من الرسالة إلى الحضارة – ناجح صالح

 من الرسالة إلى الحضارة – ناجح صالح

 

جاء الاسلام برسالة هي الأخيرة بين الرسالات ، وهي رسالة شاملة لا تحريف فيها ولا تشويه ولا نقصان .

دستورها القرآن وحامل رايتها نبي الله محمد بن عبد الله .

رسالة غايتها الأولى التوحيد ونقض الشرك وهدمه ، وأن الايمان باله واحد هو حقيقة لا تقبل الانكار أو الاستعلاء .

 بدأت الرسالة بواحد ثم بأعداد قليلة وسط مجتمع وثني ورث الوثنية من قرون خلت ، انه دين الآباء والأجداد ، وضاعت دعوة ابراهيم بين زحام الأوهام والخرافات ، ولم تعد قريش تأبه بها أو تذكرها .

 ورغم أن الرسالة واضحة جلية ونورها لا تحجبه ظلمة الا أن كبار قريش كانوا بالمرصاد لمواجهتها فاستخدمت كل أسلحتها لردع الفئة المؤمنة الصابرة لتجردها من ايمانها دون أن تهتز لهذه الفئة شعرة للردة الى الدين القديم .

انه الضوء الذي تسرب الى القلوب زاحفا الى كل ذرة من ذرات البدن فلا تراجع مهما كان التعذيب الشديد .

 ماذا أعطتهم الرسالة ؟ أية شحنات من نور ؟ وأي رجال هم ؟ من أي معدن ؟ انهم بعبارة موجزة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

 ان هذه الرسالة نجحت في عقدين من الزمن أن تفرض عقيدتها في أرجاء الجزيرة العربية ، ثم أنها بعد بضع سنوات أخرى توغلت الى بلاد فارس والروم .

ترى ما الذي كان وراء نجاح هذه الرسالة !

 ان هذه الرسالة حولت حياة أمة بل أمم من وثنية وشرك الى توحيد .. من ظلم فادح الى عدل ، من فرقة الى مساواة ، من مساوئ الأخلاق الى محاسن الأخلاق .

حوت كل الفضائل التي لا يمكن عدها ولا حصرها .

 أما كيف تحولت هذه الرسالة الى حضارة دون أن تفقد معنى الرسالة ومحتواها فان الاسلام لم يترك جانبا من جوانب الحياة الا بحث فيه ووضع علامات شافية لكل جروح الانسان ومعضلاته ، فهو دخل في صميم الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع ، وعالج قضايا الأسرة وكل المعاملات التي تترتب عليها .

انه لم يهمل شيئا من أمور الدنيا عدا الآخرة التي اليها المعاد .

 وعلى مر الأعوام نشأت حضارة اسلامية مستمدة من عظمة هذا الدين ، تعلو ولا يعلى عليها ، شملت أقطار واسعة من الأرض .شش

 تمثلت هذه الحضارة في العمران والآداب والفنون وفي كل كنوز المعرفة التي حمل شعلتها ألاف العلماء الذين أسهموا في ضخها ونشر عطرها في كل حدب وصوب .

ألم تكن بغداد قبلة العالم لخمسة قرون أعطت من كنوزها وعلومها ما أعطت للبشرية جمعاء !

ألم تكن الأندلس حاضرة الرقي والتقدم لثمانية قرون في بقعة من الأرض الأوربية كانت شعوبها على حال من الهمجية يرثى له ؟

 ورغم أن الاسلام تعرض الى هجمات شرسة من أعدائه ورغم أن دولته تشتتت وتفرقت وضعفت الا أنه لا يزال يحمل في طياته عمق تلك الرسالة وفحواها وما تحويه من حضارة متألقة لا يمكن أن نتجاهل قيمها ومعانيها .

كركوك