
القيم الوطنية في الإعلام العراقي
من التراجع الى ضرورة الإستعادة – علاء العاني
لم يعد خافياً أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الخبر أو عرض المعلومة، بل هو أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الاتجاهات العامة داخل أي مجتمع. وفي الحالة العراقية، يكتسب الإعلام أهمية مضاعفة بحكم تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، وتداخل العوامل الداخلية مع التأثيرات الخارجية. غير أن هذه الأهمية لم تُستثمر على النحو المطلوب، بل شهدت في مراحل معينة تراجعاً ملحوظاً في الالتزام بالقيم الوطنية، الأمر الذي انعكس سلباً على بنية المجتمع وسلوكه العام.
منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة عام 1921، كان الإعلام – رغم ما شابه من قيود وسيطرة حكومية – يعمل ضمن إطار عام يحافظ على الحد الأدنى من الانضباط المهني، ويركز في خطابه على مفاهيم السيادة الوطنية والهوية الجامعة. لم يكن ذلك الإعلام مثالياً، لكنه كان يتحرك ضمن منظومة قيمية واضحة نسبياً، تجعل من مصلحة الدولة والمجتمع سقفاً عاماً للخطاب الإعلامي.
ضوابط مهنية
لكن التحول الكبير الذي حصل بعد عام 2003 لم يكن مجرد انفتاح اعلامي، بل كان انتقالاً الى حالة من التعددية غير المنظمة التي افتقرت في كثير من الأحيان الى الضوابط المهنية والأخلاقية. فقد شهد العراق انفجاراً هائلاً في عدد القنوات الفضائية والصحف والمنصات الرقمية، إلا أن هذا التوسع الكمي لم يواكبه تطور نوعي في المهنية أو الالتزام الأخلاقي. بل على العكس، دخلت إلى الساحة الإعلامية جهات متعددة تحمل أجندات متباينة، بعضها سياسي أو حزبي أو طائفي، وبعضها الآخر مرتبط بمصالح خارجية، مما أدى إلى تشويه وظيفة الإعلام وتحويله في كثير من الأحيان إلى أداة للصراع والدعاية بدلا من ان تكون منصات للحقيقة وخدمة المجتمع. وهنا تتجلى مقولة الفيلسوف الإيطالي انتوني كرامسي (1891-1937) الذي اشتهر بنظريته حول الهيمنة الثقافية عندما قال (السيطرة على الوعي لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض) أذ أصبح الاعلام ساحة لصراع الارادات، لا فضاء لبناء وعي وطني مشترك.
في ظل هذا الواقع، تراجعت القيم الوطنية في الخطاب الإعلامي، وغابت مفاهيم السيادة والاستقلال والكرامة الوطنية عن أولويات العديد من الوسائل الإعلامية. وأصبح من المألوف أن نجد خطاباً يبرر التدخلات الخارجية أو يدافع عنها، سواء كانت أمريكية أو ايرانية او غيرها، في حين تراجعت الحساسية تجاه انتهاك السيادة الوطنية. بل إن بعض المنابر الإعلامية لم تعد ترى في هذا التدخل مساساً بالوطن، بقدر ما تنظر إليه من زاوية المصالح الضيقة أو الاصطفافات السياسية.
اعلام مهني
هذا الانحراف في الخطاب الإعلامي لم يأتِ بمعزل عن نتائج خطيرة، أبرزها المساهمة – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تكريس الفساد وتطبيعه. فعندما يغيب الإعلام المهني المسؤول، الذي يكشف الحقائق ويحاسب الفاسدين ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، يصبح الفساد ظاهرة مقبولة أو على الأقل غير مرفوضة بالقدر الكافي. كما أن انتشار الأخبار غير الموثقة، والخطاب التحريضي، وحملات التشويه، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسساته، وخلخلة النسيج الاجتماعي.
وفي المقابل، حين ننظر إلى تجارب إعلامية في دول أخرى، تقدم نماذج مختلفة لدور الاعلام في حماية القيم الوطنية، ففي الولايات المتحدة الامريكية، لعبت صحيفة الواشنطن بوست دورا حاسما في كشف فضيحة ووترغيت، في مثال واضح على ان الاعلام الوطني يضع الحقيقة فوق السلطة، من هذا نلاحظ أن حرية الإعلام – على أهميتها – لا تعني غياب الضوابط الأخلاقية. فهناك قيم مهنية راسخة، مثل تحري الدقة، وتجنب الكذب، واحترام كرامة الإنسان، وعدم الانحياز الفج للمال أو السلطة. هذه القيم ليست شعارات، بل هي جزء من الثقافة المؤسسية التي تحكم العمل الإعلامي، وتسهم في حماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى.
إن المشكلة في الإعلام العراقي اليوم ليست في التعددية بحد ذاتها، بل في غياب الإطار القيمي الذي ينظم هذه التعددية ويوجهها نحو خدمة المجتمع. فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة، إذا ما استند إلى قواعد مهنية واضحة، لكنه يتحول إلى عامل هدم عندما يُترك بلا ضوابط.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار للقيم الوطنية في الخطاب الإعلامي العراقي، بوصفها أساساً لأي إصلاح حقيقي. ولا يعني ذلك العودة إلى الإعلام الموجه أو تقييد الحريات، بل يعني بناء إعلام حر ومسؤول في آن واحد، يوازن بين الحق في التعبير والواجب تجاه الوطن.
ولتحقيق ذلك، يمكن طرح مجموعة من المسارات العملية
أولاً، تعزيز التربية الإعلامية لدى العاملين في هذا المجال، من خلال التركيز على أخلاقيات المهنة، وربط العمل الإعلامي بمفهوم المسؤولية الاجتماعية.
ثانياً، دعم المؤسسات الإعلامية الوطنية المستقلة، التي تضع مصلحة العراق فوق أي اعتبار آخر، وتعمل بعيداً عن الاستقطابات الحزبية والطائفية.
ثالثاً، تفعيل الأطر التنظيمية والقانونية التي تضمن حرية الإعلام، وفي الوقت ذاته تحاسب على التجاوزات المهنية، مثل نشر الأخبار الكاذبة أو التحريض على الكراهية.
رابعاً، تشجيع الخطاب الإعلامي الذي يعزز الانتماء الوطني، ويعيد الاعتبار لمفاهيم السيادة والاستقلال والكرامة، بوصفها قيماً أساسية لا يمكن التفريط بها.
خامساً، إشراك الجمهور في عملية تقييم الأداء الإعلامي، من خلال تعزيز ثقافة النقد الواعي، وعدم الانجرار وراء الخطابات المضللة أو التحريضية.
الكلمة الصادقة قادرة على بناء الوعي الوطني .
ان التحدي الحقيقي امام الاعلام العراقي اليوم لا يكمن في قلة الوسائل، بل في غياب البوصلة القيمية التي توجه هذا التنوع. ومن هنا ،تبرز الحاجة الى إعادة الاعتبار للقيم الوطنية بوصفها أساسا لأي اصلاح اعلامي حقيقي دون ان يعني ذلك تقييد الحريات ،بل تنظيمها ضمن إطار من المسؤولية المهنية ، ولتحقيق ذلك ،يصبح من الضروري العمل على تعزيز أخلاقيات المهنة التي تحاسب على التضليل والتحريض فضلا عن تشجيع الخطاب الذي يعزز الانتماء الوطني ويعيد الاعتبار لمفاهيم السيادة والاستقلال والكرامة.
فالدفاع عن الوطن لا يكون بالسلاح وحده، بل بالكلمة أيضاً، فالكلمة الصادقة قادرة على بناء وعي، وحماية مجتمع، ومواجهة الفساد. وإذا كان العصفور يدافع عن عشه، فإن الإعلامي أولى بأن يدافع عن وطنه، لا بالشعارات، بل بممارسة مهنية صادقة تضع الحقيقة فوق كل اعتبار.


















