللت.
اما زوجتي الحبيبة فيا كبدي عليها كيف سيكون حالها من بعدي مع هذا الكم من الأطفال من سيعتني بهم ومن يصرف عليهم وانا لا املك شيئا من حطام الدنيا.
وبمن الوذ واشكوا لغير الله تعالى فهو حسبي ونصيري ولا ادري كم مضى عليّ من الوقت وانا في مناجات رب العالمين في خلاصي من هذه الشدة.
محمد عباس اللامي – بغداد
AZPPPL