من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي

22

كلوب باشا يناور بسحب قوة آلية وإرسالها إلى السامرة المحتلة

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

فاجاب طبعاً لا، ولكن ما العمل وقد طلب تنفيذ هذا الأمر في الوقت المحدد بعد ساعتين، فقلت له: لقد تبلغت بما أمرك به وكيل القائد العام بطريقة غير اصولية بعيدة عن الروح العسكرية والاوامر العسكرية التي كان عليه أن يتبعها، فانا قائدك وانا آمرك بان (لا) تنفذ هذا الامر، وأنا المسؤول عن عاقبة عدم تنفيذه فقال امرك سيدي، وحياني التحية العسكرية وانصرف!

لكنه بعد ان تركني ذهب الى أحد التلفونات واتصل بوكيل القائد العام وأخبره بأنني منعته من الحركة، فما كان من وكيل القائد العام ألا ان أتصل بي تلفونياً قائلاً: شنو هاي يا طاهر، أحنة نطينة امر الى رفيق عارف بالحركة وانت تمنعة؟.. (وكان بحالة تهيج) فقلت له: طبعاً منعته من الحركة وانا المسؤول من هذا المنع… والآن أود أن اقول لك باي حق تطلب أحد امراء تشكيلات قيادتي وتعطيه أمراً مباشراً دون ان يكون لي علم بذلك (وانا قائده المباشر) وقد تحديت بعملك هذا أبسط الاوامر العسكرية وخاصة ما يخص امر الحركات منها وعلى الاخص أثناء الحرب فإن لم استلم إشعاراً بحركة القوة الآلية (برقية أو كتابة) فلن تتحرك القوة واغلقت التلفون.

وبعد مدة ربع ساعة من مكالمتنا التلفونية جاءني الرئيس الأول الركن داود سلمان الجنابي، الذي كان يشغل منصب ضابط ركن الثاني في القيادة العراقية وقال: سيدي القائد: ان الملك عبد الله يطلبك في التلفون (طبعاً كان الملك عبد الله) هو القائد العام للجيوش العربية… فجئت الى التلفون، قال لي الملك: ليش يا ولدي طاهر بك تمنع حركة القوة الآلية التي طلبنا حركتها الى لواء السامرة، فقلت له: سيدي صاحب الجلالة: لا يمكن ان تتحرك قوة عسكرية مهما كان حجمها من محل تعسكرها الى محل آخر الا بامر تحريري سواء أكان ذلك الامر بكتاب او برقية، فانا بصفتي قائداً لهذا التشكيل لم استلم اي أمر كان من القيادة العامة في أمر حركة القوة الآلية، ولا عن المحل الذي ستنتقل اليه ولا اقصد من هذا التنقل؟.. وعليه لا يمكن ان أحرك القوة الآلية ما لم استلم امراً تحريرياً بذلك، فأجابني: (عجائب لم تستلم أمراً بحركة القوة الآلية؟..) فقلت له: أكرر وأقول (لا) فاجابني طيب وانتهت المكالمة الهاتفية بيننا.

وبعد (20) دقيقة من مكالمتي التلفونية مع الملك عبد الله خابرني وكيل القائد العام نور الدين محمود تلفونياً وقال: نحن ارسلنا لك برقية في امر حركة القوة الآلية، وتبين ان العريف اللاسلكي قد اهمل ارسالها لك، وعليه عاقبناه بثلاثة ايام قطع راتب لذلك ارجو اعطاء الامر الى القوة الآلية بالحركة، فقلت له هذا الكلام اعتبره (لتدارك) وعليه كرر واقول أن لم استلم برقيتك التي تشير اليها فلا حركة للقوة الآلية ثم اردفت قائلاً: إذ كانت الضرورة تقضي بحركة القوة الآلية فما هو السبب الذي دعاكم الى حركتها في مثل هذا الوقت؟ مع العلم انها ستتحرك آلياص وستقطع مناطق جبلية وودياناً وطرقاً لم تطرقها القوة الآلية من قبل، وأن سواق عجلاتها سيجابهون مسيرة ليلية صعبة، فلا يمكن تاجيل الحركة الى الصباح الباكر دون أن نعطي لربما ضحايا بالانفس البريئة والآليات، فأجابني: لا يمكن ذلك (اخبرني الرئيس الاول الركن (العميد الركن) شكري محمود نديم الذي قد استخدمه اللواء نور الدين محمود، بواجب راسه ركن القيادة العامة، وهو معين، رئيس ركن القيادة العراقية، أخبرني هذا الضابط الممتاز بعد ان عاد الى واجبه الاصلي رئيس ركن القيادة العراقية قائلا: عندما حضر العقيد الركن رفيق عارف لدى وكيل القائد العام أعطاه الاوامر الشفهية بالحركة، فاعترض عليه قائلاً: ليش الحركة ليلاً وليش ما تكون عند الصباح؟ .. فأجابه وكيل القائد العام اللواء الركن نور الدين محمود: ان كلوب باشا هو الذي طلب حركة القوة الآلية وهو الذي حدد لها ساعة الحركة فخذ معك رئيس ركن القيادة الرئيس الأول شكري محمود نديم، واذهب اليه عسى ان تقنعاه بان يوافق على تأجيل الحركة الى الصباح… فذهبنا أنا والعقيد رفيق الى عمان ودخلنا غرفة كلوب باشا وواجهناه ورفع راسه الينا وقال: -شكو عندكم، ليش جايين؟ … فقال له العقيد الركن رفيق عارف: جئنا لنتباحث معك في أمر حركة القوة الآلية وخطورة حركتها ليلاً، فأجاب: نحن اعطينا أمراً الى نور الدين محمود وانتهى الأمر ياللة ما عندكم شغل عندي (الله اكبر) كلوب باشا الانكليزي يقول أمرنا نور الدين محمود (اللواء الركن) وهكذا يقول عدنا الى وكيل القائد العام وسألنا ماالذي اجريتموه؟ .. فافهمه رفيق عارف بما وقع، فما كان من نور الدين الا وصاح بوجه رفيق انتو شلون ضباط؟ نعطيكم امراً وتعترضون فأجابه رفيق: انك لو مصر على امرك لما ذهبنا الى كلوب بتوجيه من عندك وتركه وانصرف..) وبعد دقائق معدودة من مكالمتي التلفونية مع وكيل القائد العام، جاءني الرئيس الاول الركن داود سلمان الجنابي ضابط ركن الثاني للقيادة، قائلاً: سيدي الملك عبد الله يطلبك في التلفون، فقلت له بالحرف الواحد: اذهب الى التلفون وقل له: ان القائد ذهب الى الخطوط الأمامية لتفتيش القطعات في مواضعها الأمامية، وفي الساعة (7.30) وصلت برقية القيادة العامة التي تخص حركة القوة الآلية.

وكان العقيد الركن رفيق عارف القاجاقجييهيء قوته للحركة قبل ان اصدر له أمر الحركة، استناداً الى أمر القيادة العام، تحركت القوة الآلية ناقصها سرية مدرعات وبطرية 25 رطل يرافقها رعيل ضد الجو الساعة 20.00 (الثامنة مساء) وذلك بموجب أمرنا: (برقية القيادة العراقية 22/6 تاريخ 212310) يوم 21 مايس 1948، استنادا الى أمر والحاح القيادة العامة.

وامرنا بموجب برقيتنا المرقمة والمؤرخة اعلاه أن يتولى جحفل اللواء الاول ما كان في عاتق القوة الآلية من واجبات .. وعليه استلم ف2ل1 مواقع الفوج الآلي في كل من مشروع روتنبرغ الكهربائي ومخفر جسر المجامع، قبل الساعة 20،00 (الثامنة مساءاً) موعد حركة القوة الآلية – الى لواء السامرة ومقرها في نابلس، وأعطيت سرية المدرعات والبطرية (25 رطل) التي ابقيناها من القوة الآلية بأمرة ف2ل1 … وفي يوم 23 مايس 1948 أنتقل مقر القيادة العراقية من وادي العرب الى أربد مع سرية المخابرة، والنقلية الىلية الأولى.

أسباب خطة كلوب باشا

والآن لا بد لي من أن أوضح بصورة تفصيلية الاسباب التي أضطرت (كلوب باشا) ان يتخذ هذه الخطة وان يطلب من وكيل القائد العام بأن يسحب القوة الآلية ويرسلها الى لواء السامرة المحتلة في المثلث العربي الذي يضم كل من نابلس – جنين – طول كرم – وتوابعها.

لقد لعب كلوب باشا لعبته الحربية هذه لسبب واحد ولا سبب آخر سواه وهو: مضايقة حامية قلعة كميشر اليهودية، حيث كانت تلك القوة بحالة حصار تام وكان الجيش العراقي قد اطبق عليها من كل جوانبها (وكيف أنه قد اتخذ خطة حكيمة وأحاط بقلعة كميشر كما يحيط السوار بالمعصم).

وكان عتاد اليهود في تلك القلعة وارزاقهم قد نفذ وكانوا على وشك الاستسلام وقد ثبت ذلك بموجب اعترافات أحد ضباط تلك الحامية اليهودية (اعترافات ضابط يهودي وبخط يده نشر في جريدة الدفاع الفلسطينية سنة 1948 في ثلاث مقالات متسلسلة وانها قد لا تخلو من الدس ..) وان كان قد بالغ ببطولاتهم التافهة كما ثبت لنا ذلك في معاركهم في (جنين) الخالدة (تل كوقبج) تلك المعركتين اللتين سناتي على شرحهما، والآن نسترسل في اسباب اتخاذ كلوب باشا هذه الخطة الجهنمية على ما اعتقد شخصيا أن الحامية اليهودية قد اوصلت موقفها الدفاعي الخائر الى كلوب باي طريقة كانت من اللواء الركن نور الدين محمود (وكيل القائد العام) بسحب القوة الآلية وأرسالها الى لواء السامرة.

الشرح والتحليل

وبسحب القوة الآلية من منطقة وادي العرب انسحبت الوحدات التالية: البالغ مجموع أفرادها (3500) ثلاثة الاف وخمسمائة مقاتل من شتى الصنوف، والوحدات التابعة للقوة اللية التي انسحبت من وادي العرب بأمر ارتجالي هي: من قبل القيادة العامة ومن قبل اللواء الركن نور الدين محمود وكيل القائد العام:

1- مقر ىمرية القوة الآلية.

2- الفوج الآلي الأول.

3- كتيبة مدرعات خالد.

4- كتيبة مدفعية (25 رطل).

5- سرية هندسة القوة الآلية.

6- سرية مخابرة القوة الآلية.

7- سرية رشاش فيكرس.

ونظراً لانسحاب القوة الآلية لا يمكن مطلقاً ان تترك المواضع التي كان الفوج الآلي يشغلها وهي:

مشروع روتنبرغ الكهربائي، ومخفر جسر المجامع، والربايا على الجبال المشرفة على وادي العرب .

 أذن والحالة هذه لا بد من اشغال هذه المنطقة بفوج مشاة وعليه أمرنا ببرقيتنا nبرقية القيادة العراقية المرقمة 22/ح 212310 بتاريخ 21 مايس 1948 (استنادا الى أمر القيادة العامة) الى جحفل اللواء الاول لتخصيص فوج من لوائه ليشغل المواقع التي كان الفوج الآلي مسؤولاً عنها الفوج الثاني اللواء الاول وامره بان يحتل ما كان يحتله الفوج الىلي من مواضع، وهكذا نرفق اولاً فوج مشاة كامل من جبهة القتال وقد تخلص العدو ايضاً من مضايقة كتيبة مدرعات خالد، كما انها تخلصت من كتيبة مدفعية الصحراء (25 رطل) التي تصل قنبلتها في الحشوة الصغيرة الى (11 كيلو متر) وفي الحشوة الكبيرة الى (14 كيلو متر) وتخلصت ايضاً من سرية الهندسة الآلية التي انشات الجسر على نهر الاردن من جوار قرية المنشية وعبرت عليه وحداتنا المقاتلة، ولهذه الخطة للخائن (كلوب) تنفست حامية قلعة كميشر اليهودية (كانت تقدر قوة حامية كميشر من اليهود بسرية واحدة مشاة مزودة برشاشات فيكرس ورشاشات برن ورشاشات ستان وبنادق ومدافع هاون وقنابر يدوية، مجموع افرادها حوالي 150 جندياً وضابطاً يهودياً من مختلف الملل..) الصعداء، وانفتح الطريق نوعاً ما بينهم وبين قاعدتهم الخلفية، فوصلت اليهم الأمدادات بالرجال وبالسلاح وبالارزاق .

والآن هل تأكد لنا درجة صداقة هذا (الكلوب) للعرب كما ذكر في مذكراته (جندي مع العرب)؟

مزرعة عسكر

وفي يوم 26/5/1948 انتقلت مع مقر القيادة العراقية من أربد الى نابلس، واتخذنا من مزرعة عسكر (تقع جنوب مدينة نابلس) مقراً لنا وعسكرنا فيها، حيث وان لم تبق فائدة من بقاء جحفل اللواء الاول في منطقة وادي العرب، وجسر مجامع، وقلعة كميشر، خاصة بعد أن وصل فوج شرطة عراقي بقيادة المرحوم (مقدم الشرطة عبد القادر حسين) أمرنا بموجب برقيتنا المؤرخة 26 مايس 1948 ورقم 333 ح، بان يتحرك ف1ل15 الى نابلس لأحتلال المنطقة التي اصبحت مسؤوليتها بعهدة الجيش العراقي، فقد اجتاز هذا الفوج بلدة اريحا في الساعة (15،30) (الثالة والنصف) بعد الظهر، وبموجب أمرنا (أمر القيادة) ليلة 28-29 مايس 1948، تحرك في يوم 29 مايس 1948، وعند الفجر مقر جحفل اللواء الاول والقطعات الملحقة به (ناقصها) ف2ل1 من مقره في وادي العرب الى نابلس معقباً طريق أربد – المفرق – عمان – جسر اللنبي – اريحا – جفتلك – نابلس، فوصل في الساعة (05.00) (الخامسة مساء) (17.00) الى نابلس (مزرعة عسكر) ثم اخذت وحدات جحفل اللواء الاول تصل الى نابلس تباعاً فانتقل مقر جحفل اللواء الاول الى مفرق4 دير شرف يوم 30/5/1948 ثم انتقل الى طول كرم يوم 31/5/1948، واصبحت جبهة القتال التي كانت القيادة العراقية مسؤولة عنها حوالي (160) مائة وستون كيلو متراً، وكانت القوة المتيسرة تحت أمرة القيادة العراقية تتكون من:

1- جحفل اللواء الاول.

2- القوة الآلية.

ولو امعنا النظر في هذين التشكيلين لظهر لنا ان القوة الضاربة فيهما عبارة عن فوجين (مشاة) من جحفل اللواء الاول حيث ترك ف2ل1 في منطقة جسر مجامع والفوج المشاة الآلي التابع للقوة الآلية .. فعندما أجرينا توزيع هذه الأفواج الثلاثة على طول جبهتنا المذكورة أعلاه لم تكن تكفي لاشغالها اشغالاً تاماً ومن ضمن ذلك (الامنية)، ان هذه الجبهة تمتد في لواء السامرة من مدينة جنين شرقاً الى طول كرم غرباً ثم الى كفر قاسم جنوباً، ولم تبق لدينا اي قوة احتياطية لتدارك الأمر عند حدوثه؟