
مقدمة في ميتا ـــ السرد عند أحمد خلف
متغيّرات الأرواح وساعات إنجاز الرواية
نعيم عبد مهلهل
في مقهى ننكرسو في مدينة طنجة المغربية ـ يضع صاحب المقهى صورا لرواده المشهورين الذين كانوا يرتادون المكان، ومن شتى الأمكنة ، ومن يجمعهم هو رجل واحد من أهالي طنجة ، احترف الكتابة الروائية بعمر متأخر بعد ان افترض لنفسه إصرارا اسطوريا وتعلم القراءة والكتابة في وقت متآخر ، ثم اصبح معلما ، وأخيرا نال الشهرة كلها عندما فاجأ العالم بإباحيته الصريحة في روايته الخبز الحافي. أردت من صاحب المقهى ان يؤشر لي على الطاولة التي يجلس عليها الروائي محمد شكري وهو يأتي بأصدقائه من أجل شرب الشاي الأخضر وتدخين السكائر الفرنسية التي يحبها هو ، بينما كان عبد الوهاب البياتي يحب سيكارة الروثمان، اما الروائي الآخر الذي كان يأتي بصحبة محمد شكري فهو العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي ، ولا يتذكر ان كان يدخن أولا . اقترح عليَّ أصدقائي المغاربة من أبناء طنجة أن نعقد ندوة نقاشية في المساء نستذكر فيها الوجوه العراقية التي كانت تأتي هذا المكان .. لكن احدهم قال: ان ما تفعله من أجل تلك الوجوه التي تحل ضيفة على طنجة قد كُتب عنها كثيرا. لهذا أراد ان نحول وجهتنا الى فندق ريترز حيث كان يجلس جان جينيه المدفون في مدينة العرائش القريبة من طنجة ، وكذلك عراب شكري الأمريكي بول باولز . الاثنان جان جينيه وبول باولز اصبحا جزءا من المشهد الستيني والسبيعيني لليل طنجة ونهاراتها، وشكل المكان بالنسبة لهما بهجة سرية غريبة ، لهذا اراد جان جينيه لقبره ان يكون قريبا من رمال شواطئ طنجة فدفن غير بعيد عنها. انا حسمت الأمر وقلت أتمنى ان نجعلها حديثا عن السرد العراقي، واني أثتاء رحلة القطار بين كازا بلانكا وطنجة حملت معي كتابا روائيا للروائي احمد خلف والرواية التي اشتريتها من مكتبة قرب مقهى فرنسا في الدار البيضاء عنوانها ( حامل الهوى ) والصادر عن دار المدى . فاجأني عز الدين مهاوش بأنه يعرف احمد خلف جيدا من خلال القصص القصيرة التي قرأها له في مجلة الأقلام، وانه في سنوات الحصار على العراق في تسعينيات القرن الماضي اقتنى من مكتبة مدبولي في القاهرة كتابا قصصا لمجموعة من القصاصين العراقيين عنوانه ( حين يحزن الأطفال ..تتساقط الطائرات ) وكانت لأحمد خلف قصة في هذا الكتاب . تعجبت من ذاكرة مهاوش العجيبة وهو يحتفظ بقصة وعنوانها لقاص عراقي تخيلت اني اجلبه لليل طنجة الثقافي لأول مرة في أماسيها الثقافية، والمفاجأة الأكبر انه ذكرني ان ذات الكتاب يحمل قصة لي عنوانها (ميثولوجيا معاصرة)، اما قصة احمد خلف فكان عنوانها ( أوان غريب ) وراح كمن يطوف في شوارع ذاكرته يتحدث لنا عن قصة احمد خلف الذي لم يزل متأثرا بأجوائها ، عندها تذكرت ما كان الأديب والمترجم احمد الباقري يذكرنا به انه عرف احمد خلف عام 69 عن طريق قصة له أسكنت فيه دهشتها وكتب عن احمد خلف وقصته وكأنه يعرفه تماما. تحدث عن أوان الغريب وكأنه قراها امس ،واحال تفسير القصة الى ما كان الجميع يعتقده عنها يوم كتابها من انها قصة مختفية خلف قناع المقاومة ولا ترضى بالذي حدث تماما ، وقال مهاوش وقتها انه لم يزل يحتفظ بملامح راهب تلك القصة المسمى (ذي الفضيلتين ) وانه في حسه ومبدئة يشابه الهاجس الصوفي الذي كان يمتلك الأسياد في ميثولوجيا الشعائر الدينية المحكية في التراث الشفاهي المغربي ، ومن ان هذا الظل المتخفي على شكل سيد وقور وبعمامة سيأتي ذات يوم ليكون مخلصنا جميعا ، وأشار ان احمد خلف ربما جعل هذا المسمى ( ذي الفضيلتين ) قرينا لظهور الأمام المهدي ،وان القصة هي تماما البحث عن بديل اخر بعد فشل الانتفاضة الشعبية في بداية التسعينات. لا ادري لماذا جنح قارئ قصة احمد خلف لهذا التصور ، عدا اني اتفق معه تماما ان الروح الخفية التي سكنت هاجس القصة كانت تمثل بطلها من خلال تفكير احمد خلف اليساري وربما استخدم هذا الرمز ليخفي رؤيته الى ما الت اليه الأمور ،وكان عليَّ ان أُفهمَ جُلاس تلك الأمسية ان هذه المجموعة القصصية التي جمعت حشدا من كتاب العراق والتي صدرت في القاهرة في اغلب قصصها كان هناك من يرتدي القناع ويقول المخفي الذي يسكنه ليس لمهاجمة الوضع فقط ،بل ان الغضب مما تركته الطائرات الأمريكية على البنية التحتية من دمار بدى مؤشرا ان القصص اختلفت في غاياتها لكن احمد خلف جنح الى شيء من العميق الروحي والبسه شكلا تاريخيا وصوفيا وكانت طقوسه غامضة ولكنها حادة وعميقة وتوريتها التزمت باشتغال قصصي متمك .
صاحب قصة
جلس الجميع امامي ليستمعوا الى رؤياي عن صاحب القصة التي وصلتهم في ذات يوم تسعيني ،وقد قراها النخبة ربما ،لكن واحد فقط يتذكرها الان وهو اكثر الجالسين سعادة ليسمع مني ما اتحدث فيه عن خصوصية السرد عند هذا الروائي العصامي الذي يظن الاخر انه قد ينهار كما جلجامش لانزعجاجه من متغيرات عصر كانت فيه قصصه ورواياته بعض خصوصية المشهد ،لكنه لم ينل كثيرا من الحظوظ ليكون معروفا عندما اخبرتهم لو احمد خلف روائيا مصريا ويمتلك ذات الخصوصية والغرابة في كتابة النص الروائي لاصبح مشهورا مثل جمال الغيطاني. واضفت لهم انه ليس مجهولا عندنا او عند العرب ،ولكني أرى في تجربته العميقة في السرد الروائي والقصصي من بعض حداثة المنجز في تنوع اشتغاله من الظاهرة الستينية ثم الى السبيعينية وحتى زمن العولمة حيث تتعامل روايات احمد الخلف الجديدة مع المتغيرات بشكلها الاجتماعي كمن يمسك منظارا واسطرلابا ويتعامل مع المجتمع بشخوصه ونفسياتهم وتحولاتهم الروحية والاجتماعية والعاطفية أيضا ، وضربت لهم مثلا روايته المهمة حامل الهوى. وهي رواية سايكولوجية تماما وكأنها كتبت في عيادة فرويد حيث رصد احمد خلف المتغيرات العنيفة في الروح العراقية وتأثير ما سيحدث في التعامل على خلفية الإرث القلق والمشوه الذي انتجته الحياة العراقية قبل 2003 لتنتح في 2005 زمن صدور الرواية حياة أخرى ستؤدي الى الكثير من المآسي على المستوى الاجتماعي في توازن العلاقة بين الانسان ومحيطة ،وربما قصة الدكتور نادر صالح مع زوجته وعاطفتها الخائنة والقلقة هي الأقرب الى شكل المتغير الذي سيعم الكثير من الطبقات ذات التوجه الليبرالي والارستقراطي ليس في المجتمع العراقي وأنما في المجتمع العربي عموما أيضا. قلت لمن يستمعون اليَّ ان احمد خلف يشتغل على النص كما يشتعل الجراح الماهر على العلة الخلقية في الجسد ، هناك تشوهات عليه ان يراها ويؤشر عليها ومن ثم يعالجها بالتداخل الجراحي ، وربما احد خلف يفعل ذلك تماما ، لقد جعل روايته عبر شخوص تتغير اداورهم ومسمياتهم وهم يخضعونَ لقدرية الوضع الذي عاشوه قبل 2003 وحتى عندما لم يشر الى التواريخ إلا ان احمد خلف كان يمنحنا مشاهد منظورة وسينمائية عن أناس يعيشون فينا نعيش معهم ونصادقهم ، ولم يكن بطل روايته ساديا في كشف أرواح وخبايا من يتعامل معهم ،بل انه في النهاية حمل اسم غاندي داعية السلام فقط ليظهر لنا ان احمد خلف يبحث عن شخصية مصلحة وليس شخصية تدميرية حتى مع ذلك الإيروتيكي الذي نعيشه في الخيانات وممارسات الجسد والغربات المكبوتة والمعلونة والعاطفية التي حاول بها حامل الهوى ان يخلق لنا توزانا في جعل مانراه ليس بالضرورة هو مشهدنا الحياتي ولكنه موجود ويُعاش في امكنة قريبة منا قد نراها او لانراها. اخبرتهم ان الراوي في حامل الهوى لم يكن مستعارا من قبل كاتب الرواية ،بل كان هو الرواي نفسه ، وقد تعامل من المشهد العام لحركة المجتمع لرد فعل قوي سكنه وكان من بعض احلامه ان يكون التغيير شاملا في البنية العمرانية والروحية لمجتمع بلاده ، وحتى يمضي عميقا مع مبضعه في ترقيع وترميم الظاهرة الاجتماعية التي نالت الكثير من الويلات والحروب تعامل معها سايكولوجيا ، واعطيتهم مثلا عزلة احمد خلف في تسعينات القرن الماضي عن كامل المشهد الثقافي والاجتماعي العراقي في تسعينات القرن الماضي ، وربما ما تلاه الروائي هو بعض لسان تلك الرؤية العميقة في المتناول السردي عيرة منهجية الميتا سرد التي يحددها التعامل الخيالي بين الحكاية وصانعها الذي ظل احمد خلف امينا عليه منذ روايته الأولى والى اليوم: (( كان الشخص الآخر قد طرق عليّ وحدتي ، الشخص الذي يحدثني . أسمعه ولا أراه ، ويلح عليّ ، ويلح على خاطري ويثقل عليّ وحدتي “)) رواية حامل الهوى صفحة .76 يكتب احمد خلف روايته بتأني ، ويستفيد كثيرا من مشاهداته وعزلته وثقافته ، بل اظن انه يخبيء التوثيق الذي يسجله في دفاتره الى لحظات تختمر لديه فكرة الرواية ،لهذا تأتي عناوينه مع الصدى القوي لفترة ليست قصيرة من التأني والعزلة ومراقبة ما يحدث بهدوء بعيدا عن أسئلة المجتمع الثقافي والأصدقاء عن عدم التواجد العام لاحمد خلف فيما يملأ الساحة الثقافية الكثير من اشباه متعثرة بعكاز من منتج ضعيف ومتهالك واستعراضي.
شخوص مؤثرة
يخلق احمد خلف رواياته من عالم يؤسطره في رغبة ان تكون الشخوص مؤثرة في المتلقي ، وفي كل روايته يجنح الى الغور في الذات البشرية ويضعها امام قارئة كحجم غامض لفكرة روحية يتلبسها الجسد وبين الروح والجسد يضعد احمد خلف روابط الاحتكاك والتعايش من خلال منظور اجتماعي ، حتى تشعر انه يوظف البيئة من اجل ايضاح الصورة التي قد ينالها التشويش ولم يتضح لنا تأثيرها وملامحها بسبب الحروب والعولمة والقراءة الخاطئة لتواريخنا . انه يُنشيء لنا ممالكاً من عدة جهات وتلتقي عنده في الرواية محكومة بقدريتها وبيئتها وارتباطاتها . اظهر احمد خلف في ميتا السرد لديه قدرة لغوية احترافية ،وغاب الانشاء عنه تماما ،والبعض حين تخيل انه يجنح الى تجميد العبارة عبر احكام سردي قاس يصل به حد الاسراف في في شد العبارة الى المعنى المتأزم في حياة شخوصه ،لكن القارئ ذاته سيفاجأ بتلك النهايات الشعرية التي يتركها لنا الرواي في قناعته ان الحياة لن تنتهي عند خيانة او قتل في حرب او جوع في حصار ، وان مهمته في الحياة ان يكون صانع المخيال المغاير تماما لتلك الشفاهية المتاولة التي تحكي عن الذي يجري في ايامنا وهو هنا ربما من دون ان يعلم يلتقي مع رؤية انطونيو كاليفينو القائلة : ان الرواية هي سرد لما تراه انت اولا وما تظنه ، ودع القارئ يذهب حتى لو في الطريق المغاير .لكن نقطة ما داخل الرواية ستفاجئكما وتلتقيان عندها. لم يكن احمد سوى ذلك المسكون برغبة العثور على تلك النقطة ليتصالح مع بعض قراء الرواية من انه يذهب عميقا في جعل شخوصه استثنائية حتى في محرماتها ، واظن ان الكتابة بهذا الشكل بعيدا عن مؤثرات ديستوفسكي في قراءة مراهقتنا الاولى ومثلنا ربما تعرض احمد خلف لهزة من عوالم الروائي الروسي ، إلا اني اراه وقد امتلك هكذا تخصص في بناء الرواية بشكل ذكي ومتقن ومؤثر آت من قراءات لاتحصى لثقافات شاعت كتبها في ستينيات القرن الماضي . ومنذ بدايات ثورتها ونبؤاتها كانت مجموعته القصصية المهمة ( نزهة في شوارع مهجورة 1974 ) وفي هذه المجموعة التي بشرت لها قصته الشهيرة (خوذة للرجل نصف ميت ) والتي نشرها في الاداب البيروتية عام 1969 والتي كانت الدافع لاكمال اول احلام احمد القصصية في التأني في خيارات حكايات مجموعته القصصية الاولى .
خواطر اسئلتي
وسأتذكر مع احمد خواطر اسئلتي حول هذه القصة عندما كنت انا وهو محسن الخفاجي وعبد الستار ناصر ومحمد خضير ومحمود عبد الوهاب وحسين عبد اللطيف وجهاد مجيد ومحمود جنداري وزيدان حمود ، وقد قررنا ان تكون لنا ليلة ادبية في غرفة سويت في فندق نينوى اوبري في ندوة قصصية وأدبية اقامها اتحاد ادباء نينوى وجامعة الموصل عام 1994 .وهناك اثرت مع احمد خلف هواجس تلك القصة واعدتها الى ما كان اهل اور وبابل يعتقدوه ان الكاتب عندما يضع نبؤته تصبح لوحا مقروءاً ، اما الكاهن عندما يضع نبؤته فتكون صوتا مسموعا قابلا للنسيان ، وقتها توقف معي احمد خلف وقال انا من جماعة المدونيين لانني لا اريد الكهونية التي يلفها النسيان . من هذا الهاجس فتحت معه نافذة القصة الاولى خوذة لرجل نصف ميت ، وحدثته عن حالة الفزع التي سكنت صبانا حين تحدث عنها احمد الباقري لاول مرة ،وان هذه الخوذة هي اسقاطات ذلك الالم الذي عاشه العربي ونعيشه نحن اليوم ،وربما عقب هو قائلا : وسنعيشه في السنين القادمات . ليأتي صوت عبد الستار ناصر وسنعيشه الى الابد. لقد كانت تلك القصة قصة حرب ،ولكنها لم تخضع لاشارة من واحد يريدها كي يجعلها مبررا لحروبه ،انما كتبها فقط ليظهر لنا سايكولوجية الهاجس في الهزيمة وفي العلاقة الانسانية بين الجندي واسرته وكانت زوجة الجندي انموذجا. تفاعلت حكاية احمد مع ذهن بنمط معرفي وحسي ،وذلك بسبب ان تشابكات القصة حدثت في فجيعة حزيران حيث اخذت منا اراض بحجم مساحة دول اوربية ، ثم ان ذات الفجيعة تطورت امام مرآى القاص في حرب استنزاف ثانية كانت تحدث بين الجنود العراقيين والفصائل المسلحه للملا مصطفى البرزاني وهو ما سمي بحرب الشمال ،ولا اعرف ان كان احمد وقتها كان يعي ان حزيران لم تنته مع تراجيديا الخوذة والجندي المدفعي أنما استمرت مع هاجس نعوش تركت خوذها في صمت ربايا الجبال العالية ونزلت مضرجة بالدماء . وقتها قال احمد ان قصته كانت تنبأ العالم بأن الامر لن يكون حزيرانا فقط. أقول لأحمد الان وهو يجدد ذات الهاجس الخفي في اسقاطات قصته الاولى في الكثير من روايته حتى من دون ان يعلم ، أقول له ان الروائي ولد ليكون هكذا مدونا لنبؤة لوح الطين ودموع خوذ الحروب. في رواياته التي اتت بعد 2003 يكشف لنا احمد خلف تفاصيل ما كان مكتوما بسبب الرقيب وحبل المشنقة، استطاع في حامل الهوى ان يتجاوز نمطية التعامل مع الذات العراقية وحررها الى قراءات ابعد ، وإن انحصرت في بعض مشاهدها عن طبقة تميل الوسطية او البروقراطية لكنه ايضا كان يذهب الى ما يجعل تفاصيل حياته القديمة والابدية الريفية التي صنعت روح اجداده تمثل جوها عميقا في صناعة الخفي من كل رؤى رواياته ،ومع تسارع الخطى سنكتشف الكثير من تلك الايقونات الخفية التي حاول بها الروائي ان يثير مرة اخرى فكرة الانتباه الى هكذا نمط من الروي المتقن والرصين والعميق ايضا. ميتا السرد عند احمد خلف هي ميتا ــ حياته . عالم البيت الخفي الذي ظل غامضا في حدود ابوته وحنانه الفطري الدافئ ،ولكنه مع رواياته عكس عصر من المعاناة على المستوى الفردي والروحي بالرغم من انه يدين بالولاء لام اولاده لانها شاركته تلك السنوات المجنونة من القحط والعوز دفعته ليحمل اقدام جلجامش ليبحث حتى لو عن بذرة واحدة من ثمرة الحياة ، وذهب ليفترش الكتب في شارع المتنبي .وليثبت للمتبضعين والمشترين ان الكرامة لايمكنها ان تكون رهنا بأسطورة ملك سومري ،بل الروائيون وموظفي الراتب ( 3 دولارات) في نهاية الشهر يصنعونها ايضا. يوم كنت اتحدث عن احمد خلف في طنجة لم تكن رواية تسارع الخطى قد ظهرت للوجود ،لكني اشعر انها ربما كانت موجودة كمسودة في دفاتره او على شاشة الحاسوب . وهذه الرواية تكاد ان تكون هي آناباز كل روايات احمد خلف ،واناباز هي الرحلة الاسطورية التي قام بها القائد الاغريقي اكزينون وتسمى رحلة العشرة الاف جندي حيث امر ان يكون سير رجاله في انسحابهم بطريقة معاكسه ، من اجل كشوفات يعتقد اكزينون انها غامضة لديه وعسيرة ،وتلك الرحلة تم اشتغالها شعريا بذات العنوان (اناباز) من قبل الشاعر الفرنسي سان جون بيرس والذي استخدم احمد خلف نصا شعريا من نصوص بيرس ، وحتى من دون ان يعلم ربما يدفع قارئه الى الاتيان بذات الرغبة للكشف عن الذي يحدث بالضبط في عالم تغيرت فيه النفوس والطرائق والسلوك عندما وجد عبد الله بطل رواية تسارع الخطى نفسه مخطوفا من قبل جماعة لايعرفه ولايدري لماذا تم اختطافه، والنص المأخوذ من واحد من مدائح سان جون بيرس يقول كما في مقدمة الرواية : (هذه حكايتي سأرويها ، هذه حكايتي ستُسمع .. هذه حكايتي سأرويها كما يليق ان تروى.. سيكون سردها لطفا يفرض الاستمتاع بها) والرواية هي تفاصيل الملحمة الشعبية للبشر الذين كانوا يحلمون ولم يجدوا ما كانوا يتمنون عبر تلك السعادة الخفية بما تغير ، ولكنه في النهاية يسكن الاحباط تلك الحشود المختفية وراء الف قرن من الاستلاب ولا تحصل على كل المبتغى وتقع فريسة لظروف لم تتخيل انها تمر بها على شكل محنه عسيرة اتت بمئات السيارات الارهابية المفخخة ولصوص المتاحف وغيرهم ، وهو ما نطقه صوت عبد الله في بيت الدعارة الذي احتجزه فيه المختطفون : (( أي خديعة قادك إليها أيها القدر مرغما؟ كم من السنوات ضاعت وتلاشى بريقها الان ؟ في أي شارع أو زقاق منسي التقطوك وأرغموك على المجيء معهم..)) ولآنني في مقالي هنا ليس لتشريح النتاج الروائي لاحمد خلف بل اني اضع خواطر المعايشة والصحبة مع الرجل وروايته عبر عشرات السنين سأختصر في تسارع الخطى الثيمة السرديدية التي اشتغلها الروائي من اجل ان يثبت لنفسه وللعالم ان صور الخوذ التي تركتها الحروب القديمة بقيت تعكس اسقاطاتها على عموم المشهد الاجتماعي ، الشارع والحانة وبيت السياسي اللص والرصيف الثقافي ووكر البغاء وامكنة استطاع فيها احمد ان يظهر لنا خصائص الازمة النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الفرد العراقي. هو التقى مع ديستوفسكي في القصد لكنه اختلف معه لأن الروائي الروسي كان يعتصر الروح البشرية حد الانفجار وهي تتحدث عن اسقاطات ما في داخلها ، لكن احمد خلف نقل لنا صورا ولقطات لبانورما الحياة ،ومعها ذات الاسقاط لكن التلوين عند احمد كان اكثر سعة بسبب العولمة ومتغيراتها ودبابات سقوط بغداد. ديستوفسكي كان يأخذ من الذات حدثا عظيما ، احمد خلف كان يأخذ من الجزئية الاجتماعية ذات الحدث ويحولها لنا الى سيرة ذاتية ليومنا ،ولكنها سيرة مؤثرة وتحتاج الى تحليل ،وهي كفيلة بجعل القارئ لايستمع قرائيا وذهنيا فقط ، بل يضع الاسئلة أن كان الحال سيتعرض له هو كما حدث لعبد الله. ميتا ــ السرد عند احمد خلف هو خيط وصل العلاقة بين المضمون والسرد وقد ينشط هذه العلاقة خيال الكاتب في جعل اللحظة الانسانية ومتغيراتها وشخوصها دافعا لبناء حالة حياتية جديدة ، بالرغم ان الروائي في اغلب رواياته يتحدث عن خيبات وانهيار منظمومات لكنه في النهاية يلملم زجاجها المهشم ليصنع منه مرايا جديدة ، وهو رد على الذي اخبرني ذات مرة :ان احمد خلف يبحث عن الكآبة دائما .وكان جوابي ويحولها الى فرح مخفي في النهاية . وعندما اراد وضوحا لردي قلت كلاما للروائي الالماني لهيرمان هيسه :القارئ في النهاية سيفرح بكل خرائبنا التي نضعها امامه ،لانه سيساعدنا في اعادة بنائها مرة اخرى تلك هي رسالة احمد خلف في حياته كلها . ابقى وجهه امينا لجهة السرد ،ولم يجنح مع هوى عاطفته ليكون شاعرا ،لقد كان يقرا في عيون ابيه تلك العبارة السومرية الاتية من حقول الرز في صباحات الشنافية :اريدك روائيا يا ولدي ،لتقص للاخرين حكاياتك عن الاثر الذي تركته ( أنا ) فيك.!
























