من الذي سجن محمد خضير؟
نوزاد حسن
دهوك
في الحقيقة لم اتفاجأ بنتيجة الاستطلاع الذي اجريته على مجموعة من الناس،وكان سؤال محددا وهو:من هو محمد خضير.وكانت النتيجة ان اكثر من خمسين شخصا لم يعرفوا هوية القاص الكبير.وكان كل من سالتهم تقريبا يحملون شهادات جامعية في اختصاصات علمية وانسانية.ولكي لا ابدو متسرعا وغير واقعي فانا اود الاشارة الى ان العنوان الذي وضعته للمقال هو في جوهره سخرية من طريقة تعليمنا على الاقل.وهذا يعني ان مناهج التعليم عندنا تفتح ابواب العقول والشهرة لاي مثقف تضعه في صفحتين من اي كتاب للادب في اية مرحلة دراسية.وقد تعرفنا على كثير من الشخصيات الادبية عن طريق مناهج تعليمنا التي تحتاج الى غربلة حقيقية بكل معنى الكلمة.
لكن هل يمكن القول ان جزءا كبيرا من ضياع مجد القاص الكبير تتحمله وسائل الاعلام والتعليم والمناقشات النقدية الجادة.اقول باطمئنان:نعم.ولا يعني هذا من جهة اخرى اي تقليل من ثورة التغيير الجمالي التي اودعها القاص في كتبه.انا اقول بثقة اكبر اننا لم نصل بعد الى اعماق ما كتبه محمد خضير.وعلى النقد ان يقدر الخسارة الكبيرة التي لحقت بالادب العراقي جراء اهتمام النقاد بالشكليات التي تكشف عن افتقار كبير للاصالة وقوة الصوت.
شعبيا ظلت كتابات مبدعنا بعيدة عن التناول..ونقديا كان مصيره اغرب مما حدث على المستوى الشعبي.اعتقد اكثر من ناقد ان محمد خضير كتب باسلوب ظاهراتي جديد على الادب العراقي.تبدو هذه فكرة طريفة.هكذا النقد عندنا يطلق فكرة ما تماما كما يخرج الساحر حمامة من قبعة.ماذا بعد ذلك لا شيء.لقد سجن الناقد القاص.ترك النص النقدي مبدعنا في زنزانة باردة جدرانها لغة الناقد الكئيبة.وهذا كما ارى انا قصة غريبة تقع دائما ولا بد من الحديث عنها قليلا.
في فرنسا شكا بودريارد الفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير من تجاهل كبير له.ففي امريكا تكتب عنه عشرات الكتب،اما في فرنسا فلا احد يتذكره.نسيان شعبي ونقدي..يترك في الفيلسوف احساسا بان مؤامرة ما تحاك ضده.هذا الانفعال الفلسفي له معنى عميق جدا وقد يكشف الوضع عندنا ايضا.نحن لا نحلل الاشياء والمواقف بهذه الطريقة.لاننا نريد ان نتصرف باناقة اكثر تحفظ لنا مكانتنا الثقافية وكرامتنا المصنوعة من الماس.لن تصادف مثقفا عراقيا يظن انه مغمور او قليل الحضور..كل مثقف ينام في ارجوحة حلمه الذي خلقه لنفسه.اذا كان احدهم مغمورا فان هذا يعود الى علاقة السلطة بالثقافة. يالهذه الفكرة المسمومة..لن تنتهي ابجدية هذه القصة.ولن نكون شجعانا كذلك الفرنسي ونعترف اننا منسيون لان هناك من يريد ذلك.السلطة تتجاهلنا لكننا موجودن واكثر خلودا منها.هذه هي فكرتنا الخادعة.
اذن لا مشكلة في النسيان الاجتماعي والنقدي لهذا القاص الصامت والهاديء كتمثال بوذا.لا مشكلة ما دام المعري اكتشف حلا سحريا لاحد كتبه كما زعم البعض حين قال دعوا كتابي الفصول والغايات في المحاريب اربعمائة عام حتى تصقله الالسن.الفكرة هجومية ولا تليق بالمعري وانا استبعدها لكن فيها شيئا من خلود غير مرئي.بمعنى ان قصص محمد خضير تحتاج الى زمن اطول لتتفجر كبركان جمالي يمنحنا مفاهيمه الدقيقة،ويشعرنا قليلا بالفجوات المثلجة التي تتخلل جغرافيا ثقافتنا العراقية.وعلى اية حال فان ما قاله بوشكين يوما ينطبق على ما نعيشه هذه الايام.ولن تكون كلمته او شكواه الفنية عن وجود شعر في روسيا وعدم وجود نقد ابداعي الا لحظة مكررة في عمر الجمال الذي لا تحده السنوات.يصح ان نقول ان لدينا فنا قصصيا دون وجود نقد حقيقي ينسجم مع نظرتنا الى الكون وحاجتنا الانسانية الى الفن.
لدى محمد خضير ريبة كبيرة تتعلق بشعوره ان العالم لا يستحق ان يحدث فيه كل ماحدث.ليقرا من يشاء مقدمة كتابه في درجة 45 مئوية او قصته ساعات كالخيول.هناك اصرار جمالي على الانتباه ومتابعة الاشياء.من هنا اراد النقد ان يفسر هذا الميل فعثر على كلمة الظاهراتية،وحاول ان يسجن القاص بها كما قلت.الا ان الحقيقة النقدية ليست هذا الفهم السطحي..انها اكبر من هذا السعي العنيد لتحنيط تدفق الجمال في كلمة.واذا اردنا ان نصل الى ومضة من فهم حقيقي فعلينا ان نقرا نصوصه مرة ثانية وبدقة اكبر.
لا بد اذن من الشروع باعادة النظر في كل ما قلناه عن نتاجات هذا الكاتب منطلقين من فكرة بسيطة جدا وهي لماذا استحوذ العالم باصغر تفاصيله على القاص واغرقه فيه..؟وكيف عبر عن هذا الاستحواذ الفني بامانة ستينية كما احب ان اصف بعضا من كتابات الستينيين..؟
المهم لا بد من تحرير النص من سجن الناقد..واطلاقه لسماء الجمال الجديدة.























