مقاطع مؤثرة عن حياة المنفيين

تجليات العزلة لقحطان جاسم

 

مقاطع مؤثرة عن حياة المنفيين

 

فيصل عبد الحسن

 

 

  في ديوان تجليات العزلة للشاعر قحطان جاسم نجد الذات العراقية المتشظية بين الوطن البعيد والمنفى، فالقاموس اللغوي للشاعر مشبع بالمفردات والكلمات التي تؤشر إلى هذا التشظي.

 

 

  وهو عانى من تجربة المنفى ولا يزال يعاني منها، وقد أضافت موسوعية الشاعر، وخوضه لغمار التجربة الكتابية في حقول معرفية كثيرة، لفهمه عن المنفى عمقاً، ولوعة تجدها في كل كلمة كتبها في هذا الديوان، إذ من بين معارفه الكثيرة ما كتبه في حقول التاريخ والسياسة والموسيقى والعقائد الدينية والعلاقات الدولية والترجمة، وله العديد من الكتب في هذه المجالات المعرفية، خصوصاً ترجمته لمختارت شعرية عن اللغة الدنماركية.   وكما أنه حصل على شهادتي الماجستير في علوم الدولة والعلاقات، والثانية في العولمة والأندماج عام 2005، وأنهى اطروحة الدكتوراه في تحليل ” خطاب الاسلاميين والديمقراطية في العراق ومصر عام 2010 ” والشاعر يقيم في الدنمارك منذ الثمانينات من القرن الماضي.

 

أسلوبية الشاعر

 

  يقول الشاعر في مقطع كتبه عتبة للديوان:

 

لسنوات

 

وانا أرقب الصمت

 

يختال في أجمة الروح

 

يزاحم

 

حطاماً لوقت فائت

 

تبعثر

 

في الضجيج المسلح

 

الصراخ الرث:

 

لِمَ لم يوقظوا هذه العتمة الصارمة

 

المحدقة بي ؟ “

 

أن الوقوف على اسلوبية الشاعر من خلال رصد قاموسه اللغوي، وعناصر قصائده الايقاعية وصوره الشعرية، وبيان علاقة عناصره الجمالية، وارتباطها بموقفه الفكري من الحياة، وما عاناه الشاعر، وما يراه لأبناء قومه من مستقبل في ظل ما عاشوه من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية صعبة.

 

  الصمت في عتبة الديوان هو رديف للصراخ والصوت العالي، فصمته يعني فيما يعني الرفض، وعدم الانصياع للأمر الواقع، وذلك ما نستشفه في كلمات وعبارات ” هيجانات، أسى مبهم، الضجيج المسلح، الصراخ الرث، عتمة صارمة، محدقة بي.

 

وهكذا في قصائد الديوان الثماني والثلاثين التي ضمها الديوان، والتي رقمت بالرقم العددي، والشاعر لم يعطِ القصائد التسميات كما هو مألوف، مما شكل رؤية بانورامية لقصيدة واحدة معنونة ب” تجليات العزلة ” مؤلفة من موتيفات ايقاعية متعددة تختلف فيما بينها، ومتميزة بإعادة التراتبية اللغوية في كل مقطع، ليعيد الشاعر تشكيل الصور الشعرية كما سنرى في قوله في المقطع السابع: ” هكذا ستقرأ نشيدك الأخير/ بلا مزامير/ أو منشدين/ وأنت ترتهن إلى صخرة الذاكرة/ تفتش عن خيط نور/ نساه في غفلة أحد الأصدقاء/ وهو يجرجر أنفاسه الأخيرة / نحو الموت / تعول أن يقودك لاكتشاف الخطيئة / والذنوب ! “

 

  الصور الشعرية التي ستثبت في الذاكرة:  “الجو الكرنفالي” لنشيد الشاعر، والذي سيخلو من عزف المزامير أو ترديد المنشدين، ولا شيء لدى المنشد غير صخرة الذاكرة، وعماء العينين فهو باحث عن خيط النور بالرغم من عماه، وذلك الخيط المرئي، النوراني، الجزء الذي نسي من تركات أحد اصدقائه، هو خيط النور الشيء الملموس، والمفقود، وقد كان يخص صديقاً لذلك المنشد الأعمى أشرف على الهلاك، وقد بدا أن ذلك المنشد، الذي أخذ شخصية الشاعر وتزيا بزيه، وأخذ مصيره أيضاً، باحثاً عن اكتشاف الخطيئة التي اقترفها والذنوب فيما جرى له من احداث ووقائع حزينة.   والشاعر هنا يبحث في عمق الظلمة عن بصيص نور يرى فيه الله تعالى حيث الجمال السرمدي والحقيقة الأزلية، والخير العميم، والجمال الآخاذ، ويحليك القاموس اللغوي لهذا بحثه في الكليات الفلسفية، وقد ضمنت في العبارات و الكلمات التي وردت في المقطع:  خيط نور، أنفاسه الأخيرة، الموت، الخطيئة، والذنوب.

 

حياة المنفيين

 

   والشاعر قحطان جاسم يوظف في ديوانه ما توفره الكلمات والجمل الفعلية والعبارات القصيرة من أيقاع صوتي، وما تتيحه من غنائية تعبيرية، وصور شعرية مستخدماً الطباق، ولغة الأستعارة، وقطع الترتيب المتتابع للكلمات لأتاحة الفرصة لخيال السامع أو القارىء لقصائدة أن يبني مع الشاعر عالماً من الجمال، والأفكار والأسئلة الكونية عن الموت والحياة، الخير والشر، السعادة والحزن، النجاح والفشل، أنه عالم من الطباق، الذي يوظفه الشاعر من أجل خلق دراما شعرية خاصة بصوته الشعري المتميز.

 

    نقرأ ذلك في عزلته الأبدية، التي يقول عنها ”  نزقي الوحيد / أن ألمس / بحذر/ بكارة الحلم/ أشاجر الأزمنة الأرملة / ألملم وهني وحيداً / أبحر في هياجي :  / العزلة طريقي إلى الصحو الأخير !! ” مقطع 9

 

  وننجتزىء هنا أيضاً قوله في تجربة حب فاشلة لمجتر ذكريات حدثت في الوطن البعيد :  ” منديل الأثم / سيكون نديمك الدائم / هكذا أوحت لي / وهي توصد الباب على وحدتي ــ أتوجس الحزن الرخيص / في الأغنية حين يدندنها الجميع / أتوجس / الندى تأسره الجرار/ الحب تغتاله بطاقات التهاني / حين تطلين بعد كل هذه السنين / لتنبشي ركامي / تطلبين أجوبة ضيعتها / وتعبثين بأرشيف الروح.  ”  مقطع 11

 

  وقاموس الشاعر اللغوي في الحب يختلف عن مفردات قاموسه في المنفى، والعزلة بالرغم من تشابه بعض المفردات في إيراد عبارات الحزن والفقد والإحباط، فقد ردد العديد من المفردات الدالة في المقطع أعلاه:  كا الأثم، النديم، الباب الموصد، الحب، بطاقات التهاني، أرشيف الروح ” وكلها تعيد حكاية من حكايات الحب الروحي من الماضي البعيد، وتعيده بصور شعرية آخاذة تعبر عن عذاب النفس بما تمتلكه من ذكريات حزينة عما حدث.   أن تلازم الفقدان في الكثير من مقاطع الديوان، ودوران المقاطع حول نفسها، فتجد أن بداية مقطع سابق هي ذاتها بكلمات مختلفة، ولكنها تعطي المعنى ذاته في عبارات ايقاعية، وكافية لنسج صور شعرية جديدة، فيها الكثير من الغنائية والقدرة على الايحاء والتوليد في خاتمة مقطع آخر، كقوله في المقطع 27:  ” هناك / في أعالي الانهيار / عند أقصى لمحة يأس للكون / سألمسك بتؤدة نادرة/ أهديك قلق الجذور/ ومدى للأستراحة / أقرأ لك وصيتي / عن تقاويم الطهارة / خصوبة الاعتزال/ وشروخ الألفة / وأحذرك / من وخز الماضي / ودفء الهشيم القادم.  ” والمقطع نبؤة عما سيلحق بالناجين في منافيهم، أن العزلة ستكون مصيرهم، وهي اسوأ من المصائر السيئة التي هربوا منها في وطنهم العراق، فقد ضم ديوان تجليات العزلة لقحطان جاسم مقاطع مؤثرة عن حياة المنفيين وعزلتهم، وكأن الشاعر يقول بألسنة الشعراء العراقيين الذين عاشوا وبال المنفى، ماعناه الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس في قوله بإحدى قصائده” إذا خربتَ حياتك هنـا / في هذه الزاوية /فهي خراب. أنـى ذهبـت {   تجليات العــــــزلة / مطــــابع الــــربـــــاط نت / الرباط ــ المغــــــرب / 54 صــــــفحة مـــــن القـــــطع المتــــــوسط.

 

{ كاتب عراقي مقيم بالمغرب