منولوج بغداد بعد منتصف الليل

منولوج بغداد بعد منتصف الليل
كلنا يعرف بغداد كانت عاصمة الدنيا ، وكانت قبلة يتوجه إليها طلاب العلم وطلاب الشهرة والمال والمجد، الكل يؤمها ويحلم بها جميع الناس ، شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، ليس بسبب موقعها الجغرافي فحسب ، بل السبب الرئيس هو نظام الحكم ،الحكام والخلفاء الذين لزموا بزمام أمورها ، ونجحوا بحكم هذا البلد الجميل والعريق ومنها حكموا أقطار واسعة وشاسعة ، سكن فيها العديد من الأجناس ، من مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة وغيرهم ، والعدد من الأعراق عرب وأكراد وتركمان وفارسيين وقوقاز ورومان ، الكل عاش بوئام ، لان لم يكن يربطهم الرابط الديني والعرقي بل كان يربطهم حبهم وانتمائهم للبلد ، يشعرون بان كل واحد هو ابنه، هو من ولده وان جاءه غريب فهو يحتضنه ويرعاه وسرعان ما يشعر بانتمائه له، فكيف لا وهو من يمنحه المجد والمال والشهرة وراحة البال .
وكل مدينة تصبح منارة للعلم ويتهافت عليها كل من يصبوا إلى التقدم سيكثر حسادها ومفسديها ، ستعمل معاول جمة بهدم أسوارها وهدم أركانها ، الحساد موجودون في كل مكان وفي كل زمان ، لا تخلو مدينة ولا يخلو شخص من الحساد والمفسدين ، هذا أمر طبيعي وليس بالغريب ، والحل الوحيد للتصدي لهؤلاء هو التسلح العقلي والمنطقي، تسلح شعب المدن بالحب والولاء المطلقين للمدينة ، لا تسقط المدن بيد المحتلين ، بل إنها تسقط بيد أبنائها ، وان احتلت وان انتهكت ، العدو مثل الحيوان المفترس ، ينظر إلى قطيع الحيوانات يبقى يتربص حتى يجد اضعف الفرائس يصوب نظره إليها ومن ثم يفترسها ، كذلك الأعداء والمحتلين لا يقدموا على مدينة محصنة بل انهم يدرسوا جميع المدن وأيهم اضعف يتم اجتياحها ، هو يبحث عن مواطن الضعف .
وهذا هو حال أمنا بغداد ، لقد انهارت بأيدي أبنائها ، لم تسقط بيد الغزاة ، هم يبعثون ويرسلون من يهدمون بمعاولهم ، لكن إن لم يكن لديهم موطن قدم فلن يأتوا .
أي شخص وأي مدينة عندما يصيبه المجد يلتف من حوله أناس كثر ، يتملقون له ويحملونه فوق أكتافهم ، لكن لو سقط فسينكرونه ويتبرأون منه بل سيصوبون له سباباتهم ويلعنونه ، عندها لا يشعر بشيء إلا شعوره وكأنه غانية كانت جميلة والكل كان حولها ، الكل يطمح بالحصول على نظرة يسيرة منها ، لكن عندما يأكلها الزمان وتشيخ ، وتعشش في وجهها أخاديد ووديان من التجاعيد عندها ستوصف بالغانية اللعينة ، لعنها الله بسبب آثامها وبسبب نزواتها ، والجميع سيقذفها بأبشع التهم وأبشع الألقاب ، وهاهي بغداد الآن أول من يلعنها هم أبناءها ، يلعنونها ويفجرونها ويستبيحون أبناءها وبناتها ، يغتصبونها كل يوم أمام مرأى الناس ويرمون النفايات عليها ، لذا انزوت وانطوت على نفسها عاشت بعزلة صامتة تبكي وتندب حالها ، ليس هناك مدينة تجاورها وتحكي معها ، وليس هناك من يسمعها ، فكرت أن تذهب إلى دار العجزة معلنة استسلامها أمام هرمها ، معلنة عن عجزها عن إعالة نفسها ، تبيت كل يوم باكية ، لقد أحرقت الدموع وجنتيها ، وقطعت التفجيرات أطرافها ، أصبحت مشلولة أرملة ويتيمة وثكلى ، زوجها استشهد وأبوها قتل وأبنائها بعضهم لحق بابيه بعضهم الآخر ذهب وغادرها معلنا سفره لإحدى الدول، ملها ونبذها ، تنادي كل يوم لجيرانها لكي يحملونها ، لكي يعينوها ، لكن أي جار وأي أهل ، الرصاصات تنطلق منهم ، هم أعداءها ، وكيف لا يكونون أعداءها وهم يرون أبناءها يتخلون عنها ويلجأون إليهم ويصفونها بأبشع الأوصاف ، لذلك لم يعد يسمعها إلا الله ، فهو المغيث ، وهو القادر على سماعها ، وبعد كل انفجار تلجأ إلى ركن صغير في إحد أزقتها ، لا تريد أن تسمع بقية الأمهات وهن يبكين مثلها ، هي تعرف أحزانهن لأنها أم فقدت أبناءها قبل هذه الأمهات .
وفي ليلة البارحة وبعد الانفجارات العديدة والضحايا البريئة والدماء الزكية التي سالت على أرصفة الشوارع الكئيبة ، تعبت بغداد من يومها ، ترملت وتيتمت وثكلت في آن واحد ، باتت تأن من جراحها ، لم يساورها النوم مبكرا ، وضعت رأسها على وسادة صلبة ، تريد مشاركة النساء العراقيات أحزانهن ، باتت تبكي ، لأنها تذكرت أيام المنصور وهارون، أيام المتنبي والأصمعي ، ايام الجاحظ والخطيب البغدادي، أيام عزها ومجدها ، أيام كانت قبلة لجميع الناس ، حزنت على حالها لأنها عرفت بان ربيعها قد أصبح خريفا والكل تبرأ منها ، تمتمت عدة أبيات شعرية ربما لم تكن متناسقة فهي قلقة في ذاتها فخرجت أبيات قلقة ، ساعة تذكر ماضيها وساعة تذكر حاضرها وساعة أخرى تناجي الباري …….
في الأمس بت حزينة
لم اقترف إثما ولا ذنبا ولا جريمة
سوى إني فاتنة جميلة
بت أبكي على شهدائي الأبرياء
وأئن من جراحي العصماء
لم اعرف لماذا جرحت
ولماذا نزفت كل هذه الدماء
نظرت بعين حزينة ملؤها الكبرياء
ملؤها الم واسى وإباء
رفعت يدي إليك أيها الباري للدعاء
وقلت : يا رب لا تشمت بي الأعداء الحاقدين
ولا تجعلني رهينة بيد القاتلين الغاشمين
فانا فاتنة حسناء جميلة
عشت قرون وأنا مليكة
والآن أصبحت أسيرة ذليلة
الكل يتهمني بذنوب أنا منها بريئة
لم أكن يوما عربية أو كردية
مسلمة أو مسيحية
سنية أو شيعية
كنت وما زلت مدينة السلام
مدينة حكمت الدنيا بإحكام
كنت قبلة العلماء والحكام
والآن أصبحت ذليلة تخشى خيالها
ومائدة شهية قدمت أمام ذئابها
وكأس خمر قدمت أمام سمّارها
وهنا غلب النوم على أجفانها ولم تكمل مخاطبة ذاتها ، ربما ستكملها على انفجارات أخرى ودماء أخرى ، وهي لا ترجوا أن ترى بعد الآن أي دماً وأي ظلما ، باتت وهي جائعة لأنها لم تأكل ولم تشرب ، لزمت صمتها وصيامها، فالصمت والصيام من شيمة الحكماء .
سيف شمس الدين الالوسي – بغداد
AZPPPL