
ملتقى ثقافي بين الإبداعات الفنية وطروحات الأفكار
رياض عبد الكريم
لم استغرب في زيارتي الاولى لهذا المكان في منطقة دير غبار في عمان وعيناي تتنقل بين فضاءات الالوان ومساحات اللوحات التي غطت الجدران بالكامل ، بعدما عرفت ان هذا الكاليري تديره سيدة عراقية هي اصلا فنانة تشكيلية رسوماتها المعلقة تذكرني بالاجواء البغدادية وكأن بغداد ماثلة امامي ، من خلال طبيعتها ، تراثها ، ضحكات والعاب اطفالها ، زركشات ملابس نسائها ، بل وحتى ادوات منازلها ، فهي بالتأكيد عندما ترسم تنسى انها في غير بغداد ، فقد ارادت لبغداد ان تكون في كل مكان ، ليشاهدها الناس اولا ، ولكي يحبوها ثانيا .
كنت صامتا ومستغرقا في النظر متأملا وجه طفلة وكأن نظراتها تتجه نحو المجهول ، واذا بصوت اشبه بالهمس يقطع صمتي قائلا : اهلا وسهلا انا مينا الصابونجي صاحبة الكاليري ، رحبت بها وقدمت لها نفسي وعرفت منها انها تقوم باعمال السيراميك ايضا . رحبت بي اكثر وبمودة ورقي عندما عرفت انني مدعو من قبلها لالقاء مداخلة فكرية في امسية الكاليري حول رسومات الفنان علي رضا حول معرض البورتريه الذي اقامه في عمان وقالت يشرفنا ان تكون معنا في هذه الامسية وذهبت لاستقبال المدعويين .
وانا اتطلع حولي لعدد المدعوين الذين بدأ يزداد عددهم احسست ان للفن قيمة كبرى في نفوس الناس وبالاخص العراقيين المتواجدين في عمان ، وكيف لاتبدو هذه القيمة شغوفة في النفوس وان من يوفر اجوائها امرأة وفنانة وعراقية ، فهي حتما تتجسد في روحها وفكرها قيم الحب والعشق لتأريخ طويل كان التشكيل العراقي فيه احد اهم ركائز الثقافة التي تخرج من مدارسها كبار وعظماء الحركة الفية العراقية وانتشرت رسوماتهم في كل انحاء ومتاحف العالم ، فهي اليوم تريد ان تؤكد وجود واستمرارية هذا الفن من خلال تواصل الاجيال المتعاقبة التي سلكت ذات الطريق الذي سار فيه الرواد والاوائل .
والشيء الاعظم وهذا مايفرحني ان تجد نماذج من العراقيات في كل مكان وهن يتألقن في فضاءات التميز والابداع تعلو هاماتهم صرخة مدوية : نحن هنا وسنكون ، وفعلا حققن وجودهن وتناغمن مع الرجال في كل الشؤون والاعمال .
ولم تكتف الفنانة مينا ومعها من يشاركها صنع المبادرات والافكار ومنهم الاكاديمي الدكتور محمد ثابت البلداوي مسؤول الجالية العراقية في عمان بما قدمته من معارض انما قررت هي ومجموعتها ان تتوسع في العمل والانجاز وتطلق اسم ملتقى الصابونجي الثقافي بدل كاليري مينا لتؤسس صرحا ثقافيا لنشر الفكر والمعرفة وتبادل الافكار من خلال استضافات عديدة لنخب من المثقفين والصحفيين والفنانين وذوي الاختصاص وهم يلقون محاضراتهم اسبوعيا في هذا الملتقى. كلمة ثناء تستحقها كل المبادرات الايجابية والخلاقة ، ولابد من الاشارة اليها وبالاخص عندما تعبر عن جدية وتفاعل الجالية العراقية في عمان وتحاببهم بل ودعمهم للابداعات التي تعكس روعة الانتماء لوطنهم العراق العظيم ، وتعكس قيمة ورقي هذا البلد عندما يتوج تأريخه ابداعات ابنائه واجياله وهي تحكي قصص والتماعات حضاراته عبر مر العصور .
وتحية للفنانة المتألقة العراقية المثابرة مينا الصابونجي ومجموعتها وهي التي اصبحت كالنهر الذي يشق مجراه في عوالم الغربة التي لم تبعدها او تنسيها وطنها واهله الكرام ، وهي تصنع الجمال وتوفر لهم فرص اللقاءات وتناغم الارواح وهي تتعانق حبا ومودة واخاء .






















