ملاح الشواطئ البعيدة وهاجس النهايات عند رمسيس لبيب
قص يعالج المنطقة الملغزة للواقعية
شوقى بدر
فى مجموعته القصصية الأخيرة ملاح الشواطئ البعيدة تتجمع الخطوط الأساسية لتجربة القصة القصيرة عند القاص الراحل رمسيس لبيب والتى بدأ تشكل خطوطها، وملامحها الأساسية منذ أواخر الستينيات من القرن الماضى، حيث تضمنت هذه المجموعة الجديدة كل ما صدر لرمسيس لبيب من مجموعات قصصية خلال تلك الفترة، وحتى الآن، إضافة إلى ما نشر بعدها من قصص فى العديد من الدوريات المصرية . وقد جاء هذا الإصدار أشبه ما يكون بتجميع للأعمال غير الكاملة فى مجال القصة القصيرة، حيث تضمنت مجموعته الأخيرة ثلاث مجموعات قصصية سبق صدورها فى فترات متباعدة، جاءت على التوالى كالآتى الحب فوق مستطيل الضوء الشاحب 1972، الجنون 1979، الطرق على الباب الرمادى 1988 بالإضافة إلى مجموعة أخرى من القصص القصيرة كتبت بعد ذلك، وحملت العنوان الرئيسى للمجموعة كلها ملاح الشواطئ البعيدة ، وهو نفس العنوان الذى حملته إحدى قصص المجموعة، والتى جاءت على شكل مونولوج داخلى طويل جسد فيه الكاتب معالم البحث عن الذات، وعن هاجس الزمن الضائع، وعن الحنين إلى الأمن، والطمأنينة والأمان الذى طالما راودوه على الطريق طويلا، وسعى إليهم دائما وبحث عنهم طويلا، لذلك عبر عنها فى هذا النص الشاعرى بإلحاح شديد، وقد جاءت ملامح هذا التعبير وظلاله قريبة الشبه بما عبر عنه بودلير فى قصيدته تماثل ، والتى أجتزأنا مقطعا منها وصدرنا بها الدارسة ورأينا أن ملامحها تشبه إلى حد كبير نفس الملامح والظلال التى جسدها الكاتب فى هذا النص، بل وفى العديد من قصص المجموعة .
والمتتبع لتجربة رمسيس لبيب فى مجال القصة القصيرة يجد أن نصوصه القصصية منذ بدايتها وبواكيرها الأولى لها خاصية تناول المنطقة المجهولة الملغزة للواقعية، وهى المنطقة التى يجد فيها الكاتب نفسه يختار من الواقع أحداثا لا يتطرق إليها أحد غيره . يضع فيها خلاصة ما تحتويه رؤيته الخاصة، ووجهة نظره تجاه قضايا الإنسان والواقع، بل ويضع فيها أيضا ملامح من تجربته الذاتية تجاه هذا الواقع المعيش والمحيط به . كما نجده أيضا يحتفى بخاصية البحث عما وراء الواقع من خلال الواقع ذاته، وهو فى سبيل ذلك يهتم بالعلاقات الداخلية للنص من لغة مكثفة لها مفرداتها التعبيرية الخاصة، وتنضيد خاص يعمد فيه إلى إيجاد تطابق بين غرابة بعض الأحداث، ومحاولة تبرير هذه الغرابة فنيا، وكذلك إسقاط الخاص الذاتى على العام الجماعى، وآلية التعامل مع الحدث والشخصية من خلال وعيه الخاص المرتبط بأحداث هو يعرف كنهها جيدا، بل ربما هو عايشها معايشة فعلية، لذلك فهو يعوّل عليها بإلحاح شديد، وتركيز يصل إلى حد الاحتدام والتطرف، كما أنه يلجأ فى صياغته الفنية دائما إلى تعميق التجربة القصصية من خلال لحظات مأزومة يخترق أطرها، ويشرك فيها المتخيل كى يؤصل أحداثها، ويسقط عليها وقائع ذاتية نابعة من منطقة الهواجس والتأزمات النفسية والكابوسية المستثارة دائما فى سرده القصصى، وهو يحاول أن يسقطها على الواقع ليحيله إلى منافذ للضوء يستخرج من خلالها أبعادا دلالية تجسد ما يحدث فعلا على المستوى العام، مستخدما أحيانا قناع الرمز، والعبثية التى تتملئ بها الحياة، والمراوغة التى تتسم به فنية وبنية القصة القصيرة فى كثير من الأحيان، كل ذلك من خلال لغة فيها من الشفافية والشاعرية ما يجعلها تتجاوز المناطق الغامضة والملغزة أحيانا فى بعض هذه القصص لتعبر عن الطاقة القصوى لاستيعاب شكل القصة عنده لآليات الموضوع الذى يريد التعبير عنه وتجسيد ملامحه، وإنتاج معنى القصة بكل ما تحتويه من بدلالات، وتأويلات داخل النص .
والعجيب فى أمر هذا العالم القصصى الثرى الذى بدأ ظهوره منذ أوائل الستينيات، عند رمسيس لبيب، والذى نشرت معظم قصصه فى الدوريات المصرية والعربية خلال تلك الفترة، أن الجانب النقدى، والدراسات المتعلقة بالقصة القصيرة لم تقترب منه إلا على إستحياء، وفى النذر اليسير، على الرغم من عمق التجربة التى مارسها الكاتب، والتى أصلت كثيرا من نصوص قصصه القصيرة، ومنحتها كثافة متميزة فى هذا المجال، وأفردت لها مساحة لا بأس بها وسط جيله من كتاب القصة القصيرة فى مصر .
وقد سعى رمسيس لبيب منذ بداياته الأولى فى كتابة القصة القصيرة إلى كبح جماح الخطاب الأيديولوجى الفارق لتجربته كلها قدر المستطاع حتى لا يتأثر المبنى الأستعارى للسرد والمقام على خطوط من التجربة الواقعية، وحتى لا يتباعد تآلف المعانى والدلالات التى يحاول سبر أغوارها فى كثير من بنى هذه القصص، وحتى لا تطغى رؤيته العامة وتجربته الذاتية، على التجربه الإبداعية، فيتحول الفن لديه إلى بيان ومانيفستو يحوى رؤى سياسية جامدة، يختفى على أثرها الوجه الحقيقى للإبداع القصصى والروائى فى عالمه، ويحل محله جانب فكرى آخر .
الثلاثية الأولي
والقارئ لمجموعاته القصصية الثلاثة الأولى يجد أنه قد نجح فى ذلك عدة مرات إلا أن الأمر كان عادة ما ينفلت رغما عنه، ونجد أن بعض النصوص تتجسد فيها الرؤية الأيديولوجية واضحة، ليمرر من خلالها أحيانا رؤية التجربة الماثلة أمامه بقتامتها وتأزمها، وأبعادها الخاصة، ويفرض عليها منحى مغايرا يعود به إلى الحافة الخطرة للواقعية، وهى حافة سيرة المتخيل المتحلقة حول الذات كلما كانت الذات فى حاجة إلى تخيّلها، وهى بمعنى أوضح تجربة السجن بأبعادها، وذاكرتها وهواجسها الخاصة والتى لا بد أن تلح إبداعيا فى نص أو آخر .
وفى مجموعته الأخيرة ملاح الشواطئ البعيدة ، والتى تضمنت أعماله القصصية كلها تقريبا، نجد ثمة محاولات لمراجعة شاملة لتجربته، ورؤيته الخاصة فى جعل القصة القصيرة مسرحا لمزيد من التعبير الدلالى المستوحى من الواقع المأزوم، والمغترب نفسيا وجسديا، بل والمستثار فى بعض الأحيان، كما نجده أيضا يلجأ فى بعض النصوص إلى التجريب فى بنية النص، ليجسد من خلال ذلك معالم كابوس طويل فيه من العبثية المنهكة للعملية السردية، والمعبرة فى نفس الوقت عن آلية خاصة فى الصياغة، وفى التعبير عن نسق إنسانى، ذاتى جسد فيه الكاتب ملامح من رؤية، وتجربة تحتمل معها كل الممكنات على مستوى الواقع، وقد حرص الكاتب على أن يحشد لها من قضايا ومشكلات المجتمع وممارساته ما جعله يحاول الاستفادة من التجربة الإنسانية المليئة بالمتناقضات الفجة، وبتحولات بعض قيم المجتمع المتمثلة فى الرذيلة والفضيلة، والخير والشر، والعدل والظلم، والأبيض والأسود، والاحتباس والانفراج، والدهشة وسوء الفهم وغير ذلك من المتناقضات لإيجاد رؤية مجسدة لعالمه القصصى الملغز فى بعض نصوصه، والمضبب فى بعض مواقفه ومشاهداته .
ولعل الازدواجية فى التعبير فى قصص رمسيس لبيب وهى المحور الأساسى الذى سنحاول التوقف أمامه نقديا وتحليليا من خلال محاولة إضاءة جوانب من بعض نصوص مجموعته الأخيرة ملاح الشوطئ البعيدة والتى ترتكز على حافة الهاجس الذاتى للسارد الكاتب» الراوى ، والنسغ الرمزى القائم على دلالات، منبعها ممارسات الواقع التى مر بها الكاتب، وقضايا الإنسان المهموم بها دائما، وملامح الشخصيات المصاحبة له فى صلب هذه الإزدواجية التى تحمل جانبى ووجهى الذات والرمز .
المرايا
ففى قصة المرايا يبذل الراوى جهدا لحل هذا اللغز الذى وجد نفسه فى مواجهته عندما رأى نفسه صدفة فى مرايا أحد الأصدقاء وقد ظهرت على وجهه بعض التغييرات والتجاعيد المصاحبة للسن، ثم نظر إلى نفسه فى مرايا أخرى عند أبنته الصغرى، وأبنته الكبرى فوجد الأمر مختلفا، فقد اختفت هذه التجاعيد، ولم يظهر لها أثر، هنا بدأت هواجسه الذاتية تتحرك، وتقف فى مواجهة هذا السؤال الذى أرقه، هل كل المرايا متشابهة فى الرؤية أم الأمر يختلف من مرايا إلى أخرى، وهل ذاته فى جميع المرايا تبدو واحدة لا يتغير فيها شئ، وهل يجد نفسه فى كل أشكال المرايا دائما فى نسق واحد، أم أن الصيغ فى كل مرآة تختلف من شكل إلى آخر، أو من نوع إلى نوع، لقد جرب بنفسه هذه الخاصية ووجد أن هناك اختلافا، وجرب أن يعتمد الإنسان فى تساؤله، فسأل أقاربه وزملاء العمل، هل هناك تغير طرأ على وجهه، وكانت الإجابة تماما كما أجابت المرايا جميعها، نسبية من شخص إلى آخر، كل يجيبه من وجهة نظره هو . إن ازدواجية التعبير فى هذا النص تنبع من اللغز الذى حاول الراوى فك طلاسمه، وإضاءة جوانبه المختلفة، تارة عن طريق المرايا ذاتها الذى يرى فيها نفسه وذاته، وتارة عن طريق الإنسان، قرينه فى هذا المجال، ولكنه لم يستطع التوصل إلى نتيجة فى كلتا الحالتين، لقد كان هاجسه الذاتى هو الوصول إلى الحقيقة مهما كلفه ذلك بينما النسغ الرمزى وهو الجانب المضاء من ازدواجية التعبير فى هذا النص والذى كان نابعا من الضغط الواقعى على الذات لمعرفة هذه الحقيقة مهما كلفه ذلك من جهد، ولقد كلفه ذلك الأمر فعلا حريته الشخصية، ومع ذلك ظل السؤال يتردد فى جنباته المرايا عذبتنى، ولكنها شغلى الشاغل، أعرف أن ما لا أكتشفه أنا لا بد أن يكتشفه غيرى، ولكننى أعرف بحكم تجربتى مع المرايا أننى الوحيد المؤهل لإكتشاف أسرار المرايا وعلاقتها بالوجوه والأشياء .
الحفلة
حتى فى هذه المكان الذى وضعونى فيه عنوة وأنا أعرف حقيقته أخفى فى ملابسى ثلاث مرايا لا أكف عن النظر إليها فى كل الأوقات . إن ازدواجية التعبير فى قصة المرايا تتضح من الحدث الواقعى للشخصية وما يدور داخلها من هواجس وأسئلة لا تجد لها جوابا شافيا على مستوى الواقع، بينما الرمز الذى يعبر عنه الكاتب داخل المرايا نفسها سواء أكانت مرايا الواقع أو مرايا الذات، هو ما عبر عنه الكاتب فى نسيج النص من خلال الدهشة الكبيرة التى اقتحمت حياته فجأة لتحيلها إلى علامة استفهام كبيرة عجز عن حل إلغازها، وأن كان قد بدد هذا اللغز فى نهاية النص بهذا الالتباس الذى وجد نفسه فيه فجأة وعلى غير انتظار، حيث وجد نفسه معتقلا داخل مرايا أخرى غير متوقعة .
وفى قصة الحفلة ، أثارت نفس الدهشة، ونفس المفاجأة الموجودة فى قصة المرايا الكاتب، الراوى وهو الشخصية المقصودة والمتحلقة حولها مستويات النص وأبعاده المختلفة . إثر وصول دعوة له لحضور هذه الحفلة، لقد حدث شئ غريب أدى إلى دعوته إلى هذه الحفلة المقامة فى هذا القصر الكبير القريب من مسكنه، فما الذى استجد الآن عليه وهو يمر باستمرار أمامه، ولم يلتفت إليه أحد من قبل . لقد تم الاحتفاء به فجأة وبدون مقدمات، وبطريقة مغالى فيها، ولكن فى نهاية الحفلة، وبعد سلسلة من الإغراءات معه بالأكل والشرب والجنس، وجدهم ينضّون عنه ملابسه ويلقون به خارج القصر دونما تبرير لذلك واستفاق على الرصيف شبه عار، وإلى جانبه بواب بيته يلملم ثيابه . إن هذه الأحداث الملغزة، والازدواج الحادث فى سياق السرد بين التعبير عن الذات وبين النسغ الرمزى، هو الذى أثار نفس التساؤل الذى مر بقصة المرايا ، ففيه يبرز وجه التناقض بين الاحتفاء بالشخصية، وما آلت إليه النهاية بعد هذه الممارسات التى تمت معه، لقد كانت النهاية فى قصة المرايا هو وجود الشخصية فى مكان هو يعرفه جيدا، فقد فيه حريته، وكانت النهاية أيضا فى قصة الحفلة ، فقدانه لهويته الذاتية وتحوله إلى شئ يعبثون به، وينضون عنه ثيابه، وكأنهم بذلك ينضّون عنه هويته الذاتية، لقد كانت الهموم واحدة فى الحالتين، ولكن النهاية كانت تختلف عند كل شخصية من الشخصيات بما يجعل الطرح الأستيهامى عند النصين طرح دال على شئ، وقد أبرزه الكاتب فجأة وكأنه يحاول إنهاء هذا الطرح من خلال جملة إعتراضية تنهى المسألة، وليس لإبراز وجه التناقض والازدواجية التى يمتلئ بها المجتمع فى كل توجهاته وممارساته .كذلك فى قصة العتمة نجد أن ازدواجية التعبير فى هذا النص تكمن فى التناقض الموجود فى المشهد القصصى ذاته، بين الذات والرمز، حيث نجد أن هذا المرشح صاحب الفانوس وهو يتقدم بخطوات وئيدة فى دائرته الإنتخابية رافعا فانوسه الكبير المضاء إلى أعلى، ومعه أبنته الصغيرة بقدميها العاريتين، وأربعة من أنصاره المسنين هو تعبير عن التناقض الحاصل على مستوى الواقع بين هذا المرشح الذى لا يملك من إمكانيات تواجده سوى هذا المشهد الهزيل الذى يسير فيه، بينما المنطقة كلها مليئة بأنصار باقى المرشحين والذين يمثلون صخبا شديدا وضوضاء كبيرة، ويرفعون اللافتات الضخمة والمكثفة للمشهد والرامزة إلى مرشحيهم، ويسيرون فى المنطقة بأصوات عالية تصم الأذان . ويحاول هذا المرشح صاحب الفانوس الهزيل إثبات ذاته وسط هذه الجموع الغفيرة، وبأنصاره المسنين وأبنته عارية القدمين . إلا أن أنصاره ينفضون عنه واحدا بعد الآخر حتى لم يبق معه سوى أبنته وصديق واحد تلتقى عيناه بعينها فيبتسم، يضع يده على كتفها، ويرفع باليد الأخرى الفانوس المضاء فى الشارع المعتم، ويرف شئ من الأسى فى بسمته . القصة تعبر عن بقعة ضوء خافتة وسط العتمة التى جسدتها أحد معارك الإنتخابات، وعلى الرغم من أن هذا المرشح كان يرفع فانوسه المضاء ليدلل على تواجده داخل المعركة إلا أن ضعف بنيته أدى إلى ابتعاد أنصاره عنه واحد بعد الآخر، وبالتالى أصبحت العملية الإنتخابية بالنسبة له لا جدوى منها، لقد ساهمت هذه المقاطع الصغيرة من السردية القصصية فى هذا النص إلى بعث نوع خاص من الازدواجية العبثية عند شخصية المرشح الذى يرفع فانوسه المضئ، الرامز إلى رؤيته الخاصة، وسط مرشحين لهم أنصار أقوياء لهم الحظوة، ولهم العزوة التى تستطيع أن تسير بهم إلى النهاية دون خوف أو وجل، إن الرمز الذى لعبه عليه الكاتب فى تيمة هذه القصة هى أن إضاءة هذا الفانوس يجب أن تكون أقوى .
وفى قصة الأسود والرمادى والأبيض يعبر الكاتب بهذا النص عن ملامح الواقع وازدواجيته التى تجسد الوجه الحقيقى للحياة ومعالم القهر والتسلط والقمع السادرة فيها . من خلال بنية تجريبية مقسمة إلى ثمانى مقاطع تمثل متتالية قصصية يتناثر فيها ألوان الواقع المتهرئ، الأسود والأبيض والرمادى، ودلالات كل لون تواجه باللون المقابل، هكذا الحياة اللون الأبيض يزحف نحوه اللون الأسود فى صراع قد يحيل الأمر إلى الرمادى، يظهر ذلك من المقطع الأول التى تظهر فيه العصافير الصغيرة التى حطت على غصن أخضر، فأسرع إليها كلب الحديقة الأسود ليحيل هدوء اللوحة إلى صخب وعنف، كذلك الولد الصغير المشدود إلى صندوق الدنيا، وحتى تكتمل الصورة الطفولية لديه يجلس بجوار أمل صديقته الصغيرة البريئة ولكن يد كبيرة داكنة، قبضت على رقبته وألقت به بعيدا . وهذا البناء الواقف أعلى السقالة فى عز الشمس فى المتتالية الثالثة للنص، فجأة يطرده صاحب العمل صاحب الذراع الممتلئ بالشعر الأسود، بدون مقدمات لمجرد إرضاء نزوة تسلطية، والمتتالية الخامسة التى تجسد العلاقة بين الرجل الذى عجز عن الممارسة مع زوجته، والتى تطلعت بنظراتها ناحية المرآة البيضاء ولوحة الظلال الراقدة على السرير، وحين أخبرته بأن الطائر الصغير قد مات فى القفص، دفن وجهه فى الوسادة علامة الآسى . وفى المتتاليات الثلاثة المتبقية من النص يبرز وجه القمع والقهر بطريقة مباشرة حين تقف العربات السوداء الثلاثة أمام البيت الصغير وتدق بابه بقوتها القاهرة وتسوقه أمامها وتغتصب هويته وحياته الكتب والأوراق البيضاء الصغيرة، وقبيل الفجر تذكر مقاطع قصيدة قرأها، ولفظ آخر الأنفاس، هكذا كان الانتقال بين المشاهد المختلفة لمظاهر القمع والقهر الذى عانتها الشخصية فى هذه المتتالية . ومع اختفاء اللون الأسود فى المتتالية الأخيرة، يعود اللون الأخضر مرة أخرى وكأن شيئا لم يكن . وهنا يقف النص بمتتالياته المتتابعة، وتبرز ازدواجية الحياة بألوانها الصارخة المتناقضة الأبيض والأسود، ولكن الرمز ينحو بنا ناحية اللون الرمادى الذى يعبر دائما عن أنصاف الحلول . وتعتبر قصة الأبيض والرمادى والأسود عزفا توقيعيا على تنويعات لحن واحد، يتعامل فيه الكاتب مع ازدواجية تجسيد دلالة الألوان الأبيض والأسود كرمز للخير والشر، والقوة والضعف، نفس هذا اللحن تواجد فى قصة أخرى بنفس الشكل، وبنفس الخاصية الازدواجية فى التعبير، بل وبنفس العنوان تقريبا وهى قصة تنويعات على لحن واحد وهو لحن لعب فيه الكاتب على إشكالية الموت الذى جاء عبر أربعة نصوص متتالية جسد فيهم الكاتب بعض الشخوص العائشة حقيقتها عبر الثابت والمتغير عندما يفاجئها الموت وهى فى أوج سطوتها، وقمة عنفوانها، ففى المقطع الأول واحد يجسد الكاتب فى هذه اللوحة مشهدا عاطفيا مؤججا بين فتى وفتاة يفاجئهما الموت وهما يعبران الطريق فتموت الفتاة ويصاب الفتى، وفى المشهد الثانى الجريدة القديمة تلقى الجريدة القديمة على جثة الرجل الذى كان منذ لحظات يتأفف داخل الأتوبيس من جراء ما يتعرض له من منغصات حياتية تعّود عليها أثناء ذاهبه وعودته من عمله، وفى المشهد الأخير من النص نافذة صفراء يطرح الكاتب فيها نفس الرؤية التى سبق وطرحها فى بعض النصوص القصصية من خلال ازدواجية التعبير الذى يجده محققا لهدفه من كتابة المعنى القصصى داخل نصوصه، فقد كانت إشكالية الموت هنا فى هذا المقطع من المتتالية الأخيرة محققا لنفس الهدف الذى طرحه الكاتب ليتمم به هذه المنظومة من الإشكالية، وهو تجسيد معنى الخيانة التى جاءت من الصديق الذى خدعهم وطعنهم من الخلف، لقد كان المشهد الأخير بحق نوعا من المشاهد يتلاءم مع توجهات الكاتب فى قصص المجموعة من تجسيد الموت بشتى أشكاله ومعانيه تلفت حواليه، الأبواب والنوافذ على الجانبين مغلقة، صوت الأمواج تلتطم بالشاطئ، قطرات المطر تتعاقب، تطلع على النافذة الصفراء، إلى الباب المعتم، وخطا الخطوة الأخيرة، وفاجأته الطعنة حادة وغادرة ولاهبة .
ممنوعات
ولاشك أيضا أن قصص ممنوعات و ظل الظلال و الموعد وهى من النصوص القصصية التى تلقى الضوء على إشكالية وتيمه أساسية فى عالم رمسيس لبيب القصصى، وهى انعكاس ذاكرته المحملة بهاجس الكتابة عن مظاهر القمع والقهر والتسلط الذى تعرض له خلال المرحلة التى قضاها سجينا أيام النضال السياسى، والتى لا بد أن تجد لها مخرجا إبداعيا ينقلها من منطقة الهواجس إلى منطقة الفن والإبداع بكل ما تحمل من ذكريات أليمة، وتساؤلات ملحة، وهموم ذاتية خاصة تعّبر عن ازدواجية الواقع فى حياته كلها . فقد جسدت قصة ممنوعات علاقة السجناء بسجانهم من خلال الشاويش دياب، الذى يذكرنا بالحارس نيكيتا فى قصة تشيكوف الشهيرة العنبر رقم 6 ، ومعاملته للمسجونين بشتى أنماطهم وتوجهاتهم السياسية والعادية، هو لا يفرق بين أحد منهم، فى عملية القهر والقمع حتى وهو فى أشد حالاته المرضية، حيث يحاول أيضا أن يوقع بأحدهم مد له يد المعونة وحمله على كتفه لنقله إلى المكاتب بعد أصابته بإعياء، إلا أن الشاويش دياب لطبيعة الخاصة فى البطش والقمع يحاول أن يضع له شيئا من الممنوعات فى جيبه حتى يضبطه متلبسا . وفى قصة ظل الظلال تتوه البسمة من وجه الزوجة العائد زوجها من التحقيق حين رأته أمامها، وأدركت بحسها العفوى المعروف سر اللحظات التى عاناها فى هذه الليلة التى لن تنمحى من ذاكرته، لقد استخدموا معه كل الأساليب حتى يكتب عن صديقه مالا يريد هو أن يكتبه، ولكن أساليب القهر والقمع كانت أقوى من أرادته الصلبة، فكتب ما أملوه عليه، وعاد إلى بيته محطما فى كل شئ لعله أن يكون حلما غريبا، لعله أن يكون كابوسا ويستفيق منه علىالأشياء الأليفة والطيبة والحبيبة .
وأمتد الشارع الضيق طويلا .. طويلا، وجلست البيوت ساكنة، مطرقة، والمصابيح الصفراء المقرورة تنزف ضوءا يتشابك لحنا شاحبا آسيان لا انتهاء له . وفى قصة الموعد تتواتر هذه الممارسات البوليسية للراوى الذى خرج عند الفجر لموعا هام يقابل فيه بعض الأصدقاء ليسلمهم مظروف خاص، وكان الاتفاق لهذا الموعد أن يكون عن طريق التاكسى الذى سينتظره لتوصيله إليهم، ويستقل الراوى أكثر من تاكسى على أنه هو المقصود، ولكن سوء الفهم ونوازع الخوف والتسلط والتوتر يجعله يستقل أكثر من تاكسى، ويتعامل مع أكثر من سائق على أنه هو المقصود بالموعد، حيث ينتهى الموعد بالعودة إلى المنزل لدفع أجرة التاكسى بعد أن ينتزع منه السائق ساعته ضمانا لأجرته، ويرتمى الراوى على فراشه تائها غير مصدق لما حدث . هذه القصص الثلاث بمناخها الخاص وأحداثها المتلاحقة المتشابكة، جاءت فى نهاية المجموعة لتعبر وتجسد نوعا خاصا من القص تواجد فى أكثر من مجموعة من مجموعات الكاتب . يحيل فيه الكاتب على مظاهر، وهواجس كانت ترزح تحت وطأتها شخوصه وذاته والمجتمع كله وهو إسقاط من الخاص على العام، وترميز لما كان يحدث على المستوى العام فى فترة عاشها الكاتب ولا زالت أحداثها تراوده فى إبداعاته القصصية والروائية . لذلك فجر الكاتب من طاقته الإبداعية هذه الأحداث عبر ازدواجية فى التعبير تواجدت فى الشخصية المستوحاة من العقل الباطن والوعى والإدراك المحسوس، والرمز الذى تحدثه طاقة الحدث من خلال ما يحاول الكاتب تأطيره فى أحدث قصصه، ومن استعارة أسلوبية يفصح بها عما يختبئ وراء آكام النفس والذات، لقد جمع الكاتب بين الذاتى والموضوعى فى العديد من نصوصه القصصية ليكشف لنا عن رؤية إبداعية خاصة رأى أنها تعطى لنا فى مجالها صورة من الحياة بكل ما تحمل من انعطافات ودهاليز ربما لا يعرفه أحد إلا من عركها وجربها وعاش أتونها بنفسه .
/6/2012 Issue 4235 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4235 التاريخ 26»6»2012
AZP09
























