من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي

17

الوصي يزور لواءً عسكرياً توجه إلى كركوك لإستعراض القوة والدفع بالتي هي أحسن

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

وفي يوم 15/10/1945 عدت بحجفل لوائي الى اربيل ومنها الى كركوك، وثم الى معسكري الدائمي في الديوانية . وعندما وصلت الى كركوك – امرتنا القيادة العسكرية بأن نتوقف فيها وذلك بغية زيارة الوصي بحجفلنا، فعسكرنا بالقرب من محطة قطار كركوك. وبعد ان انتهينا من تنظيم المعسكر بخيمة وطرقه وساحاته وفي ليلة 20/10/1945، هبت زوبعة شديدة ممزوجة بزخات مطر رعدية اقتلعت اعمدة الخيم واوتادها واغرقت (تقريبا) منطقة المعسكر بمياه الامطار، فانتقلنا الى بنايات المحطة، وفي اليوم الثاني 21/10/1945 ومن الصباح عدنا لنصب وتنظيم المعسكر، حيث اشرقت الشمس وجفت مياه الامطار بسرعة . فانجزت الهمم التي بذلها كل فرد من منتسبي الحجفل ضابطا وجنودا، واعادة انشاء المعسكر وتنظيمه وفي يوم 23/10/1945 كان المعسكر تاما من جميع الوجوه.

فزارنا الوصي في صباح ذلك اليوم وفي الساعة 10,00 العاشرة وهنأنا بنجاح حركاتنا العسكرية . وقد اختلى بي رئيس اركان الجيش الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري في تلك الزيارة وقال لي وبالحرف الواحد: طاهر لقد قررنا ان نعطيك قدماً ممتازا لمدة سنتين بناء على ماقمت به في المنطقتين الحربيتين، وان تعطي قائد الحركات سنة واحدة قدما ممتازا، لتلافي بعض الفين الذي لحق بك سابق في ترفيعاتك، فشكرته على تقديره وتقدير الحكومة لاتعابي التي لم يكن سوى اداء واجب لله والوطن والشعب.

قدم ممتاز

وبعد ان وصل رئيس اركان الجيش واعضاء الحكومة وتداولوا في امر منحي وقائد الحركات القدم الممتاز المقرر، وبعد الاطلاع على قانون الخدمة العسكرية وجدوا ان القدم الممتاز في الحركات العسكرية الفعلية لاتعطي لمن يستحقها في حالة الحرب لقمع العصيان المسلح داخل البلاد . بل يعطى في الحروب مع الدول الخارجية . وهكذا حرمنا من ذلك القدم والحمد لله على كل حال.

العودة الى معسكرنا الدائم في الديوانية

بعد انتهاء تفتيش الوصي بحجفل لوائنا في كركوك في 29/10/1945 ركبنا القطار النازل من كركوك الى بغداد ليل 4/11/1945 ومن بغداد الى الديوانية، فوصلناها في الساعة 23,00 من ليلة 5/6/11/1945 .

فبدأنا باعادة تنظيم اللواء الذي عاد الى وضعه المبتور بفوجين فقط، حيث عاد الفوج الثاني الى لوائه الرابع عشر في الناصرية وعادت كتيبة المدفعية الى معسكرها، وهكذا وبعد الانتهاء من اعادة تنظيم اللواء صار وقت التدريب الاجمالي، فخرجنا لتطبيقه، وقبل اتمام مدة التدريب الاجمالي وردت برقية من الفرقة الاولى، تطلب فيها الغاء التدريب الاجمالي والعودة الى معسكر اللواء الدائم في الديوانية حالا .. فتركنا التدريب الاجمالي وعدنا الى الديوانية. تنفيذا لامر قيادة الفرقة الاولى ببرقيتها المارة الذكر.

وعند وصولي الى الديوانية، تبلغت ببرقية الفرقة الاولى الانذارية للحركة الى كركوك خلال  اربع وعشرين ساعة على ان يعاد تنظيم حجفل اللواء الخامس عشر بأمراتي ويصبح متكونا من الوحدات التالية:

أ. الفوج الاول / اللواء الخامس عشر، وامره المقدم الركن عادل احمد راغب.

ب. الفوج الثاني / اللواء الخامس عشر وامره المقدم الركن يحيى نزهت.

ج. الفوج الاول / اللواء الرابع عشر وآمره المقدم الركن محمود المهدي.

د. كتيبة مدفعية 7/3 جبلية وآمرها المقدم الركن اكرم احمد.

هـ . كتيبة الهاشمي الخيالة وآمرها المقدم الركن (المرحوم) نجم الدين خضر.

و. سرية الهندسة الثالثة بأمره الرئيس (الشهيد المرحوم) رفعت الحاج سري.

ن. سرية مخابرة وآمرها الرئيس (المرحوم) حميد سبع العبوسي.

وأمرت ان اسافر مستصحبا معي فوجا واحدا ومقر لوائي الى بغداد ومنها الى كركوك . وبعد وصولي كركوك اصبحت وحجفل لوائي بامرة قيادة الفرقة الثانية .

وفي منتصف تلك الليلة ركبت القطار الصاعد الى بغداد، فوصلناها صباح اليوم الثاني، وعند المساء ركبنا القطار الى كركوك . ولسان حالنا يقول: (وكل من سار على الدرب وصل).

وعند صباح اليوم الثالث. وصلنا محطة قطار كركوك. فشاهدت قائد الفرقة الثابتة (المرحوم) اللواء مصطفى راغب في المحطة وقد جاء لاستقبالنا وعندما نزلت من القطار اديت له التحية العسكرية . وقلت له: ها انا ذا سيدي مع حجفل لوائي  تحت امرك . فصافحني وقال: اهلا وسهلا بكم . بس اريد منك ياعقيد طاهر ان لاتشتم الذي صار سبب بمجيئك ثانية الى منطقة هذه الفرقة ! .. فانا الذي طلبتك بالاسم حيث سبق ان شاهدتك وشاهدت اعمالك في الجبهتين (جبهة مازنه – وجبهة سرعقرة – دينارته) وما وجدت غيرك اطلبه واعتمد عليه بالنسبة للمهمة التي ستلقي على عاتقك في منطقة لواء السليمانية. فأجبته: سيدي هذه ثقة عالية اعتز جدا بها . فأشكرك للغاية على ثقتك هذه، ثم انتابنا سيدي (جنود) خلقنا لتموت في سبيل ديننا ووطننا وشعبنا وجيشنا . (ان لم تكن نحن فمن؟..).

تفضل بالامر وستراني جنديّك المطيع فقبلني رحمه الله وذهبت بمعيته الى مقر الفرقة الثابتة وهناك افهمني الموقف في بلدة السليمانية. بصورة خاصة وفي منطقة لواء السليمانية بصورة عامة. واردف قائلا: ان الامن قد اختل في هذا اللواء فالذي نرجوه، هو اعادة الامن الى نصابه والله اسال ان يوفقك .. فشكرته ثانية وودعته، وبعد ان قضيت يوما واحد في كركوك . سافرت في صباح اليوم التالي الى السليمانية مستصحبا معي مقر اللواء والفوج الاول من لوائي . متنقلا آاليا. والله وحده حسبي وهو وليّي ونعم النصير.

فوصلنا بلدة السليمانية، وعسكرنا في معسكر (كاني اسكان، منتظرا بقية وحدات جحفل اللواء الخامس عشر، حتى اذا ما تكامل جمعهم وتمت اعادة تنظيمهم، رأيت: ان المظاهرات في المدينة على قدم وساق. وان الشغب اخذ نهايته. وان الاعلانات التي يطالبون فيها بانفصال المنطقة الكردية عن الحكومة العراقية . تلصق على الجدران . وانه لايوجد في بلدة السليمانية سوى فوج من الشرطة. وكان مدير الشرطة رائد الشرطة (عبد الجبار فهمي). وكان متصرف اللواء آنذاك (موسى شاكر). فذهبت لزيارته. واطلعت على ما لديه من معلومات . وتبينت له فكرتي في الاسلوب الذي سأتبعه لقمع الفتن واعادة الامن الى ربوع السليمانية. لقد اختمرت لديه فكرة تنشطر الى شطرين:

أ. الشطر الاول اظهار قوتي العسكرية.

ب. اتخاذ السياسة السلمية منفذا قول الاله الخالق المتعال (ادفع بالتي هي احسن) صدق الله العظيم.

فبدأت والحالة هذه بتطبيق الشطر الاول. فقرت اجراء مسيرة بكل مالدي من قوة خارقة مدينة السليمانية من معسكرنا في شمال المدينة (كاني اسكان) الى جنوبها معقبا طريق (سليمانية – حلبجة). فركبت حصاني وتقدمت مع مقر لوائي في رأس الرتل، وبعد ان اتم الرتل مسيرته ووصل الى نقطة تبعد عن جنوب المدينة بمسافة ثلاثة كيلو مترات . اعطيت استراحة الى القوة . وبعد ان تناولوا الغداء في محل استراحتهم عدنا الى السليمانية ومن نفسي الطريق قاطعين المدينة من جنوبها الى شمالها . وقد استغرق زمن الوقت ذهابا وايابا مع الاستراحة والغداء ثماني ساعات … وكنت اسمع من بعض افواه الاهلين الذين كانوا متجمهرين على جانبي الطريق وهم يقولون: (كرة عمرت منه منيت امه جلمند هزاره . له كوي هاتين؟..) ما معناه ولك مات عمرك هذوله كم الف؟ ومن اين أتوا؟

وبعد وصول القوة الى معسكرنا في كاني اسكان صرفتها للراحة. هنا وبهذه المسيرة اعطيت لمن تسول له نفسه درسا بليغا بان لدي قوة كافية لسحق أي تمرد كان وفي أي وقت يحتاج الامر لاستخدامه… وفي مساء ذلك اليوم . ذهبت الى دار الشيخ نوري وهو احد شيوخ وزعماء اكراد منطقة السليمانية المتنفذين ومن بيت (حفيد زاده) وابن عم الشيخ محمود حفيد زاده، الثائر الكردي المشهور. الذي قاد توراته الثلاث السابقة ضد الحكومة العراقية. مطالبا بالانفصال عنها والاستقلال بالمناطق الكردية… كانت زيارتي للشيخ نوري هي بمثابة (جس نبض) لاطلع على مدى تاثير قوة حجلفي على نفوس الاهلية. وفي الليلة الثانية. زرت رئيس البلدية آنذاك و(المرحوم) الشيخ قادر آغا.

ومن سير الاحاديث التي دارت بين المجتمعين في كل من داري المرحوم الشيخ نوري والمرحوم الشيخ قادر . علمت ان المسيرة التي قمنا بها، قد اثرت التاثير كله على الافكار الخاصة بالشغب والمظاهرات، وغيرها من الامور المخلة بالامن، وعليه قد تم لي ماكنت اتوخاه من مسيرتي هذه فتحققت الغاية من تطبيق الشطر الاول، وبدون استعمال القوة مطلقا… وقد علمت من هنا وهناك. ومما شاهدته شخصيا ان مبعث الشغب وقيام المظاهرات مصدره مصدر واحد، الا وهو (معلموا المدارس وطلابهم). فذهبت الى مدير المعارف الذي كان يقاسي من آلام قرحة في معدته وزرته في مكتبة . وعندما دخلت عليه، نهض واستقبلني فصافحته وسلمت عليه . وقلت له: المثل يقول: (القادم يزار) ويظهر لي هنا (ان القادم يزور)، فلا بأس ان جئتم لزيارتي او جئت انا لزيارتكم. فكلنا اخوان ومسلمون. فالقصد ان نتعارف، فجلست عنده وبعد ان شربت الشاي في ضيافته، تحادثنا كثيرا، واخيرا رجوته ان ننظم مباراة في لعبة كرة القدم . فاجابني: ان منتسبكم كلهم جنود فهل يتمكنون من التباري مع طلابنا الماهرين في هذه اللعبة ؟ .. فقلت له: على قدر مانتمكن اليها السيد المفضل .. كانت الفرق الثلاث للواء الخامس عشر لالعاب كرة القدم . وكرة السلة، وكرة الطائرة . من امهر فرق الجيش العراقي كله، وكانت تجمع الكؤوس كلها في وحداتها، ومن النادر ان تخلت عن كأس من هذه الفرق الاخرى. فرد علي قائلا: طيب، وكيف ناتي الى معسكركم ؟ .. فقلت له السيارات متهيئة وجاهزة لكم ولمعلميكم وطلابكم وضيوفكم وحتى للاهلين والمدنيين الذين تدعونهم . فعلى الرحب والسعة، واهلا وسهلا بمجموعكم . فاتفقنا على يوم المباراة وساعتها، وانصرفت من لدن المدير الموحا اليه … وفي اليوم المقرر لاجراء المباراة بين منتخب حجقل اللواء الخامس عشر، و.

مباراة كرة القدم

وفي تمام الوقت المتفق عليه ارسلت سيارات الحجفل ونقلت الهيئة التدريسية، والطلاب وضيوفهم من الاهلين او من موظفي المتصرلافية وملحقاتها . نقلتهم جميعا الى ساحة المباراة في معسكرنا في كاني سكان، وبدأت المباراة وانتهت بفوز حجفل اللواء الخامس عشر بخمسة اهداف ضد لاشيء … وبعد الانتهاء من المباراة دعوة المدير وهيئة التدريس وقسما من الموظفين واللاعبين الى ضيافة الشاي التي هيأتها بصورة خاصة . ومن ثم عدت الجميع بالسيارات ايضا (كما جاءوا) الى البلدة وبعد مدة ثلاثة اسابيع نظمنا مباراة اخرى في كرة الطائرة، ونقلنا من نقلناهم في مياراة كرة القدم بالسيارات ايضا، وفزنا عليهم كذلك بفوز ساحق، وكان عندنا الجندي (حسين كطافة. (ان الجندي حسين كطافة في اليوم الرابع من وصولنا الى السليمانية . كان قد حصل من آمره على اجازة للذهاب الى بلدة السليمانية وتشاجر مع الاهلين وشتم (الشيخ كاكه احمد الشيخ) فوضعته في التوقيف لامد غير محدود . وانتشر هذا التوقيف في المدينة او عندما كانت تجري المباراة . ناتي به من التوقيف ويلعب ومن ثم يعاد الى التوقيف على مرآي من الجميع) من الفوج الثاني للواء الخامس عشر وهو ماهر جدا، واقمنا لهم دعوة شاي كسابقتها ومن ثم اركبناهم السيارات وودعناهم بكل تكريم

وبعد شهر من مباراتنا هذه نظمنا مباراة ثالثة في كرة السلة وقد جلبناهم . بسياراتنا ايضا . وقد انتهت هذه المباراة كسابقيها بفوزنا عليهم . وقد كررنا دعوة شاي العصر ومحلقاته (ان دعوات الشاي الثلاث ومحلقاتها صرفت جميع نفقاتها مع السكاير والثلج من كيسها الخاص نحن ضباط اللواء الخامس عشر . حيث لم تخصص لنا أي مخصصات كانت لانفاقها في ضرورات محله كهذه مثلا..) ودعناهم بكل اهتمام، وبعد مبارياتنا الثالث اصبحت المدينة هادئة. لامظاهرات ولا اعلانات، ولا تجمعات، ولاشغب، ولاتمرد. وبعد اربعة ايام جاء في مدير معارف المنطقة (زائرا) وبرفقته خمسة من كبار الاساتذة المعلمين، وبعد استراحة قصيرة تناولوا خلالها القهوة والسيكاير، فاه مدير المعارف وهو يخاطبني: لم تكن تعلم ان الجيش العراقي يتحلى بهذه الصفات الحميدة، واننا كنا في سبات عميق من حقائق هذا الجيش الباسل، وقد غمرتونا بعضكم في كل مباراة خصناه معكم، فشاهدنا منكم المجاملة كلها والكرم الذي لانهاية له والاخوة الصادقة لنا . فهنيئا لبلادنا بجيشنا مرادت وضباطا وارجو ان تعلم ايها الاخ القائد ان كل شفيا ودعوة الى التمرد والعصيان ومقاومة السلطة الحكومية والاخلال بالامن لن يقع بعد الان.